حوار الشرق والغرب

محمود سعيد

لقد بدأ الحوار بين الشرق والغرب في بداية عصر التنوير حين ظهرت بوادرالاهتمام بالشرق ودُوَله وشعوبه وأديانه واضحة عند المفكرين على اختلاف دولهم وانتمائهم، وقد ارتطم هذا الاهتمام بمعارضة قوية من رجال الدين سواء أكانوا كاثوليك أو بروتستانت، لكنه على الرغم من المعارضة الشديدة تعمّقَ وقَويَ كثيراً، بينما لجأ الكثير من المفكرين الأوربيين إلى نقد الفكر المسيحي والقيم الأخلاقية والأفكار اللاهوتية وما تجرّه من طاعة لرجال الدين وبدؤوا بتحرير الأدب والشعر والفنون والعلوم من ضلال اللاهوت، فأعلن مفكرون كثيرون في فرنسا وبريطانيا وألمانيا إصرارهم القوي على عدم التسليم بمصداقية ما بني على الكتاب المقدس وعدّوا ما جاء فيه خبراً من الأخبار يحتمل أن يكون صدقاً أو كذباً. ثم اقترح بعض المفكرين أنّ ما اكتشفه المنقّبون من مدوّنات سومرية ومصرية وصينية ومؤلفات عربية -بعضها أو كلها معاً- أصدق وأكثر واقعيةً من الكتاب المقدس إذ لم يعد مقدساً لأنهم اكتشفوا فيه الكثير من الأخطاء، لا بل طالبوا باستبدال الأخلاق المسيحية بأخرى كونفوشية أو مصرية أو حتى عربية بدوية لأنها أصيلة نقيّة.

ولما كانت أنظمة الحكم الأوربية تستند في شرعية حكمها على موافقة رجال الدين وبخاصة البابا، وكانت الأنظمة بمجملها ديكتاتورية وتعسفية ويتسم حكمها بالظلم والبشاعة فقد ظهر ما يسمّى “المساواة بين البشر والأخوّة بين الجميع”، وكانت هذه الفكرة إحدى أقانيم التنوّر. و ظهر آنذاك ما يسمّى “الدين الطبيعي” الذي يوحّد بين البشرية في الشرق والغرب والشمال والجنوب، والدين الطبيعي هذا هو الأصل الذي انبثقت منه جميع الأديان: اليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية وغيرها، وهذه الأديان كلّها انشقت وتطورت عن ذلك الدين الأصلي الطبيعي الأول.

كانت هذه بداية الحوار بين الشرق والغرب ثم تطور الأمر ليتوحد في نقطة رئيسة ظهرت في فلسفة التنوير، فقد توحد موقف المفكرين في محاربة واحدةٍ من أهم المسلّمات المقدسة في الفكر المسيحي التقليدي ألا وهي معاداة الأديان الأخرى وبخاصة الإسلام، فقد كان الإسلام يهاجم بشكل مركّز منذ القرن السابع إلى بدء حركة التنوير، أي لمدة أحد عشر قرناً، ظهرت فيها مئات الكتب التي تهاجم محمداً ودينه فكراً وعملاً، بالتبشير وبالجيوش التي احتلت الشرق العربي فيما اصطلح عليه “الحروب الصليبية”. لذلك جاء التنوير ليزيل الغشاوة عن العيون ويبيّن أنّ الإسلام
-كغيره من الأديان- يحترم الأخلاق الفاضلة، وأنّه لا فرق بينه وبين المسيحية واليهودية في الحضّ على الأخلاق الفاضلة والقيم الإنسانية، وأنّ الحوار-لا الحرب- هو الأسلوب الأفضل للتفاهم مع رجاله ودُوَله وشعوبه.

Leave a Reply