خواطر في زمن الكورونا

في زمن الكورونا

 معاذ الآلوسي
رسائل في العمارة الى وجدان
كتب الكاتب المعروف سهيل سامي نادر.
(على الرغم من ذلك، ولأني لا أعرف مضمون كتابه قلت له أرجو أن لا يكون حصاراً جديداً تحاصر نفسك فيه في زمن الكورونا.. فمن يستطيع أن
يكتب كتاباً بتقنية الثرثرة ويعلن عن هذا بوضوح.. من يدري لعله كتاب ضيق لكسرالضيق! تقبلها مني، وبعد كلام طويل متقطع فهمت منه أنه يسمى عمله كتيباً، لكن بدا لي أن هذا التصغير مقارنة بالأهداف التي شرحها محاولة للتواضع، إذ كان الأمر يحتاج إلى مساحة أوسع، أو إلى نظام خاص لا أعرف سعته ولا كيف يعمل. كان يريد أن يحلّق خارج السجن، سجن الكورونا، وسجن جسد ثمانيني متألم، وأن يفي بوعد قطعه.
كم نحتاج إلى سِعَة إذا ما كان المطلوب هو أن نخفف عن أرواحنا المتضايقة من الحبس والأخبار السيئة، وأن نفي بوعد؟

يوضّح أكثر: لا أريد أن أرتقي بكتيبي إلى مجد ما، بل أن أفي به، على علاّته، وبوصفه ثرثرة، وعداً قطعته لصديقة أحبها وأحترمها.
سألته: من هي؟
أجاب: وجدان ماهر الكنعاني..
ندّت مني أنّة حزن. فهذه المرأة الجميلة غادرتنا في زمن الحبس هذا.
قلت: هل تتذكر أنني تعرفتُ عليك بوساطتها؟
قال: أتذكر. في الكتيب أذكر كيف جمعتني وزملاء المهنة بك. هذا أدعى لكي نناقش أمر الكتيب معاً.

تحدثنا طويلاً عن وجدان. كنتُ قد نسيت تفاصيل وجهها لكن أتذكر انطباعاتي عنها: ذكية تبدو غارقة في لجة غامضة. ذكية لا تريد الشفاء من جُرح. مؤلم أن لا يساعدنا الذكاء على الشفاء من جُرح. روح جادة ويابسة أظنها تنفجر بين الحين والآخر ببكاء خاو. تكريس الحياة للعمل الجاد والحذر الدائم من أن تُجرح مرة ثانية. توازن غريب. حياة عراقية تلوب بين شوق حزين لحياة أخرى غامضة وواقع متغطرس واعتدائي.
أقول لك يا معاذ إنني أتذكر لفتة عنقها الأنيقة وطريقتها البغدادية في التعبير عن الامتنان وفقدان الصبر.
شعر معاذ بالحزن من هذه الانطباعات التي فاجأته. وجدها حقيقية تعبّر عن شخصية الفقيدة، بيد أنني لم أكن واثقاً إن كانت هذه الانطباعات تمثل صورتها حقاً. إنه استنتاج غامض جاء بعد التحديق بوجهها في لحظة انخلعت هي فيها نحو حياتها الداخلية. إنه حدس. فسّرت لمعاذ ما جرى: يحدث أنك تنقذف في باطن شخص ثم تخرج بمعرفة صامتة عنه، بلا تفاصيل، وإذا بالزمن والانقطاع يتآكلانها ويختزلانها. لا أعرف عن وجدان الكثير،
والمجهول عنها واسع، لكنه يعادل عندي إمكانية حياة كائن حر يستحق الاحترام. هذا يكفي. والآن دعني أقول لك إن وجدان كانت بالنسبة لي مثل رائحة خفقت أمامي وتلاشت.
قال معاذ: بعد موتها يبدو الأمر تماماً على هذا النحو. رائحة خفقت وتلاشت)

ثم في مقدمة كتابي :

أنا ووجدان وبيننا العمارة

1- مقدمة
هذه الشجون أثارها موت الصديقة الزميلة العزيزة وجدان نعمان ماهر. مرّت خمسة عقود منذ تعرفي عليها. ذكرياتي عنها كانت دائما موصولة بحضورها البهي، حتى بتباعدنا القاهر كنت أعرف أنها في مكان أمين، ويكفي أن أركب طائرة إليها. أنا في جزيرة طافية وهي في جزيرة طافية. لا أنا اخترت ولا هي اختارت. كنا نتراسل، بيننا اتصالات هاتفية. ثم حدث كل شيء بسرعة. طعنها السرطان وراحت تقاوم، ثم حلّت الكورونا، وصار التباعد قسرياً، وكنت أنتظر اللحظة التي تشفى فيها بالاقتران مع شفاء العالم كله. هي مريضة والعالم مريض. كان هذا التعقيد الإضافي موجعاً.نسيت أن بعض رسائلي ما زالت بحوزتها. والحال أي رسائل يجب أن أتذكرها وهي مريضة والعالم مريض؟ رسائل مرّت عليها عقود من الزمن، أنا الذي أضعت عشرات الوثائق بسبب تحولي من معماري ماكث إلى معماري غجري، من معماري يحتفظ بإرشيفات، في المهنة والعلاقات والتذكارات، إلى معماري تستعجله الأحداث، فيحزم حقائبه بعجل، ينسى أحيانا، لكن الحرب تستعجله، والقذائف تهدّ مكتبه. لن تنسى الحرب معمارياً يدير مكتباً ناجحاً دون أن تهدّه على رأسه!
وما الذي يفعله معماري غير أن يرحل مضطراً بأقل الحقائب وزناً، تاركاً خلفه أعمالاً غيرمنجزة، وفي أدراج مكتبه كارتات ومعايدات ورسائل أصدقاء لم يستطع لملمتها في مكتب مثقوب مثل قلب يوسف الصائغ.
ههنا مربط الحكاية. المربط وليس الحكاية كلها.
في بيروت تركتُ المكتب على عجالة. حرائق ونهب وحصار. في بغداد كنتُ بلا جواز سفر لمدة طويلة. فقدتُ كل أوراقي الأثينية والبيروتية. في بغداد بسبب العراق الجديد، خزنت صناديق الأرشيف في داري المكعب، وبعد الاحتلال احتلتها الأرضة والجرذان، وقبلها قلب الأمريكان عاليها سافلها بحثا عن السلاح! وكنت قد رميت الكثير منها في دجلة.
لقد نَفَذَ بي المثل العراقي القائل: تعب العمر راح بالشط!
وجدان تركت البلد في وقت مناسب، بسبب الحروب والاخفاقات القبيحة. فعلت هذا وهي حزينة، وكانت تحمل رسائلي كذلك. كان هذا الجزء من الحكاية مثيراً ولاسيما بعد أن عادت لي الرسائل في لحظة غير متوقعة. بعد عقود تصل رسالة كتبتها لصديقة. تتساءل:
هل فعلت هذا؟ بأي مناسبة؟ ماذا حدث؟ تتذكر لحظة ثم تنسى. حياتك تومض وقلبك يدق.
كم فرحت بهذه الرسائل عند مراجعتها والحصول عليها بعد عقود طويلة من الزمن. كانت رسائل محبة وأحاديث عن العمارة وقضايا الالتزام. كل هذا أمر عادي، لكن مفاجأة عودة الرسائل لي جاءت بطريقة غير عادية، بل وأربكتني، إذ أوقعتني بحيرة لم أكن مستعداً لها.

الحكاية تستحق أن تروى.

Leave a Reply