رحلة التّيه

سلمى الشّيخ

هل رأيتموني أصلّي؟

العدسة الّتي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة والحديث الممحّص حدّ التّهجّي… هكذا أوكلنا هواياتنا ولحظاتنا كلّها لجهاز قد يختفي فجأة آخذاً معه تفاصيلنا كلّها إلى المجهول.

كثيرة النّقاش أنا الى درجة الملل من نفسي، مشكلتي العويصة أنّني مازلت أعيش أجواء النّكسة، وأتعاطف مع البرامكة على الرّغم من أنف عروبتي المدمنة للهزائم الرّافلة في ثوب كبرياء مضمّخ بالخسائر، وأتفاعل مع مقتل الحسين، وأناقش الحجّاج وهو يبرّر هدم الكعبة، وأتعاطف مع الأحباش حين دفعوا الثّمن، ولا أشعر بشيء حيال هتلر على الرّغم من بشاعة جرائمه. لا يمكن لأحد أن يعيش حيوات عدّة وعصوراً مختلفة. إنّها خاصّيّة العقل العربيّ الموغل في الماضويّة، الجامح نحو افتعال الأزمات، المولع بالبطولات.

يتحرّك الآن رصيد من بنك أوف أمريكا باتّجاه بنك بيرنبرغ ليدخل منحدراً يمرّ من خلاله ببنوك عدّة حتّى يصل يد تاجر على حافّة ميدان تشاديو يتسلّل إليه على غفلة من ليل لشبونة الصّاخب حيث كلّ شيء يتباهى بماضيه وعراقته. إلّا أنّ ذلك التّاجر الباكستانيّ القادم من ضواحي سريناغار بكشمير الهنديّة يحمل معه صراعاً أزليّاً يختزله في قصاصات صغيرة داخل مصحف لا يفقه كثيراً ممّا فيه، تمجّد تلك القصاصات لحيته الطّويلة وتوهمه أنّه صفيّ الله في أرضه والوريث الشّرعيّ لها متجاوزاً بذلك بحوث ناسا وتكنولوجيا آبل وانتشار أكسون موبيل و حتّى آرامكو “المسلمة”. بلا كثير عناء ستتحوّل تلك المبالغ القادمة من ريع العمل لدى الكفّار إلى قصر في عالم الخلود مقابل نسف حائط دنيويّ كأبسط نتيجة متوقّعة لتلك الأصوات المخيفة.

على جانب آخر يحضّر صديق عزيز على فيس بوك لحفل زواجه من فتاة اختيرت له ووافق دون تفكير مسبق لأنّ حبيبته الّتي انتظرته طوال مدّة دراسته قد كبرت ولم تعد بتلك الفتنة حين أغرم بها أوّل مرّة. بعد كثير من التّردّد قّررت أن أخضعه لاستجواب عاطفيّ مملّ ولا مبرّر له سوى تقليديّة المشاعر وتكرار الأسئلة. لابدّ أنّه سمع الاستفسارات ذاتها مراراً، ومع ذلك ونكاية في الفراغ أعدت عليه الأسطوانة المشروخة فبدا من ردوده المقتضبة أنّ الاختيار كان عجولاً من البداية فقد اتّضحت لصاحبنا أشياء أخرى وتغيّرت ذائقته نتيجة الغربة والتّجربة ولم يعد يرى الجمال وهو على أعتاب الأربعين كما كان يراه في العشرين.

كان الجواب مقنعاً لعقلي اللّحوح على الأقلّ، وسنضطرّ هنا إلى أن نستأذن القلب ليخرج من المسألة من فضله…
نفس عميق ويستمرّ التّيه…

Leave a Reply