قصّة حلم

هاني نقشبندي

تمر بنا بعض المواقف فنظن أنها قد حصلت من قبل ونبحث عن تفسير ذلك في عقلنا.
ألا يتعلق الإنسان بحلم قد رآه في نومه فيتفاءل منه أو يتشاءم؟
هل الأحلام إشارات تأتينا لترشدنا إلى طريق ما أو تحذرنا من وقوع مصيبة قد نظنّها بعيدة؟

– في الرياض يحل الدكتور إسماعيل ضيفاً على مؤتمر عالمي للفيزياء الكمّيّة، حيث سيتشارك مع باحثين من أصقاع الأرض كلّها آخر أبحاثهم في علم الفيزياء.
وأمام المؤتمرين يعلن إسماعيل عن بحث غريب يثبت أنه كما أنّ هناك بعداً رابعاً في الفيزياء،وهو الزمن، هناك بعد رابع في الإنسان هو الحلم الذي لا يفنى ولا يأتي من عدم. فالحلم إمّا تحقّق أو يتحقّق الآن أو سيتحقّق في وقت ما. ومن هذا التطابق الزمني يمكن تحقيق ما سعى إليه الدكتور إسماعيل طوال حياته وهو صناعة الحلم لاستخدامه كوسيلة لاكتشاف بعض الألغاز وتفسير الظواهر الغامضة التي استعصت على العلم.
تلقى نظريته هذه صدى مختلفاً. لم يكن إسماعيل يعلم أن هذا البحث سيجرّ عليه مصاعب جمّة. لكنّ مؤتمر الرياض قدّمه أكثر إلى العالم، فلم يكن مجرد رجل روحانيات بل عالم فيزياء يريد أن يجسّد العلوم الروحية في شيء ملموس وفق نظريات محددة يعمل عليها. لاقى هذا البحث الجريء ترحيباً من بعضهم واستهجن آخرون الولوج في أمر يقترب من الروحانيات والغيبيات.
لبنى فتاة جميلة تدرس الفيزياء. أعجبت بأفكار الدكتور إسماعيل، وعندما التقت به وقعت في حبّه بشدة.
في المقابل وفي إحدى المدن الألمانية يتوافد أعضاء منظمة علمية تعنى بدراسة الظواهر غير الطبيعية (الباراسيكولوجي) إلى اجتماع لها. كانت الدكتورة هبة – وهي زميلة سابقة وصديقة للدكتور إسماعيل – آخر الواصلين إلى هذا الاجتماع الذي يترأسه السيد جورج. يوجه حديثه إلى هبة ويلومها على جهلها بما يفعله الدكتور إسماعيل، فقد كان عليها أن تكون على دراية بما يقوم به أستاذ الفيزياء المصري هذا.
هذه المنظمة العلمية المهتمة ببحث إسماعيل كانت أول من تبنى أفكاره ونظريته فعرضت عليه العمل في معاملها. وبالفعل انتقل إليها وعمل لمدة من الوقت على البحث ذاته: صناعة الحلم. لكنه اكتشفت بعد حين أن هدفه الإنساني من نظريته لا يتطابق مع الهدف المادي الذي تسعى له مراكز الأبحاث العلمية فقرر الاستقالة وعاد إلى بلده مصر وبقيت شهرته تسبقه حيثما كان. في القاهرة عاد للعمل في جامعتها في قسم الفيزياء. راحت حياته تسير بهدوء وبصمت إمّا في مكتبه الجامعي أو معمله الفيزيائي الصغير أو منزله، فهو متزوج من السيدة عليا ولهما ابنة صغيرة واحدة. عليا تملك داراً لعروض الأزياء وتبدو سيدة مجتمع وفخورة بزوجها العالم الفيزيائي، إلا أن علاقتها به كانت مضطربة للغاية إذ لم تكن تؤمن بما يفعله وكانت تطالبه بأن يكون معها في حفلاتها واستقبالاتها التي تقيمها لعروض الدار. ولعلها كانت تغار من نجاحه وتهافت الناس عليه وبخاصة السيدات اللاتي يطلبن منه دوماً تفسير أحلامهن. والحقيقة إنّ إسماعيل، وربما تحت ضغط العمل اليومي والخلافات الزوجية الدائمة، كانت له بعض نزواته العاطفية مع رغبة في الاستمتاع الشديد بملذّات الحياة بأشكالها.
تنامت المشاكل بين إسماعيل وعليا حتى كادا أن يصلا إلى الطلاق لولا طفلته الصغيرة ساندي، فقرر أن يقضي بعض الوقت في بيت والده القديم في منطقة السيدة رقية بمصر القديمة، وهو البيت الذي قضى فيه طفولته وكانت له فيه علاقة مميزة مع والده الذي علّمه تفسير الأحلام.
في هذا المنزل عادت جملة من الأحلام تتكرر على إسماعيل عن رؤيته والده. بدأ الأمر قبل مؤتمر الرياض الأخير لكنه تكرر بعد ذلك. كان يرى والده عبد الغفور ومعه شيخ غامض في رحلة صحراوية ثم جَملاً ثم نخلاتٍ يصعد إليها والده، وبين حلم وآخر يرى خيمة سوداء مثقوبة عليه أن يرتقها. ربما يعرف إسماعيل تفسير أحلامه تلك أو لعله لا يعرف لكنه ينصرف عن تفسيرها لبحثه عن كيفية صناعة حلم –بصمت- ودون أن يعلم أحد. كان غافلاً أن صديقته وزميلته هبة من مركز الأبحاث الألماني كانت تتجسّس عليه.
في أحد الأيام حلم بشيء مختلف، والده يطلب منه الانتظار. لم يعلم ماذا ينتظر لكن لم يطل الوقت قبل أن يتصل به رجل ذو صوت خشن. قال له إن الموعد قد اقترب لتسليمه الأمانة التي يحملها له وطلب أن يتحضر للقاء بعد ثلاثة أيام تحت المئذنتين في ساحة الأزهر. طلب منه أن يأتي وحده دون أن يعلم أحداً بقدومه، ولا حتى زوجته، وسيكون اللقاء في الساعة ،11:11 لا يتأخر دقيقة عنها. أغلق المتصل الهاتف. إسماعيل باللا وعي ينظر إلى ساعة هاتفه فيجدها 11:11. رقمان متشابهان يشبهان أيضاً خطين متوازيين.
لم تكن هبة وحدها من يتجسس عليه، بل وحتى صديقه المقرب قصي. ومع أنه رجل أعمال فله مصالح مع جهات أجنبية تعلم هي أيضاً عن أبحاث إسماعيل. هكذا يصبح الأخير مطارداً – دون أن يعرف- من هبة وقصي كل لصالح جهة مختلفة وكلاهما لا يعرف بعضهما.
الموعد المحدد للقاء يطابق يوم عيد ميلاده الأربعين أي سن النبوة والشدة. معنى هذا أن عليه أن ينسل من حفل عيد ميلاده الذي أحبت زوجته عليا أن تفاجئه به كي يذهب إلى موعده. وهذا ما حدث.
ذهب إلى ساحة الأزهر في الوقت المطلوب دون أن يخبر احداً. وقف ينتظر في المكان المتفق عليه في ساحة صغيرة تحت المئذنتين في الجامع الأزهر. لم يحضر أحد. بقي ينتظر لأكثر من ساعتين حتى قرر أن يغادر المكان. فجأة أتاه رجل وهمس في إذنه: ” أَعينٌ تراك هنا. اذهب إلى منزل والدك القديم”.
ذهب إسماعيل إلى منزل والده وما كاد يدخل تلك الدار القديمة حتى سمع طرقاً على الباب، فتحه على ضوء خفيف فدخل عليه أحد عشر رجلاً مطأطئي الرؤوس يتوسطهم شيخ يشبه من كان يراه إسماعيل في حلمه.وقف الشيخ مقابل إسماعيل حتى إذا ما اكتملت حلقة الرجال حوله قطع صوت الشيخ الصمت: “كان زمناً طويلاً منذ رأيتك آخر مرة “. إسماعيل يحاول أن يتذكر أين رآه. يدقق النظر ولكنّ معالم الرجل مبهمة وغائمة. لا يتذكر شيئاً وإن بدا الوجه مألوفاً. يلتفت إسماعيل إلى الرجال المحيطين به ويسأل الشيخ عنهم.
– “عباد الله مثلنا.. وهم الشهود”. يقول الشيخ. يقترب من إسماعيل: “حان الوقت”. الرجال الأحد عشر مطأطئو الروؤس ينتظرون إشارة الشيخ ويستمعون إلى الحديث. يتابع الشيخ: “اليوم قد اكتمل الوقت واكتمل معه عامك الأربعون، وقد بلغت أشدّك فبتّ قادراً على حمل الأمانة”. يخرج الشيخ من عباءته كتاباً ملفوفاً بقطيفة حمراء. يناوله إسماعيل وهو في حالة ذهول. يخاطب الشيخ الرجال من حوله: “اشهدوا أن الأمانة قد سُلّمت لصاحبها” ثم ينظر إلى إسماعيل
– “هو كتاب عبد الغفور أبيك إليك. وهاهو بين يديك وفيه دليلك إلى ما تريد”.
– يتساءل إسماعيل: “أي دليل؟”
– “دليلك إلى صناعة الحلم. لن يكون ذلك سهلاً، ولن يكون صعباً. عليك أن تعرف وحدك إلى أين سيقودك أو أين ستقوده أنت”.
وختم الشيخ: “إنه يخصك وحدك، لا يطلع عليه حتى زوجك أو ابنتك”. دنا منه الشيخ أكثر وقال بصوت هامس: “نحن سلالة لا تنقطع منذ والدنا ومعلمنا الأكبر ابن سيرين”.
يعود اسم ابن سيرين ليرنّ في رأس الدكتور إسماعيل. لكن عن أي سلالة كان الشيخ يتحدث؟ إنها العبارة ذاتها التي تكررت في حلمه عن والده وابن سيرين. أهي سلالة يكون إسماعيل نفسه استمراراً لها؟ أيكون هو حفيداً لابن سيرين مفسر الأحلام العظيم في التاريخ الإسلامي والإنساني؟ وأي سلالة تلك التي لا تنقطع وليس من بعده في الدنيا سوى زوجة لاهية بأزيائها وطفلة صغيرة؟
يبتعد الشيخ قليلاً. يستوقفه إسماعيل: “ولكن من أنت؟ أمن السلالة ذاتها؟” يبتسم الشيخ ويكتفي بالقول: “سألقاك في المغرب في ذروة المغيب عند تزاور الشمس… وتذكّر! لا أحد يطلع على الكتاب غيرك، وإن أعياك فأحرقه. هي وصية والدك”. ويمضي برجاله تاركاً إسماعيل ومعه الكتاب لوحدهما. اتكأ على الحائط ثانية يرقب الجميع وهم يختفون من أمامه.
لن يجد إسماعيل مكانا أفضل من بيت أبيه القديم ليقرأ الكتاب وفيه يخفيه.
كان مغلفاً بقطعة قماش حمراء مخملية. في غلافه طالعته شارة عجيبة: عقد ينتهي بمثلث في داخله هلال يقابله خطّان متوازيان على شكل 11 وكأنها ترمز إلى الأحلام أو السراب، أو رقم سري لشيء ما. مسح بإصبعه على الخطين وهو يفكر كيف أن هذا الرقم تحديداً قد صاحبه كثيراً مؤخراً، فما سرّه؟ يدقّق إسماعيل النظر في غلاف الكتاب فيلمح ما يبدو أنه عقد ينتهي بمثلث وداخله هلال وخطّان. فتح الصفحات الأولى فراح يقرأ بصوت أبيه عبد الغفور عن الأحلام: مغزاها، حقيقتها وصناعتها.
يأتيه صوت والده: “من يصنع الحلم تنفتح أمامه أسرار السعادة الأبدية. وقد حاولت أن أفعل. نجحت حيناً وعجزت أحياناً. ستحقق أنت ما عجزت عنه أنا”. ثم يخبر الأب ابنه إسماعيل شيئاً: “تلك القلادة على غلاف الكتاب هي ما رأيته في حلم للشيخ (ابن سيرين). قال لي: هي لإسماعيل. وقل له: إنّ الحلم في رحم الحقيقة”.
يبدأ إسماعيل بالتفكير والبحث عما يجب فعله، لقد زاده الكتاب حيرة فماذا بعد؟ كيف يفك رمز العبارة: “الحلم في رحم الحقيقة” ؟ وهل إن استطاع فعل ذلك سيتمكن من صناعة الحلم بلا معامل أو فيزياء؟ وكيف يفك شفرة الهلال في العقد والمثلث والخطين؟ يعرف أن الهلال يعني فراق حبيب أو عودته. المثلث هو مولود ذكر أو طفل قوي. الخطّان… لا يعرف.

لبنى التي التقى بها إسماعيل في مؤتمر الرياض تأتيه إلى مكتبه في جامعة القاهرة. تخبره أنها ستكون طالبته. لقد أتته في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى رفيق. جمالها وخلافاته الدائمة مع زوجته جعلته يتصل بشكل مكثف مع لبنى وشبه يومي حتى دعاها إلى منزل والده القديم وكشف لها سر الكتاب. طلب منها أن تعاونه في سبر معانيه بعد أن عجز عن ذلك. لم يكن يعلم أن قصيّاً وهبة اللذين يراقبانه يقتربان أكثر فأكثر من كشف سر الكتاب. ذات يوم غادر إسماعيل منزل والده القديم وعندما عاد أحس بأن هناك من اقتحم الدار وعبث بها لكن بقي الكتاب في أمان. راح يشك في كل من حوله حتى لبنى، إلا أن جمالها وبساطتها جعلاه يرتاح إليها. تستطيع لبنى أن تعطيه بعض التفسيرات المنطقية للكتاب وتكشف له أن المثلث هو مقلوب في حقيقته على الكتاب وليس معتدلاً وأن تلك إشارة سفر، والهلال طفل، والخطان المتوازيان طريق. ثم تقترح عليه أن تبحث عن الرجل الذي أعطاه الكتاب مرة اخرى أي الشيخ. يحاول إسماعيل تذكر أين رأى هذا الرجل من قبل وكيف يعثر عليه فمن دونه لن يستطيع معرفة شيء. يكتشف من أحد الجيران القدامى اسم الشيخ الذي كان صديقاً لوالده وهو ينتمي إلى قرية في أقصى الجنوب المصري. يذهب إسماعيل إلى حيث اعتقد أنه سيجد الشيخ. لم يعثر عليه. فجأة أتاه شاب قال له: “إن الشيخ الذي تبحث عنه موجود وراء هلال وثلاثة بحور”.
عاد إسماعيل إلى القاهرة، إلى منزل والده تحديداً وهو أكثر حيرة. لكن لبنى تعود مرة ثانية وتساعده في فك رموز الهلال والبحور الثلاثة. تقول له أنه يشير إلى مدينة واحدة: إسطنبول، لا سيّما أن بعض رموز الكتاب تشبه النقوش العثمانية القديمة. يقرر إسماعيل السفر بصحبة لبنى فتوافق. لكن في اللحظة التي تسبق السفر تختفي لبنى. يمضي إسماعيل في وجهته بلا تردد.
في إسطنبول يقرر إسماعيل أن يبدأ بزيارة المكتبة الوطنية التي تحوي أسماء بعض العائلات العائدة إلى عهود قديمة، ويحاول مطالعة رمز يشبه الشارة. إن لم يجد شيئاً هناك فستكون زيارته عبثية ولن يجد شيئاً أبداً. في المكتبة تطالعه أسماء متكررة لعائلة عريقة اسمها “بكتاش” تتخذ من العلامة أو ما يشبهها رمزاً لها وتقيم بجوار جامع السلطان أيوب. يذهب إلى هناك ويسأل عن سلالة تلك العائلة فيخبروه أن لم يبق من أفرادها سوى سيدة مسنة اسمها شكرية تسكن في بيت قديم. يجدها بعد بحث قصير فتفاجئه بالتالي:
– “ها قد أتيت إسماعيل”.
تقول له أيضاً: “كان هناك سيد تركي من أصول نبيلة وثرية عالم بالأحلام، رأى في منامه يوماً ابن سيرين يحثه على السفر إلى مصر بحثاً عن عالم آخر بالأحلام. التقى الرجلان هناك لكن توفي السيد التركي بالحمى ولحقت به زوجته بعد أن وضعت مولوداً ذكراً. هذا المولود اسمه إسماعيل، أنت”.
كانت تلك صدمة إسماعيل الأولى.
وتتابع السيدة شكرية: “جمع حب ابن سيرين بين والدك التركي والرجل الذي تولى تربيتك أي عبد الغفور، وقد ترك له أمانتين: أنت وكتاب الأحلام. قلّة من عرف بأمره، وأقل منهم من رآه. هو كتاب وضعه والدك الحقيقي ولعل والدك بالتبني أضاف له أو حذف أشياء من تجاربه”. تخبره السيدة شكرية أنه طالما فسر معنى الرموز فهو حقاً ابن الرجلين، وأنه بات الآن قادراً على تفسير معنى الهلال في الحلم، أي المولود الذكر الذي يمثله هو نفسه وقد صدق في ذلك. أما الخطوط في المثلث فتخبره السيدة شكرية أنها غامضة ولا تعلم شيئاً عنها.
استغرب إسماعيل لمَ أخفى عنه والده الذي ربّاه هذه الحقيقة مكتفياً بأن يضعه على طريق حلم عصي على التفسير، وكيف سيصنع حلماً دون أن يقدر على تفسير حلم كهذا؟ وهل بالفعل أن عبد الغفور ليس والده الحقيقي؟
يسأل السيدة شكرية عن معنى “الحلم في رحم الحقيقة” تقول له أن الحلم يفسر نفسه. لكنها وقبل أن تمضي في الشرح تسأله: “هل ترى العبارة مكتملة؟” تفتح كتاباً قديماً لها وتشير إلى صفحة تشبه واحدة في الكتاب الذي يملكه إسماعيل. تشير إلى سطر محدد مكتوب فيه التالي: “الحلم في رحم الحقيقة.. والحقيقة بين رحمين”.
يحتار الدكتور إسماعيل فقد كان أمام عبارة واحدة والآن هو أمام عبارة أخرى تزيد الأمر غموضاً. لكنه يدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أنه على الطريق الصحيح ويتساءل: أي حقيقة تلك التي بين رحمين، وما هو الحلم في رحم الحقيقة؟ تخبره السيدة شكرية أن الجزء الأول من العبارة يفسر بأن الحلم الذي أتى لوالده على يد ابن سيرين (القلادة والعبارة) أصبح حقيقة باكتمال العبارة التي هي من الواقع أي من والده الحقيقي كما يشير إليها الجزء الثاني من الكتاب. كما أن هذا الحلم هو ما كشف له حقيقة نسبه. وهذا ما يفسر أن الحلم في رحم الحقيقة. أما الجزء الثاني من العبارة -أي الحقيقة بين رحمين- فهي لا تعرف معناها، لكن ما تعرفه أن والده كان ثريّاً وأنه ربما ترك له كنزاً في مكان ما وتلك العبارة قد تدله عليه.
يفكر إسماعيل في البحث عن أصل والده ليكتشف مكان الثروة التي ربما تركها له إن كانت هناك ثروة بالفعل ولو أن ثروته الكبرى تكمن في كشف سر صناعة الحلم.
تنصحه السيدة شكرية بزيارة شيخ اسمه عبد الحفيظ فهو وحده من سيدله إلى الطريق وربما فسر له عبارة والده.
– “وأين هو الشيخ عبد الحفيظ ؟”
– “في قرية صغيرة في المغرب تدعى الشأون”.
إذا عبد الحفيظ هو نفسه الذي أعطاه كتاب والده. وهو الذي قال له حينها “ستجدني في المغرب في ذورة المغيب عند تزاور الشمس”.
قبل أن ينصرف إسماعيل تقول له السيدة شكرية: “انظر إلى الشارة ثانية. هل ترى الخطين المتوازيين؟”
-“نعم” يجيب إسماعيل.
تردّ شكرية: “أعتقد ولست واثقة: هما سفر، نعم هما سفر” وتضيف “لكنهما خطان. أنت في سفرك لست وحدك فاحذر يا إسماعيل”.
في تلك الليلة يتكرر حلمه الغريب: ثقب في خيمة يحتمي بها. يتجاهل الحلم وقد أدرك أن الخيمة هي منزله مصمماً أن لا يخل بنصيحة والده بالامتناع عن تفسير أي حلم يمس عائلته.
في المغرب لم يطل بحثه في مدينة الشأون عن الشيخ، وجده قابعاً في أحد المساجد القديمة قبل صلاة المغرب وكأنه كان في انتظاره. يسأله إسماعيل عن كل ما يجري معه. يقول أنه يشعر بنفسه يحلم ويطلب منه أن يساعده في الوصول إلى غايته. يدعوه الشيخ إلى بيته وهناك يخبره أن تأويل السيدة شكرية صحيح؛ الحلم في رحم الحقيقة يعني أنه ابن ذاك التركي بالفعل. لكن والده بالتبني هو من ربّاه وهو من صنع له حلمه. فواحد حلم والآخر امتداد لهذا الحلم الذي أصبح حقيقة، واحد صنع في المنام والآخر اكتمل في الصحو، وكلاهما يرتبط بالآخر. وهو إن تخلّى عن أحدهما تخلّى عن الآخر. هكذا يصنع الحلم.
-“وماذا عن الحقيقة بين رحمين؟” يسأل إسماعيل.
– يجيبه الشيخ: “هو مكان الشيء الذي تركه والدك من أجلك”.
– “أهو كنز؟” يسأل إسماعيل.
– يجيبه الرجل “أجهل ما يكون لكنّه غايتك. وهو مدفون بين رحمين: رحم والدتك ورحم قبر والدك”.
لا يضيف الشيخ شيئاً لكن يغادر لوقت قصير ويطلب من إسماعيل الانتظار ثم يعود ومعه بضعة رجال يشبهون تماماً أولئك الذين زاروه مع أمانة والده. قدم الشيخ إلى إسماعيل عباءة حمراء ثقيلة، ألبسه إياها وطلب أن يشارك الآخرين جلستهم في قراءة القرآن. بعد أن انتهوا قال الشيخ: “اشهدوا أن إسماعيل قد تم تكريسه واستلم أمانته الثانية”. لم يفهم إسماعيل العبارة. عندما سأل أكثر أخبره الشيخ أن الوقت قد فات ونصحه أن يعود إلى أهله. هذا كل شيء. أخافت تلك العبارة إسماعيل كثيراً. مع الفجر وجد نفسه وحده في بيت الشيخ وقد غادره الجميع فغادر بدوره متجهاً إلى المطار. يأتيه اتصال من ابنته ويشعر بتوعك في صوتها. وكأن الشيخ عبد الحفيظ كان عالماً بذلك عندما نصحه بالعودة إلى أهله.
في القاهرة يجد أكثر من شخص قد سأل عنه لكنه لا يجد شيئاً من لبنى. ابنته في المستشفى فتوجه إلى هناك. عرف أنها سقطت على يدها فكسرتها. كانت إصابة خفيفة. مع هذا أدرك إسماعيل أن الأمر أكبر من مجرد كسر يد طفلته فالعلة في زوجته وهي من قد تكون مريضة. إنه تفسير الخيمة المثقوبة. لكن هل فات الأوان بالفعل؟
بعد أن غادر الجميع المستشفى بأيام شعرت عليا بإنهاك وتغير لونها. لم يتفاجأ إسماعيل وأدرك أن الحلم يتحقق الآن، عائلته تنهار وكل شي سينتهي. لا تفسير آخر. قبل أن يعود بزوجته إلى المستشفى يقرر أن يذهب لزيارة قبر والده ومحاولة اكتشاف الشيء المخبوء هناك الذي تركه له والده ووالدته الحقيقيان. وضع افتراضاً بأن الرأس المقصود في عبارة الشيخ هو موضع رأس والده في القبر وإن الرحمين، قبري والديه، يقعان خلفه مباشرة. هناك شرع في الحفر بمعاونة أحد العاملين في الجبانة. لا يغوص في الأرض أكثر من مستوى قامة صغيرة قبل أن يجد قطعة خشبية مهترئة. هذا كل شيء. بقي إسماعيل وحده ينظر إلى الحفرة، أمسك حفنة تراب وقذفها، ومسح على رأسه وأخذ حفنة أخرى. فجأة طالعه شبح رجل رفع رأسه فإذا هو الشيخ عبد الحفيظ يقف فوقه بهامة ضخمة. قال له: “لقد فات الأوان. عد إلى عائلتك”.
عاد إسماعيل إلى بيته شارد الذهن لا يعلم إن كان يحلم أم هو جنون أم هي يقظة مجنونة تلك اللحظات التي يعيشها. قبل أن يدخل باب منزله حيث تنتظره زوجته وابنته ينهار مغشياً عليه. يفتح عينيه فإذا هو في المستشفى تحيط به ابنته وزوجته. هو ثقب الخيمة لا زوجته. هو المريض ولا أحد سواه. إنها لحظاته الأخيرة التي قضاها يطارد حلمه فما رأى الواقع. فجأة ظهر أمام طرف سريره الشيخ عبد الحفيظ. قال له: “أجمل حلم تصنعه هو العائلة. إن فشلت فستفشل في كل شيء. نحن نيام حتى نموت”. انصرف الشيخ عبد الحفيظ وإسماعيل زائغ العينين يشدّ بيمينه على يد زوجته وبيساره على يد ابنته. دخل بعض الاصدقاء لعيادته. في المساء أسلم الروح بعد أن أوصى زوجته بإعطاء ابنته كتاب والده والعباءة التي تكرس بها في المغرب.

كانت عبارته الأخيرة: “الآن.. سأفيق من نومي”.

وقد حُوّلت الرواية الأدبية الصادرة عن دار الساقي في لندن إلى إلى مسلسل تلفزيوني بعنوان “صانع الأحلام”

Leave a Reply