مدرسة بغداد للتصوير: الواسطي والحرية


أمل بورتر

مقدّمة

جرت العادة على إطلاق صفة “الفن الإسلامي” على الفنون التي أُنتجت في بقاع الدول التي تبنّت الإسلام دينًا، لكنني أفضل أن تُسمّى “فنون مدرسة بغداد المتأثرة بالفكر والفلسفة الإسلامية”. إن تعبير الفن الإسلامي مفهوم مضمّخ بفكر استشراقي محض بكل أبعاد الاستشراق من استحواذ وتوسع وهيمنة ثقافية أكانت أم عسكرية، كما جاء في نص إدوارد سعيد عام 1978 إذ أثبت فيه أن الاستشراق تخصص استعماري وأنه حشر الإسلام والشرق في صورة لتشبع طموحات الغرب لمطامع استعمارية لامتلاك الإسلام ومن ثم العالم الإسلامي.

لا نغفل أن بداية حركة الاستشراق كانت لها قاعدة تأسيس عسكرية راسخة من قبل رجال السلطة في الدول المستعمرة التي تطمع في خيرات شعوب أدنى منها في التقنيات التكنولوجية، وفي الوقت ذاته كانت هذه الدول المستهدَفة أغزر في نتاجات المواد الأولية المغرية بالاستحواذ، وللحصول على كل ما يمكن استغلاله والاستفادة منه في شتى النواحي، فازدادت أهمية أعمال البعثات الأوروبية سواء أكانت عسكرية أم ثقافية أو تبشيرية أم أنثروبولوجية.

إن الذين تولوا شأن فكر الاستشراق حتى منتصف القرن التاسع عشر و أواخره تقريبًا كانوا علماء في نصوص العهدين القديم والجديد ولاهوتهما، وازداد اهتمامهم بالتنقيبات الآثارية وبخاصةٍ بعد أن تم نقل الكثير من اللقى والمدونات الآثارية المصرية ثم الرافدينية إلى أوروبا، وانشغل الباحثون في فك ألغازها، وتيسّر لهم ذلك عندما وُجد نقش بهستون (قرب
مدينة كرمنشاه في إيران الحالية) الذي ساعد على فك رموز اللغات القديمة، واستُقبل ذلك بكثير من الاهتمام جعل الاهتمام بالدراسات اللغوية والتاريخية والآثارية لبلاد النهرين مع لغات مصر القديمة يأخذ نصيبًا أكبر في التوسع والبحث فيما يتعلق بأساطير الخلق السومرية وغيرها في وادي الرافدين أو مصر. لقد تم ذلك بشكل علمي وجاد وأُطلق على تلك الدراسات “علم الآشوريات أو المسماريات والمصريات”Egyptalogy Assyriology”. اتجهت حينها الحكومات الغربية ومؤسساتها العلمية والثقافية والاستشراقية إلى الاستزادة والتشجيع على التعمق في دراسات علم الآشوريات والمسماريات والمصريات، وبدأت تقدم المنح المالية السخية للتوسع في البحوث والتحريات والتنقيبات والتراجم الآثارية للنصوص والمدونات من أشعار وملاحم وأساطير والتي قد تعزز وتمنح مصداقيةً لنصوصها التوراتية التي فيها إشارات واضحة إلى حوادث وشخوص وللمواقع الجغرافية مما أظهر المسعى العميق لمواصلة التراجم والدراسات على نشاطات الكثير من المؤسسات الفكرية والدينية والثقافية والفلسفية في أوروبا وأمريكا، التي تصبو إلى نتائج تؤكد استقراءات النصوص التوراتية التي هي أحد الأهداف المهمة بل الرئيسة لتلك الحملات الآثارية.

لقد أصبح لتلك اللغات القديمة علماء وكليات ومعاهد تدرس على نحو أعمق نصوصها والأفكار التي تمت ترجمتها، وقد وجد هؤلاء العلماء الكثير من التشابه بين النصوص الآثارية القديمة وما جاء في أسفار وحوادث ومزامير العهد القديم التي ربما تم تدوين بعض منها في وادي الرافدين. وتأسست حلقات في مؤسسات ثقافية تعليمية لاستمرار الدراسات حول ما أُطلق عليها التنقيبات والدراسات الآثارية التوراتيةBiblical Archaeology، وتولت ذلك مؤسسات يهودية ومسيحية إنجيلية أوروبية وأمريكية.

أغلب تلك النصوص التي استرعت الاهتمام لها علاقة بالخلق وتكوين العالم والعبادات والدساتير القانونية، وقد تمت ترجمتها لما تحتويه من علاقات ووشائج واضحة بالشرائع الحالية السائدة في المنطقة فيما يخص الأديان التوحيدية، وكذلك للتأكيد على مصداقية تلك المدونات التوراتية، ولوجود خيوط كثيرة مشتركة بينهما، إذ فيها تمت الإشارة إلى بعض المواقع في بعض النصوص المقدسة منها، مثلاً اسم “أور” و”بابل” و”نينوى”. وربما تم التوسع في البحث في تلك المضامين والنصوص التوراتية لمقارنتها بالنصوص التي وجدت في “أور” و”بابل”، والتي كانت نتاج الحضارات الرافدينية ولها سماتها الواضحة.

لقد نجح الفكر الاستشراقي في دول الشرق الأوسط في بسط مصطلحاته، ومنها مصطلح “الفن الإسلامي”، لكنه لم ينجح في دول مستعمَرة أخرى مثل منطقة جنوب شرق آسيا في شبه القارة الهندية والصين واليابان وأمريكا الجنوبية وأستراليا وغيرها من المناطق في أن يسمّي تلك الفنون بالفن الهندوسي أو البوذي… إلخ على الرغم من وجود الدراسات الاستشراقية والحملات العسكرية، ممّا يؤكد أن الاستشراق الاستعماري، وبغرض امتلاك الإسلام ومن ثم العالم الإسلامي، يريد حشر الإسلام والشرق في صورة تشبع طموحات الغرب بعيدًا عن الشبهات كما ورد في نص إدوارد سعيد.
في استعراضنا التاريخ والتسميات التي أُطلقت على الفنون قاطبة نجد أنها كلها كانت تسمى بموطن أو قومية نشأتها أو جغرافيتها كالفن الهلنستي والروماني والبيزنطي مثلًا وفنون اليونان وفنون عصر النهضة أو المدرسة الكلاسيكية والرومانسية والسوريالية وغيرها. لذا أعتقد أننا يجب أن نفكر بعمق في هذا المفهوم المفروض علينا، فالنتاجات الفنية والمعمارية في أندونيسا تختلف كليًا عن مثيلاتها في سوريا أو في المغرب، وهذه الخاصية المحلية واضحة في دولنا العربية وبقية الدول الإسلامية. لكن ثمة أفكارًا فلسفيةً تجمعها فلا طراز فنيًا معينًا يُحدَّد بدين بل بفلسفة الدين الواضحة كما في مدرسة بغداد للواسطي. إذ أن النتاجات الفنية لهذه المدرسة وغيرها، المتأثرة بالفكر والفلسفة الإسلامية، نتاج شعوب تلك المنطقة التي اتخذت من الإسلام دينًا وسط بقية الأديان المتعددة التي كانت سائدةً فيها حينذاك، ويظهر ذلك التمازج واضحًا في بداية نتاجات الحقبة التي تلتها لاحقًا، فهي بكل أنواعها تحتوي- بوضوح- على نفحات من الميراث الحضاري لشعوب تلك المنطقة وتلاقحٍ بالقديم بأبعاده كلها، الأمر الذي قاد إلى تشكيلة فنية مثيرة للدهشة وفيها الكثير من التنوع والتجديد، وقد أدى ذلك إلى حضور واضح للنماء وإلى غنى وخصوبة وريادة طليعية متناهية في نتاجات تلك المناطق.

إن أعمال يحيى الواسطي ومدرسة بغداد للتزويق-كما سميت حينها- والتي شعت في القرن السابع الهجري وكانت أول موجة فنية نيرة تحمل خصائص واضحة متجددة كسرت الجمود والتجاهل الفني الذي ساد بعد مدة من الازدهار خلال العصور التاريخية القديمة في منطقة الشرق الأوسط.
إن نتاجات الواسطي كلّها والتي تعدّ واقعيةً ونقلًا للصورة الحقيقة للحياة لم توثق لنا أي منع أو تحريم ديني، ويبدو من خلال تلك اللوحات كيف كان المجتمع متجانسًا وفي سلام مع نشاطاته التي يشترك فيها أفراده كلّهم من دون رسم أي حدود أو حواجز جندرية أو غيرها. كما أننا يجب أن نتذكر أن المجتمعات الأوروبية المعاصرة لفترة الواسطي عانت الكثير من التدخل الكنسي في النتاجات الفنية ووضعت أمامها الشروط والموانع إلى أن تم تجاوزها في عصر النهضة والتنوير الأوروبي بمنع التدخل الكنسي، ونتاجات الواسطي تكشف لنا عن عدم وجود أي من الممنوعات التي نسمعها الآن والتي تجسدت بعد ظهور مدرسة بغداد بمرحلة طويلة والتي تُفرض حاليًا على الفنون كممنوعات ومحرمات، علمًا أن نتاجات الواسطي كانت غير بعيدة تاريخيًا عن صدر الإسلام. وكذلك ما أُنتج من أعمال من مدرسة الواسطي وبأسلوب مدرسته التي تمت كلها بطلب من الخلفاء المسلمين حينها وبمباركتهم، وكانوا يرسلونها كهدايا.

إننا نجد أن لما أنتجه الواسطي مغزى مختلفًا وبعدًا آخر أكثر نضجًا من الفنون المتداولة التي كانت سائدة حينها، إذ أن أساليبه لنتاجات مدرسة بغداد للتصوير بمواضيعها كلها وفي لوحاته جميعها أوضحت فكرة الإنشاء التصويري بقابلية التكوين/الإنشاء المتكامل بلباقة، وتوحي أشكالها وتلمّح إلى مضامين مألوفة وواضحة للمتلقي امتزجت مع صيغ فنية مرهفة يعززها التمكن من الحرفة والكثير من البراعة والممارسة ومستندة بثقة إلى أسس الحضارات السابقة، يدعمها روحيًا الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية المتزاوجان مع الميراث المحلي القائم والسائد بوضوح، إذ إنني لا أشكّ باطلاع الواسطي على بقايا الإرث الحضاري القديم وما يعزز هذا الحدس -فضلاً عن الصور التي ساستشهد بها- ما جاء في نص من كتاب “الحضارات القديمة وحضارة ما بين النهرين”لمؤلفه توم هيد ص92 Head, Tom. Ancient Mesopotamia يتحدث عن أن “مدينة آشور كانت مأهولة بالسكان وشواهدها شاخصة إلى القرن الرابع عشر الميلادي إلى سنة 1401 ومدينة أورك بقيت قائمة إلى سنة 700 ميلادية”

في بحثه عن “فن التصوير عند العرب ويحيى بن محمود الواسطي” المنشور في موقع الحوار المتمدن في العدد 3581 في سنة 2011 يقول الدكتور سميح مسعود:
“اهتممت مبكراً بكل ما يتعلق بحركة التصوير العربية التقليدية لمعرفة فنها الموروث بكل ما فيه من ألوان وإشعاعات متميزة، وهكذا وجدت نفسي محاطاً بمراجع كثيرة مزدانة بشواهد وأدلة فنية كثيرة ارتبطت بالمجتمعات السابقة، بخاصة في بلاد الشام والعراق”. هذا الامتزاج والارتباط الحضاري هو الذي وحّد وقارب كثيرًا بين الجديد والقديم في نتاجات الواسطي، وساهم بإبداع في تتبع خطي أسلوبه في بقية الدول العربية، وبخاصة مصر، حيث أُطلق عليها “مدرسة بغداد للتصوير”، فظهرت النتاجات المبهرة الفنية المتعددة والمتنوعة، وكلها اعتمدت أسلوب الواسطي المتزواج والمتمازج مع حضارة مصر القديمة ، ممّا حفّز المجتمعات على إنماء جوانبها الاجتماعية والإنتاجية من فنية أو حرفية وغيرها، وهي التي كانت وبقيت تستلهم الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية على نحو واعٍ و واضح أو ضمنيًا أحيانًا. كما سنجد أن ذلك الفكر والفلسفة والأسلوب الفني الجديد قد ثبته أسلوب مدرسة بغداد فولد صحيًا ومشوقًا ومكتنزًا بالجديد والمثير. ونتيجة لذلك توسعت رقعة الاهتمام بأسلوب هذه المدرسة وبلغت أغلب البقاع الشرق أوسطية حتى وصل الكثير منها على شكل كتب ومخطوطات لمواضيع مختلفة ومتنوعة، وأُرسلت كهدايا تتبادل بين الحكام في دول شمال أفريقيا وإسبانيا أولاً ثم أغلب الدول الأوروبية فاستحوذ هذا الأسلوب على معظم النتاجات في تلك المناطق.

فيما يتعلق بالتحريم الديني العقائدي للرسوم الآدمية نشأ ذلك في الشرق الأوسط عبر المفهوم الديني العبري
(الدين اليهودي)، فقد رفضت اليهودية الأشكال الآدمية أو الحية كلّها، كما شجعت الكنيسة في القرون الوسطى المظلمة التقشف وحدّت من الحرية في تنفيذ المواضيع الفنية التي توضّح تفاصيل الأجساد، كما كان في الحضارات التي سبقتها، مثل الحضارة (الهلنستية) اليونانية والرومانية، وأعقب ذلك الفكر الديني الإسلامي بعد ظهور مدرسة الواسطي بفترات طويلة، فلا نجد في مدرسة بغداد أي حرج ديني. ومن الجدير بالذكر هنا أن أستاذنا الدكتور خالد الجادر عميد معهد الفنون الجميلة/ أكاديمية الفنون بعد تأسيسها كان كثير النقاش معنا نحن الطلبة حول هذه القضية، وكنت أنا الأكثر إلحاحًا عليه في أسئلتي. ومما أثبته لنا -وهو أمر معروف كذلك من خلال ما كتب في حواراته الصحفية- وقد وثّقه في رسالته للتخرج من فرنسا، وهي محفوظة في المكتبة العامة الفرنسية، عدم صحة النظريات حول تحريم التصوير للبشر فلا يوجد نص قرآني صريح يؤكد ذلك. وملخص الرسالة يتضمن (عرضاً تاريخياً للعصر العباسي: 750- 1258، ثم الخطوط العريضة الخاصة بالواقع الاقتصادي والازدهار المتميز للواقع الثقافي، ومنها دوافع الاهتمام بتصوير المخطوطات. وفي القسم الثاني من الرسالة بحث في مشكلة تحريم الأشكال المصورة في التشريع الإسلامي موضحًا أنها مجرد تفسيرات واستنتاجات. يقول الجادر في رسالته: “لم يكن هنالك نص واضح لتحريم التصوير في التشريع الإسلامي”. ويتوضح برهان الدكتور خالد الجادر في اكتشاف محراب في بغداد من العصر العباسي -وهو من الحجر- وعلى جوانبه منحوتات بارزة تمثل محاربين يحمل كل منهم سيفًا، وأضيف أنا الى ذلك وجود رسم جداري في قصر العاشق في سامراء يمثل امرأتين ترقصان، والصور التي تملأ جدران قصر عمرة في الأردن، فقد أُنجزت كل تلك النتاجات في أوائل الحقب الإسلامية، وقبل أن يُشاع التحريم بتشجيع من رجال الدين والمنظرين وتفسيراتهم.

في هذا الصدد يقول الدكتور سميح مسعود في مقاله آنف الذكر:

“أول ما لاحظته في تلك المراجع ما يثار عن اختلاف الفقهاء حول تحريم الإسلام للتصوير، لعدم وجود نص صريح في القرآن يمنع فيه التصوير، ووجدت أنّ الشيخ محمد عبدة قد رأى (أن التحريم كان نسبياً ولم يكن مطلقاً، وأن الصور والتماثيل مباحة إلا إذا هدفت للعبادة والتعظيم). وقد أفتى حسب ما جاء في كتاب أعماله الكاملة بأنه (ليس هناك ما يمنع المسلمين (من) الجمع بين عقيدة التوحيد ورسم الإنسان والحيوان)، كما وجدت في مراجع أخرى كثيرة ما يشبه رأيه هذا بأن (التحريم يقع حصراً على جزء من الفن المستخدم للدعوة الوثنية بأشكالها المختلفة وعلى التماثيل التي تنحت للعبادة والتقديس أو التي فيها امتهان لكرامة الإنسان أوتدعو للإباحية والهبوط والانحراف).”

ويواصل الدكتور سميح مسعود القول:
“وتوقفت في هذا الشأن عند معلومة مهمة تؤكد على عدم تحريم الصور، مفادها أنَّ صورة للسيد المسيح ولأمه مريم قد بقيت داخل الكعبة منذ فتح مكة وحتى نهاية ولاية عبد الله بن الزبير سنة 73 هجرية، أي أنّها بقيت في داخل الكعبة بعد فتح مكّة نحو 65 عاماً، وبحثت مطولاً عن مصدر هذه المعلومة وأخيراً وقعت في يدي مقالة لشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بعنوان (الإسلام والأديان) نشرها في جريدة الأهرام في الأول من يناير عام 2007 بيّن فيها -للتدليل على العلاقة القوية بين الإسلام والمسيحية- أنه حين دخل الرسول مكة فاتحاً أمر أصحابه بمحو صور الأنبياء والملائكة الموجودة على جدران الكعبة وأبقى على صورة عيسى وأمه مريم فقط وهذا موثق بالمراجع ككتاب “أخبار مكة” للأزرقي وخلافه.
هناك من يرى أنَّه قد تأثر أيضاً بكل من جاء قبله من فنانين ومن فنون، وحتى بجداريات الآشوريين وفنون وادي الرافدين القديمة، واستطاع أن يجمع هذه التأثيرات ويخلق منها أسلوبًا جديداً خاصاً به اهتم فيه بإظهار الطابع العربي في الزخرفة ورسم الحيوانات والبيئة المحلية لتعدد البعد الجغرافية والمواقع لكل مقامة وكذلك ملامح وجوه الأشخاص وهيئاتهم. ولا شكّ بأنّ أعمال الواسطي قد اهتم بها الكثير من الشخصيات الأوربية المعروفة ومنهم “تالبوت رايس” الذي كان له الالجهد كبير في تقديم مواضيع مهمة عن تاريخ الفنون وبخاصة الشرقية منها كما عمل في إدارة بعض المتاحف في بريطانيا، وهذا ما يقول عن لوحات الواسطي ”إنها ذات نوعية ممتازة، الرسوم الآدمية أو الأشكال معبرة لأقصى حد، والمواضيع والصيغ جميلة جداً، والألوان مفرحة ومشرقة ومؤثرة إلى درجة كبيرة”.

خواص مدرسة بغداد للواسطي وملامحها

استعرض هنا ملامح الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي من خلال نتاجات الواسطي وغيرها من النتاجات التي تتبعت خطى مدرسة الواسطي والتي اتسم بها الفن التشكيلي في العراق وسوريا ومصر ومنها وصلت إلى أوروبا وأسهمت في تغيير الكثير من المفاهيم الفنية حينها.
١. أظهر الفنان بكل وضوح التصاقه بالأرض وصور الطبيعة من حيوان ونبات.
٢. وكنتيجة لملاحظته الطبيعة اكتسب نظرةً مدققةً واقعيةً.
٣. رغم أن نظرته واقعية أرضية فقد أضفى عليها بعدًا كونيًا.
٤. نفَّذ أعماله بأسلوب تجريدي مبسّط.
٥. استعمل الخط الممتد تأكيدًا لامتداد الحياة الحالية نحو الحياة الأخرى، واهتم بالثوابت من الأشياء، ولم يهتم بالمتغيرات مثل الغيوم والظلال، ولم يعر أهميةً للمنظور الذي ظهر لاحقًا في فنون الدنيا، لكنه عالجه من خلال استخدامات اللون والحجوم بذكاء ولباقة.
٦. اهتم بحركة النجوم والكواكب والهندسة والرياضيات لأنها عماد حياته، فبواسطتها يعرف مواقيت الصلاة واتجاه القبلة وأيام الصوم وحركة القمر وتأثيرها على المد والجزر والإبحار.
٧. استعمل المفردات المحلية المتعارف عليها والتي أكدت عليها الحضارات القديمة واستخدمتها بكرم مثل زهرة اللوتس في مصر أو سعف النخيل في العراق وزهرة البابونج… الخ، والتي نجدها بوضوح في اللقى الآثارية الرافدينية في كل مراحلها، وكذلك في النتاجات المصرية القديمة.
٨. كان منحاه في مجتمعات البيئة الزراعية مركزًا على استعمال المربعات والمحاور الرأسية والأفقية.
٩. أما في البيئة البحرية- الصحراوية فنجده يركز على الخطوط المتعرجة والدوامات.
١٠. استعمال الكتابات، وتسنى له أن ينقل الخط من هيئة الدلالات الرمزية، كما هي الكتابة لدى الثقافات كلّها، إلى فن قائم بذاته يُنفّذ لتعزيز الفكرة التشكيلية ودعمها (support).

يصور الفن المتأثر بالفكر الإسلامي المطلق من خلال المعطيات الدينية المحضة الآتية التي يركز عليها الدين الإسلامي:
١. تكرار لفظ الجلالة.
٢. التأكيد على الجمال والزينة كنعم من الله.
٣. التأكيد على العلم والحث عليه.
٤. ترغيب العمل وتكريس إتقان الصنعة والعمل، وهناك الكثير من النصوص الدينية التي تؤكد ذلك.
٥. التعمد أحياناً في عدم الاتقان والكمال في الإنتاج لأن الكمال لله الخالق وحده.

ابتدع الفنان التشكيلي المسلم ما يأتي كثيمة لعمله الفني:

* تفكيك العناصر.
* توحيد العناصر، أي تحويلها إلى وحدة تشكيلية.
* تكرار العناصر.
* تسطيح العناصر.
* التركيز على الإيقاع المتناغم للمفردة التشكيلية.
* إلغاء الفراغ؛ لأن الفراغ من أعمال الشيطان.

 

ملاحظة كبر حجم الانسان بالبناء والحيوان وشجرة البرتقال، وجود المراة في المقدمة وهي تخاطب القاضي او تعمل او ترقص، الراقصات من نتاج متاثر باسلوب الواسطي موجود ة في قصر العاشق في سامراء والتجمعات دائما بها المراة في المقدمة وحاضرة ابداً حتى في قيادة الجمل

الواسطي والقرن السابع الهجري

شهد هذا القرن الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي في أغلب الدول العربية، فحينها هُزم الصليبيون والمغول وبُنيت أركان ثلاث دول هي دولة الموحدين في المغرب والأيوبيين في مصر والعباسيين في الفترة الثانية (المتأخرة) تحت خلافة الناصر لدين الله إذ أعيدت الهيبة للخلافة وفرضت سيادتها على  العراق كله فضلاً عن ذلك كان الخليفة عالماً ومؤلفاً وشاعراً وراوياً للحديث وهو المؤسس لدار العلم وقد بنى المساجد والقصور وكلها تحتوي على مكتبات، ثم خلفه حفيده المستنصر بالله في الحكم وهو الذي كرّم أهل العلم وأنشأ المساجد والمدراس والمستشفيات وبنى المدرسة المستنصرية في بغداد على شط دجلة من الجانب الشرقي، كما انتصر على جنود التتار. عاش الواسطي خلال حكم هذا الخليفة الذي ورث عن جدّه مجتمعاً مزدهراً قوياً، وقد وُجِدت في باريس مثلًا نسخة من مخطوطة الواسطي لمقامات الحريري مؤرّخة في عام 1237 أنجزها إبّان حكم هذا الخليفة. ويجدر بنا هنا أن نذكر -ولا نغفل- دولة الأتابكة في الموصل وبدر الدين لؤلؤة الرجل الأمي الذي اهتم بالعلم.

من أهم معالم هذه الفترة:

استحواذ الذوق الفني على المنتوج الحرفي وانشغال المبدع في إدخال مفردات فنية على درجة عالية من الاستطيقيا (الجمالية) على مجمل النتاجات والأدوات المستخدمة يوميًا ونضوج العناصر الفنية في العمارة وبداية فترة ازدهارها بوعي أو دونه من قبل الصنّاع نتيجة تراكمات حضارية، فعندما تؤسس العمارة وتنضج يتبعها نمو عضوي لكثير من المتطلبات الملازمة لها لتكون جزءاً من متمماتها التي تسهم الفنون والحرف في تشكيلها وصياغتها مثل الأقمشة للستائر، الأثاث، الزجاج، الأبواب، السجاد… الخ (والقائمة تطول). وتعود إلى تلك الحقبة أجمل معالم العمارة للمدن والقصور والأضرحة والمساجد والتكايا والخانات والقلاع والمرابط مثل بناء مدينة مراكش للموحدين. وظهر عنصر القلعة و قلّل بناء المرابط الإسلامية وتطورت بعض العناصر الهيكلية في العمارة التي لم تصلنا ونجدها في بعض رسومات الرحالة الغربيين في القرنين السابع والثامن عشر في بغداد والقاهرة، ومن بقايا تلك الحقبة نجد قبة بناء الإمام الشافعي في مصر، والمدرسة الشرابية (القصر العباسي) بسبب استعمالها لمسقط الإيوانات المتصالبة الأربعة في القصر والمدرسة على حد سواء، وكذلك الحال ما نجده في المدرسة المستنصرية في بغداد ومكتبتها، والمساجد التي بُنيت، مثل البناء القديم لجامع الحيدرخانة قبل ترميمه وتحويره وجامع السراي ومرقد زمرد خاتون، كلها تحتوي على خزائن للكتب وقد صُممت بشكل يضيف الكثير من الحذلقة والخصوصية.
في تلك الحقبة تمتع الفرد بحرية في التنقل بين الدويلات التي كانت تحت الخلافة الإسلامية المختلفة، وشهدت تلك الحقبة أيضاً تبادل الكثير من الحرفيين أو العلماء واستدعاءهم، وكانت معاهد العلم يؤمّها الجميع، وظهرت حركة ثقافة وتأليف مثل ما تركه ياقوت الحموي وابن الأثير وابن الرزاز الجزري مؤلف كتاب “النافع في صناعة الحيل” (الميكانيك) وترجمات لكتب الطب وغيرها، وبرز يحيى الواسطي صاحب مدرسة بغداد للتزويق كما كان يطلق على الفنون التشكيلية.

عُرفت فنون التزويق في منطقة الشرق الاوسط من خلال نتاجات الحضارة التي سبقت الحضارة الإسلامية حتى ظهور المسيحية التي كانت تشجع هذه الفنون ما عدا الحقبة الأيقونية للفن المسيحي البيزنطي حين ظهر بعض التحفظ في الاستخدامات التشكيلية والتصوير، وفي هذا الوقت ظهر الإسلام، وربما يكون هذا سببًا كافيًا لأن ينأى الفنان المسلم عن تزويق الكتب الدينية ويقتصر على تزويق الكتب الدنيوية. وأقدم مخطوطة كاملة مزوّقة هي مخطوطة كتاب “صور الكواكب الثمانية والأربعين” لعبد الرحمن بن عمر الصوفي مؤرخة سنة 400 هـ (القرن العاشر الميلادي) أي قبل ظهور مدرسة بغداد للواسطي وهي محفوظة في جامعة أكسفورد، وأقدم كتاب مزوّق ومرسوم بأسلوب الواسطي ومقامة الحريري هو كتاب “الترياق” لجالينوس وهو محفوظ في باريس.

استمرت ممارسة ذلك العرف الفني في الثقافات الإسلامية وبخاصة في كتب الطب والفلك والفلسفة والتاريخ منذ بداية العصر الأموي ووصلت الذروة إبّان حكم الخليفة المأمون العباسي ولا سيّما فيما دُوِّن في دار الحكمة ببغداد التي تكرس خلالها ذلك الضرب من التعبير الفني.

 

Leave a Reply