الأدب الأندلسيّ حاضرٌ باقٍ أم أثرٌ بعد عين؟

ثريّا نعمان ماهر الكنعاني

“إنّ من الخطأ العمل على أَوْرَبة إسبانيا بل يجب تعريب أوروبا، وعلى إسبانيا أن تستردّ دورها في هذا التّعريب”.
المستشرق كوديرا عام 1917


إنّ ممّا ترك العرب في إسبانيا موروثاً علميّاً ولغويّاً وأدبيّاً استمرّ أثره وامتدّ إلى البرتغال وفرنسا وإيطاليا بخاصّة وباقي أوروبا بعامّةٍ، ويقرّ المؤرّخون المستشرقون والمستعربون المنصفون بفضل العرب على الغرب. يطرح البروفيسور الإسبانيّ بيدرو مونتابث مارتينيث رأياً مثيراً للاهتمام إذ يقول: “إنّ إسبانيا ما كان لها أن تدخل التّاريخ الحضاريّ لولا القرون الثّمانية الّتي عاشتها في ظلّ الإسلام وحضارته وكانت بذلك باعثة النّور والثّقافة إلى الأقطار الأوروبيّة المجاورة.” وبعد سنوات من الدّراسة والبحث المعمّق اعترفت المستشرقة الألمانيّة زيغريت هونكه صاحبة كتاب “شمس الله تسطع على الغرب” بأنّ دور العرب في إنقاذ تراث اليونان من الضياع والنسيان لم يقتصر على عرضه وتنظيمه وتزويده بالمعارف الخاصة ثمّ إيصاله إلى أوروبا عبر عدد لا يحصى من الكتب التّعليميّة العربيّة قدّمت للجامعات أفضل مادّة معرفيّة، بل إنّهم كانوا المؤسّسين لعلوم الكيمياء والفيزياء التطبيقية والجبر والحساب بالمفهوم المعاصر وعلم المثّلثات الكروي وعلم طبقات الأرض وعلم الاجتماع وعلم الكلام. وما دمنا نسلّم بأنّ اللّغة أساس انتقال المعرفة فعلينا أن نسلّم أنّ العلوم والمعارف الّتي انتقلت من العرب لأوروبا عبر إسبانيا إنّما كانت اللّغة العربيّة واسطة انتقالها.
يحصي أهل اللّغة قرابة أربعة آلاف كلمة من جذر عربيّ ما تزال مستخدمة في الإسبانيّة الفصحى القائمة على الرّغم من المحاولات الرّسميّة الحثيثة في أواخر القرون الوسطى وأوائل العصور الحديثة لتخليص اللّغة الإسبانية من المفردات العربيّة، هذا فضلاً عن مصطلحات و تركيبات تُرجمت حرفيّاً من العربيّة إلى الإسبانيّة. وإلى جانب اللغة العربية شاعت لغة شعبيّة عُرفت بلغة الموزارابك أو اللّغة المستعربة أو العربيّة الأندلسيّة الدّارجة نتجت عن تلاقح العربيّة باللّاتينيّة والإيبريّة واللّهجات المحكيّة، وعلى مدى ستّة قرون استخدم أهل البلاد من العرب والإسبان على اختلاف طوائفهم ومِلَلهم لغة الموزارابك في الحياة اليوميّة إلى جانب اللّاتينيّة الدّارجة وبقيت آثارها إلى القرن التّاسع عشر. كانت هذه اللّغة ترسم بحروف عربيّة نشير إليها اليوم بالأعجمية الأندلسية. كما ابتُكرالخطّ الأندلسيّ -بنوعيه الكوفيّ الأندلسيّ والقرطبيّ- ورُسمت فيه الحروف العربية متأثّرة بالإفرنجيّة.
انحسرت اللّاتينيّة الفصحى لتصبح لغة الطّقوس الدّينيّة وصارت العربيّة الفصحى لغة العلم والأدب إلى جانب كونها لغة أهل الثّقافة والحكم في البلاد على اختلاف معتقدهم. وقد قاد انتشار العربيّة إلى ما هو أبعد وأكثر عمقاً في المجتمع إذ إنّ اختلاط الإسبان بالعرب وتأثّرهم بهم حفّزهم على أن يكتبوا بلغاتهم المحكيّة، وبالعربيّة لمن تعلّمها، فكتبوا ممّا كتبوا شعراً وأدباً متأثّرين بعرب الأندلس بعد أن كانت الكتابة الأدبيّة مقصورة على الرّهبان ورجال الكنيسة لأنّ اللّاتينيّة لم تكن لغة مطواعة للعامّة. يعترف الكاتب ألفارو القرطبيّ الّذي كان يمثّل التّيّار الرّافض للوجود العربيّ في إسبانيا “أنّ أرباب الفطنة والتّذوّق سَحَرَهم رنين الأدب العربيّ فاحتقروا اللّاتينيّة وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها” ويزيد: “إنّ الجيل النّاشئ من المسيحيّين الأذكياء لا يحسنون أدباً أو لغة غير الأدب العربيّ واللّغة العربيّة”. لقد اعتنق الإسبان اللّغة العربيّة قبل اعتناقهم دين العرب لأنّ الإسلام ترك لأهل البلاد حرّيّة ممارسة شعائرهم.
والحديث عن أدب العرب في الأندلس يقتضي تحرّي بصماته في الأدب الإسبانيّ كما يشهد به المستشرقون. تلفت انتباهنا أربع حقائق يقرّرها الأب خوان أندريس في مؤلّفه “أصول الأدب عامّة وتطوّراته وحالته الرّاهنة” الّذي كتبه في أواخر القرن الثّامن عشر بين عامي 1782-1798:
الحقيقة الأولى: ” إنّ الشّعر الإسبانيّ إنّما نشأ أوّل مرّة تقليداً لشعر العرب”.
الحقيقة الثّانية: إنّ الشّعر البروفنسي الّذي كتبه المنشدون المعروفون بالتروبادور ينتسب إلى العرب أكثر من انتسابه إلى اليونان واللّاتين.
الحقيقة الثّالثة: إنّ قواعد التّقفية الّتي اتّبعها الشّعر الشّعبيّ في إسبانيا وأساليب صياغة الشّعر الحديث (نعم، الحديث) ونظمه مأخوذة عن العرب وقد امتدّت إلى الشّعر الإيطاليّ.
الحقيقة الرّابعة: إنّ الحكايات والقصص في الأدب الإسبانيّ تعود إلى أصول عربيّة.
في مجال الأدب المنثور كانت البداية مع كتاب “تعليم رجال الدّين” لكاتب من وشقة اسمه موسى سفردي كتبه بالعربيّة ثمّ ترجمه إلى اللّاتينيّة وقد حوى ثلاثاً وثلاثين قصّة منقولة عن حنين بن إسحق وكليلة ودمنة والسندباد، واقتبس أدباء إسبان من حكايات هذا الكتاب منهم دون خوان مانويل في كتابه “ألكوندي لوكامور” وثرفانتيس في “حكاية العنزات الثّلاث” وفي قصّة “العجوز الغيور” وآخرون. امتدّ تأثير الأدب الأندلسيّ حتّى أواخرعصر النّهضة، ويطالعنا مثال ما يزال موضع عناية الباحثين هو الشّبه بين الفصول الأولى من قصّة (الكرنيكون- النّاقد) لكراتيا بلتزار 1601- 1658 بقصّة حيّ بن يقظان لابن طفيل المتوفّى في العام 1185 للميلاد.
وشاعت أغراض الشّعر العربيّ في الشّعر الأندلسيّ وامتدّت إلى شعراء أوروبا الّذين استعاروا من الشّعر العربيّ مواضيعه لا سيّما المزج بين الغزل والطّبيعة، وخير شاهد على ذلك قصيدة ابن زيدون الّتي يقول في مطلعها:
إنّي ذكرتُكِ بالزّهراء مشتاقا والأفقُ طلقٌ ومرأى الأرض قد راقا
وقد عارضها كثيرون من الأوروبيّين.
وتأثّر شعر التروبادور (المنشدين الجوّالين) بالأزجال والموشّحات الأندلسيّة من حيث الإيقاع والصّور الفنّيّة وانتقل هذا الأثر من إسبانيا إلى فرنسا فأوروبا بعامّة. ومن الشّعراء الإسبان الّذين استخدموا الزّجل ألفاريث ندينو وغارسيه فرنانديز دي فيرينا والرّاهب دييغو البلنسيّ وآخرون.
وإذا كان الباحثون و الدّارسون العرب قد قصروا عن دراسة الآثار الحيّة للعربيّة في الإسبانيّة لغة وأدباً وقصّروا في ذلك فإنّ كثيراً من الإسبان اشتغلوا على هذا الإرث. نذكر هنا أنّ شعر المعتمد بن عبّاد استهوى الكثير من الدّارسين وحظي باهتمام هيئات أكاديميّة رصينة. تصف الباحثة إليثيا رودريغيز ابن عبّاد بأنّه ترك لإسبانيا إرثاً عربيّاً مميّزاً وجعل من إشبيلية عاصمة الشعر والأدب والسّرور والثّقافة وأنّه كان يفتتح مدناً وينشد لها كما لو أنّها نساء جميلات، ثمّ تخلص للقول إنّ المسيحيّين يعدّون قصائده أفضل ما نُظم في ذاك الزمان، وترى أنّ أسلوبه كان أصل الغنائية الدرامية الإسبانية مؤكّدة بذلك ما طرحه الأب خوان أندريس قبلها بقرنين من الزّمن. كما ترجم خوسيه مانويل هغيرتي مائة وستّين قصيدة للمعتمد بن عبّاد وطبع الدّيوان عام 1997 ثمّ أعاد المترجم قراءة الشّاعر وترجم أعماله مرّة أخرى في العام 2006 محافظاً على إيقاعات الشعر الأندلسي. وجدت قصائد ابن عبّاد المترجمة طريقها إلى أذن الجمهور بعد أن غنّاها مطرب الفلامنكو الشهير إنريكيه مورنتيه، كما غنّاه التّشيليّ سرخيو ماثياس. ويظهر اسم المعتمد بن عبّاد إلى جانب الشّعراء الإسبان في كتاب “مختارات من الشّعر العالميّ” الصّادر في برشلونة في 1974 وفي “مختارات من الشّعر الإسبانيّ في القرون الوسطى” الصّادر في العام 1992 و”مختارات من الشّعر القرن- أوسطيّ في الأندلس” الصّادر في 1998.
ختاماً، فبعد هذا العرض السّريع لأثر لم يفنَ أو يندثر فإنّ العجب ليس أن يُعمي التّعصّب أبصار بعض المستشرقين بل العجب -كلّ العجب- أن تعمى بصائر بعض العرب فلا يرون فيما خلّفه أجدادهم وراءهم في الأندلس وأوروبا مجداً لا يخطئه الّذين يعلمون ويعقلون.

 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply