الهروب من الطغيان

سعد عبد القادر ماهر

عرفتُها عائلةً هاجرت إلى العراق بعد أن تعرّضت كما تعرّض الآخرون من أقربائهم وجيرانهم لأسوأ هجمة شرسة من العصابات الصهيونية التي جاءت فلسطين بمدد ومساعدة غربية فاوقعت بأهلها قتلاً وتشريداً بلا رحمة…رافق ربّ الأسرة في رحلة الهجرة زوجته وأولاده الأربعة، كان أكبرهم في الخامسة عشرة من العمر.لقد كان الخوف من المجهول هاجس الجميع فلم تخطط العائلة ليوم مثل هذا، فقد كانت تسكن حيّاً من أحياء مدينة القدس وكان ربّ الأسرة مستقراً في عمله في مدرسة قريبة من داره معلّماً للصفوف الابتدائية وزوجته ترعى الأولاد في غيابه وتشارك زوجها في تعليمهم في المنزل ومساعدتهم في إداء الفروض المدرسية.واليوم يجد نفسه في وطن لم يطأ أرضه من قبل لكن عرف عنه القليل من كتاب الجغرافية التي كان يدرّسها في مدرسته. عرف بغداد والبصرة والموصل وآثار بابل وسامراء واختار بغداد وجهة له للاستقرار في أحد أحيائها الشرقية، كماعرف بيرق العراق بألوانه ونجومه الخضرالثلاث التي رُصفت على لونه الأبيض. حكى لي قصة عن راية العراق أشعرتني بالفخر لانتمائي إلى هذا البلد وأخبرني عن أحوالهم قبل الاحتلال الصهيوني -وقد وصفها بالجيدة- وسط أهل وأصحاب وعلاقات اجتماعية طيبة.لقد كان ما رآه من معلّم عراقي عمل في المدرسة ذاتها في فلسطين سبباً كافياً لاختياره العراق بعد نزوحه عن وطنه، وقد اثنى كثيراً على أخلاق العراقي وتعامله مع زملائه حتّى أنّه كان يلعب كرة القدم مع الأولاد في عطلة نهاية الأسبوع في مروج خضراء تحيط بالمدينة ويتخذ من سيقان الأشجار الخضراء مَرامي غير نظامية، كما يفترش معهم الحشائش ليصنع لهم طائرات ورقية من أوراق الجرائد القديمة ويعلّمهم كيف يمسكون بها ويشدّون الخيط الذي يرفعها لتتمايل ثم ترتفع بعيداًعن المروج والزهور البرية حتى تصل فوق قباب مدينة القدس فيتغير لونها الأسمر بفعل انعكاس الأشعة القادمة من القبّة الذهبية في المدينة.تعلّق الأطفال بأفكاره وبخاصة في تشكيل الطائرات الورقية وعندما بدأت هذه الالعاب تستهويهم راح يشكّل لهم من علم فلسطين طائرات ورقية جميلة يتسابقون في إطلاقها عالياً.استرسل في قصته وقال لي: في أحد الأيام جاءني ابني الكبير وسألني أن أحضر له علم العراق ليشكّل منه طائرة ورقية يجعلها تطير بين تلك التي صنعها صديقي العراقي كردِّ جميل لأفكاره التي احتفت بعلم بلدي فلسطين، وبالفعل قام ولدي بتشكيل طائرة جميلة موشّحة بالعلم العراقي وعندما سألت ولدي عن سبب صنعه طائرة كبيرة الحجم فوجئت بجوابه حين قال لي “إنّ العراق أكبر وسنحتمي به يوماً”. ولقد صدقت رؤيته عندما نزحنا إلى العراق وأسكنني صديقي العراقي داره قبل أن أجد داراً أخرى للسكنى.ارتفعت الطائرات الورقية الموشّحة بالأعلام العراقية والفلسطينية في سماء القدس تحكي قصة بلدين هاجمهما الأشرار فكانت ألوانها واحدة تتلألأ كالنجوم في السماء لا تفصلها إلّا المسافات. لكن طائرات أخرى حملتني وحملته إلى بلاد بعيدة هروباً من الطغيان بعد أن راح الغزاة والطغاة يعبثون بتأريخ البلاد والعباد.

Leave a Reply