ملحمة الرسول سيّدنا النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم

 محمّد توفيق صادق

إهداء وتقديم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد النبيّ الأمّيّ وعلى آله وصحبه أجمعين.

إليها
إلى المنديل الأبيض المطرَّز بالإيمان
إلى فستانها المضمَّخ بعطر الصلاة
إلى الملاك… أمّي رمز الحبّ والحنان والتضحية.

ذات مساء أتمَّت صلاة العشاء واسْتخارت الله بدعوةٍ فريدةٍ متضرّعة أن يهبها مولوداً ذكراً بعد أن أنجبت أنثيين قائلةً:
«يا ربّ، هَبْني ولداً عالِماً مُتَعَلِّماً فَصيحاً مُتَكَلِّماً وأسمِّيه محمّداً بجاه النبيّ محمّد.»
 سبحان الله الذي استجاب دعوة الأم الصالحة، فقد أنجبت ولداً ذكراً يوم الإثنين في عيد المولد النبويّ الشريف وأسمته محمّداً، وكان هذا الوليد أنا.

على وترِ الصحراء ذاب حنيني
ولوَّعني وَجْدي وسحرُ فتوني

فلملمتُ روحي عن أنامل ريشتي
وعودي شجيُّ البوح عذبُ رنينِ

وهامَ نخيل الشوق بَرّحَهُ النوى
يُرامِحُ أهدابي وهمَّ عيوني

ففاضتْ دموعي من منابع صبوتي
وَسَالتْ على الخدَّين جمرَ جفوني

وحاضِرتي أمُّ القُرى وَحَرامُها
وقِبلةُ روحي في مناسك ديني

فتلك شجوني واستباق مودّتي
إذا سرتُ سارتْ في قطارِ حنيني

وطافَ فؤادي حول هالةِ كعبةٍ
فناجيتُ ربِّي واطمأنَّ يقيني

أَقَمْتُ صلاتي خاشِعاً مُتوسِّلاً
وطال سجودي واستضاء جبيني

تَلَوْتُ من القرآن آياتِ خالقٍ
بديعٍ عزيزٍ قادرٍ ومتينِ

وحولي حجيجُ البيت ملحمةُ التُّقى
روائعُ صوتٍ في الجلالِ رصين

فَـخِلـْتُ سعـى فـي جنـة الخُـلدِ آدمٌ
وأبحرَ نوحٌ في رضىً وسكون

وحطّم إبراهيمُ أصنامَ قومِهِ
وموسى شكا قومي اليهودُ عَصَونِي

وآتـى رِطـابُ الـتمـر نـخلـةَ مـَرْيمٍ
وطاب لها وعد السماء بإبن

وعيسى تلا الإنجيل طِفلاً لأٍمّه
وقد شاءَهُ الرحمن مُعْجِزَتَين

***
تراءى ببالي المصطفى مُتـضرِّعاً
بهيَّ المحيّا في هدى وهدون

يواكبهُ الصَّحْبُ الجليلُ طلائعاً
يزيِّنها حُسْنُ الثواب بِحُسْنِ

فَأسْمِعْ به شأنَ النبي محمدٍ
على خُلقٍ رحْبِ الفؤاد وهِين

وأبصرْ به في ساحِ مكَّةَ عائداً
بفتحٍ عظيمٍ خالدٍ ومبين

أطلَّ ونادى في مهابة قائدٍ
كريمٍ أخٍ ثبْتِ الجَنان فطين

بلى، طلقاءٌ أيُّها الناسُ فاذْهبوا
فلا اللات والعزّى وذِلّةُ قِنِّ

فأدهش تاريخ الأنام بحِلْمِهِ
وأرسى سلام الأقوياءَ بلِينِ

***

بدت أمّة الإسلام ديناً ودولةً

وينبوع فكرٍ لن يزول بأفن

حنيفيّة الإيمان مسلمةُ النهى

مُكرَّمةٌ مكيِّةٌ بيمين

صحابتها في المكرمات تنافسوا

على البرِّ والتقوى وطهر يدين

تسامى أبو بكر الصديق مُصدّقاً

وها عُمَرٌ في العدل ليث عرين

وعثمان ذو النورين وجه سماحةٍ

رعى مجمع القرآن خوف تجنّ

ونهج عليٍّ في الكلام بلاغةٌ

وأسيافه في الحرب منهج طعن

وبيت رسول الله بيت طهارة

وبستان وردٍ غضِّ دون غضون

خديجة أمُّ المؤمنين حصافة

شمائلها المثلى على الكتِفَيْن

وعائشة أمَّ الطهارة مريمٌ

حباها ملاك الوحي مكرمتين

وفاطمة الزهراء شمخة لبوةٍ

لمجد إمام السيف والحسنين

تعطرنا روح الحسين شهادة

وهيهات منا الذلُّ في نسَبَين

جرى دمه من أجل وحدة أمة

ويأبى علينا اليوم منقسمين

تخيلته في جنة الخلد ضارعاً

إلهي احْمنا من فخِّ طائفتين

كأني به يخشى انقساماً وفتنة

فهبَّ اقْطعوا حبل المؤامرتين

سلامٌ على جد الحسين محمدٍ

ومن حبَّ إبن الأكرمين حببني

***

شكوتكَ ربي في مصائب أمتي

لقد بلغ السيل الزبى فأغثني

تداعت علينا أمةٌ بعد أمةٍ

وصرنا غثاء السيل كومة تِبْنِ

محارمُ ديني في العراء مُباحةٌ

يدوس حِماها ظالمٌ متجنِّ

فمن سارقٍ أرضي ومالي وفرحتي

وعمري وأحلامي وظل غصوني

ومنتهكٍ في القدس مهدي ومسجدي

وناهب تاريخي وسرّ دفيني

كنوزي وآثاري وحُسْنَ متاحفي

وعِلْمي وأعلامي وسحر فنوني

ومن ثاكِلٍ أمي وأختي محطماً

جناح عصافيرٍ وحلم جنين

ومن قاتلٍ جدي وعمي وأخوتي

ونافٍ أبي في غيهبٍ وسجون

ومستلبٍ حبري وطهر قصائدي

وأغنيتي الخضرا وسحر لحوني

أباح سِراري واستباح مدائني

سبايا عرايا في خضم مُجونِ

سماسرةٌ، راحاب نهج سلوكهٍمْ

حُثالة شعبٍ طارئٍ وهجين

***

تداهمنا الأيام والريح صرصرٌ

ونسقط في أرضٍ يباب حزون

ويغمرنا الجهل المميت تخلفاً

فنردى أسارى في زرائب عفن

حبيبي رسول الله هَبْنا وسيلةً

تفرّج عنّا كل وصمة شين

لقد دخلت بين الصفوف خوارجٌ

خناجر طعنٍ في حراير كفن

ينادون بالدين الحنيف تقيّةً

مشايخ قتلٍ في مراسم دفن

فسادٌ وفسقٌ وافْتعال معايبِ

وعهرٌ وطغيانٌ وشرُّ دَنين

وشهوةُ سلطانٍ ومالٍ تفجَّرتْ

وفكرٌ جنوحٌ في عتاهة صفن

وأقتل ما فينا يسوس بلادنا

دُمىً تحت نيرٍ مستعارٍ وكَدْن

ملوكٌ طواويس خِرافٌ عجائز

فحولُ ليالينا، ذوات قرون

ومن كل نيرونٍ وفرعونَ ظالمٍ

ووارث حكمٍ بعد سحل وسحْن

ومن خائن عهد البلاد ومخبرٍ

أميرٍ عقوقٍ جاحد الصفتين

ومن باطنيٍّ آفكٍ ومنافقٍ

كذوبٍ مراءٍ، في الحياة، عفين

وشلّة دجّالين سراً تسللوا

تخفُّوا بأزياء اللحى وذقونِ

أعزّك ربي داعياً: عُمَرٌ أتى

فهلاّ دعوتَ الله في العُمرين

***

فلسطين في الأقصى تعانق مريماً

على مهد عيسى في بحيرة شجْن

وغزةُ نامت عند مسرى محمدٍ

ونامت عيون القدس دون عيونٍ

وجاء صلاح الدين يسأل غاضباً

أهل عاد ريكاردو بوجه صُهَيْني

وبغداد ثكلى والنخيل حرائقٌ

وبُقيا دم التاريخ في النهرين

وهارون لم تطلع عليه غمامةٌ

وأندى الثرى ينبوع دمع سخين

ومدرسة المأمون أضحت سجينةً

يحاصرها جهلاً فحيح أَخَنِّ

تداعَى كذئب يستطيب فريسةٌ

ومَصَّ دمَ الأرض التي سلبوني

وفي ليبيا الدمُّ أستبيح فظائعاً

شواظ لظىً من مارجٍ ودخون

وأوجع ما فيها قَضَتْ عربيَّةً

وشاهدها في كفِّها… قتلوني

فكيف ودمُّ الجار ملءُ عيوننا

ننام على ريش النعام بهدن!

***

Leave a Reply