هاني نقشبندي في حِوار الهَمْس

مع ميّ العيسى عن هَمْس الحِوار

هاني نقشبنديّ كاتب وروائيّ سعوديّ وُلد في المدينة المنوّرة، تخصّص في العلاقات الدّوليّة في جامعة الملك عبد العزيز. دخل مجال الإعلام في العام ١٩٨٤ فعمل في الصّحافة السّعوديّة وتبوّأ منصب رئيس تحرير مجلّتَي “سيّدتي” و”المجلة”. ثمّ تفرّغ للكتابة ومنذ عام ٢٠٠٧ وهو يمدّ المكتبة العربيّة برواياته. وقد تعرّفنا في العدد الماضي على آخر رواياته “قصّة حلم”. وها نحن هنا، في همس الحوار، في جلسةٍ ذات شجون مع رواياته.لكلّ كاتب تجاربه التي يوّثق، يختزلها بحقيقة أو حلم أو خيال مرّ به. هاني نقشبندي يوّثق عبر تجاربه ما مرّ به ويمرّ، اجتماعية وسيّاسية، بين حقيقة وخيال وأمل يتحقق وآخر ينتظر أو ينام في سبات عميق.

همس الحوار: “اختلاس” رئيس التحرير وتعمّقه بحياة إحدى القارئات هل هي محاولة لفهم الآخر أم النفس ذاتها؟ عربيّ ذو مركز مرموق في لندن وشابة عربية محجوزة بزواج صوري واقعي بارد. شابٌ يحاول العيش بأسلوب غربي وعقل شرقيّ. أهو حلم لتغيير الواقع؟ وإن تغيّر فإلى أيّ مدىً سيتغير مع الالتزام بأخلاق مجتمعنا العربي؟

رئيس التحرير هذا ليس أكثر من صورة نمطية للرجل الشرقي الملتحم بثقافته الذكورية المسيطرة وإن عاش في مجتمع مختلف أكثر انفتاحا أو انغلاقاً. سيبقى دائماً بالصورة ذاتها في داخله محمّلاً بإرثه مرتدياً أفخر الثياب أو عارياً. تصوّري رجلاً يدّعي الثقافة في منصب إعلامي مرموق ينظر إلى قارئة في الطرف الآخر من العالم على أنها هدف وغاية و(فريسة محتملة) إن جاز التعبير. نحن مجتمع بألف قناع. نبدّل الأقنعة حسب شهواتنا. إن شئنا كنّا شيوخاً صالحين في الصباح وطغاة مع الضعفاء بعد الظهر وفي المساء منغمسين في ملذات موغلة في لا أخلاقيتها. هذه هي الرسالة التي تحملها الرواية. إنها محاولة لمصارحة النفس وكشف بعض أقنعة وجوهنا. لن أقول إنّها محاولة لفهم النفس بل لاكتشاف حقيقتها أوّلاً قبل فهمها. وبطبيعة الحال لم يعجب ما ذكرت رجالنا، والأسوأ من ذلك إنّه لم يعجب بعض نسائنا أيضاً اللّائي يرين الرجال قدّيسين. وللأسف، أقول إنّ أكثرالنساء -وإن لعبن دور الضحية- فهنّ يستمتعن بهذا الدور إما بحكم الموروث الاجتماعي والثقافي أو الموروث الديني الذي يفرض الطاعة المطلقة على المرأة ظالمة أو مظلومة. نعم، هناك نساء يرفضن هذه التبعية لكن حتى هاته النسوة يطلبن رفع الظلم عنهن من جلّادهن. كيف يتم ذلك؟ وأي جلّاد يملك سمو الأخلاق ليعفو عن ضحية خاضعة له؟ لنقل إنّ العمل تحريضي لدفع المرأة للمطالبة بحقوقها. فأنا مؤمن بأنّ الظلم فعل اختياري، من رضي به استحقّه.

و”سلّام” الأندلسيّ، ألا تعتقد أنّه أخطأ البوصلة حين التقى بكاهن اعتقد بأنّ تاريخ الأندلس مجرد احتلال لا معنىً له بل ما هو إلّا (لعنة) تاريخية؟ ألم يعلم أنّ هذه اللعنة لها ما لها من ميزات ومنها تلك التي لم يعرفها الغرب وها هي قائمة حتى الآن من أسلوب الرّيّ والبزل مروراً بالدراسة والعلوم المتنوّعة ناهيك عن الفن الراقي والوعي، وهي حقائق يذكرها الغرب أكثر مما يذكرها الشرق والعرب؟

لم يلتق بطل روايتي “سلّام”-بتشديد اللام- بكاهن بل التقى بحقيقة يمثلها رجل يفترض أنه مات منذ زمن. رجل يعرف الحقيقة التي لا نريد أن نعرفها أو نعترف بها وهي أن الأندلس -تلك الجنة المفقودة- ليست بأرض لنا حتى نتباكى عليها. نحن احتللناها لا أكثر. ولا بدّ لأي احتلال في يوم أن ينجلي. الأرض دائماً مع أصحابها لا مع غزاتها. ونحن في الأندلس لم نكن أكثر من غزاة. هكذا تقول الرواية والراوي وبطل الرواية، لماذا؟ لأنّ التباكي يكون على ما فقدناه وهو حق لنا، أمّا التباكي على ما ليس لنا حق فيه فضرب من عبث وحمق. أيّ حق لنا في الاندلس وقد عشنا فيها تسعة قرون دون أثر نتركه ما عدا حجراً هنا وثلاثة هناك؟ هل نقول ثقافة وعلم ومعارف ولغة؟ حسن، لماذا لم يبقَ أي شيء من ذلك إلى اليوم؟ سأجيب قائلاً: لأننا لم ندخل تلك البلاد بهدف نشر ثقافة دينية او عقيدة نؤمن بها ونريد من الآخرين ان يفعلوا الشيء ذاته بل دخلنا أرضاً أعجبنا ماؤها وهواؤها ونساؤها. فطاب لنا المقام فيها ضاربين بعرض الحائط قيماً دينية كانت هي وحدها ما يعطينا المبرر الأخلاقي للوجود هناك. كم عدد الإسبان النصارى الذين أسلموا؟ لا يوجد. هل هناك أسماء لهم؟ تواريخ؟ أماكن؟ أبداً. أما الثقافة التي تتحدّثين عنها فهل تمازج الثقافات يكون بالاحتلال والعسكر؟ ما تركناه من أثر ثقافي محدود جداً يمكن لموقع تواصل اجتماعي متواضع اليوم أن يتفوق عليه. من بين أشياء كثيرة تريد الرواية قولها: إن تاريخنا العربي أكثره مزوّر أو مبالغ فيه أو لنقل غير دقيق. أما أنا – في دور الرواي- فأزيد على ذلك وأقول بأن التاريخ المكتوب ليس توثيقا صادقاً لما حدث بل هو توثيق ما تمنّينا لو أنه حدث.

يقودنا “سلّام” إلى مقالتك -التي يظنّ البعض أنّها استفزازية- عن فلسطين في تخلّصوا من الفلسطينيين. فإن كان الاحتلال لعنة فاحتلال فلسطين أكبر لعنة، وبالتأكيد لم تكن جرّاء لعنة الأندلس بل -وكما يعلم الجميع- سياسة هرتزلية انكليزية. تناشد ضمن مقالتك التركيز على الفلسطيني ومنحه حقوق المواطن أنّى اضطره الاحتلال الاستقرار في بلد غير بلده وبالطبع ينطبق الكلام على غيره. ما هي الحلول المثلى برأيك؟ وهل إنّ التطبيع مع العدو يحلّ أيّ مشكلة أم يزيد الاستيطان قسوةً على أهالي البلد؟
إسرائيل مختلفة ليس بحكم عدائي لها بل بحكم عدائها لذاتها. ربما كان لليهود وجود وحق في فلسطين في مرحلة ما تماماً كالفلسطينيين. أنا ضد القول بالخلاص من اليهود في فلسطين لكني ضد إنكار حق العرب فيها. إذاً الحل هو السلام لدولتين متجاورتين و هو أمر حتمي. الأندلس مختلفة، تشبه قصة اليهود مع اختلاف قليل. فإن قلنا إنّ اليهود كانوا في فلسطين منذ ألفي عام أو أكثر أو أقل فهل كان العرب في الأندلس قبل الإسبان أنفسهم؟ طبعا لا.وكما أنّي ضد القول بعروبة الأندلس لانتفاء وجودنا التاريخي فيها فأنا ضد القول بيهودية فلسطين المطلقة وغضّ النظر عن فلسطين العربية. فكلاهما كان له وجود تاريخي وقديم وهذا يعطيهما الحق في البقاء هناك. الأندلس لعنة صنعناها نحن وكبرت حتى أصبحت حملات صليبية انتقامية صبّت حممها على المشرق الإسلامي. لعنة الوجود العربي في الأندلس تزيد أو تقل عن لعنة الوجود الإسرائيلي في فلسطين. والخلاص من اللعنة يكون بعاملين: الاعتراف بالحق والقبول به.

التاريخ لا يكتبه المؤرخون وحسب بل يكتبه الكتّاب والعلماء والفلاسفة  فثمانية قرون لم تكن عبثاً على الإطلاق ولا يستطيع أيّ موقع تواصل اجتماعي أن يمدّنا بالعلم كما أمدّنا به العلماء العرب عبر الاندلس وهذه حقيقة يذكرها الغرب ابتداءً من ابن سينا في الطب إلى البزل والزراعة كما ذكرتُ وحتى الحمّامات والمراجل التي يؤكد الألمان، مثلاً، على أنّها وصلتهم بداية من الرومان وبتحديث كبيرمن الإسلام. أمّا عن اعتناق المسيحيين الإسلام فالدين الإسلامي لا يجبر غير المسلم على اعتناق دينه بل دفع جزية فقط كالضرائب التي يدفعها المواطن في الغرب أياً كان. وقد تعايش المسيحي واليهودي والمسلم حينها. وإذا كان الاحتلال كما تقول “لعنة” فأين لعنة الاحتلال العثماني والفارسي منه؟ وكيف لنا أن نقارن ما تقوم به إسرائيل بوحشية من قتل وتدمير لشعب أعزل لم تسلم منه حتى أشجار الزيتون التي يقتلعها الاحتلال من جذورها؟ وأين لعنة احتلال الإنكليز أمريكا؟
بخصوص ما أثرته عن تأثير العلماء العرب في الغرب فلم يكن ذلك عن طريق الاندلس. ومن اشرت لهم مثل ابن سينا كان في خراسان، وغيره كثر.عدد علماء المسلمين في الأندلس سواء في الفكر أو الأدب أو الرياضيات ليس كثيراً: ابن رشد، ابن حزم، وأغلب البقية شعراء مع قلة قليلة في الطب.لكني ومع هذا لست أقول إن الأندلس قد عدمت علماءها وفي شتى المسالك، لكن ما الأثر الإسلامي الذي تركوه في الأندلس حتى لا تزول الأندلس كلها؟ لماذا بقي الإسلام في إقليم فارس أو الهند والسند حتى بعد أن خرج المسلمون؟ السبب هو أن الفاتحين هناك كان هدفهم نشر الإسلام فلما انتشر أصبحت الأرض دياراً إسلامية، ولو ما عاد لأي من الفاتحين الأوائل أي بقاء. وهو ما لم يتحقق في الأندلس حيث لم ينتشر الإسلام هناك بين السكان الأصليين بل اقتصر على العرب الذين دخلوا وقبلهم البربر. أما قولك إنّ الإسلام لا يجبر أحداً على اتّباعه فأقول إنّ ذلك صحيح لكنّ المشكلة في أنّ التاريخ لا يكشف لنا عن أي محاولة -ولو واحدة- لنشر الإسلام بين السكان القوط الأصليين هناك بل عمل العرب على مقاتلتهم واستعباد النساء. أين هي سماحة الاسلام؟ وأين هو الاختيار بين جزية أو عقيدة؟ لو تم نشر الإسلام في الأندلس كما حدث في إقليم خراسان مثلاً أو حتى في الهند والسند فربما انتهت اللغة العربية هناك إلى زوال لكن بقي الإسلام. اليوم لا بقي هذا ولا ذاك في إسبانيا. فماذا تسمّين ما كان؟ فتحاً إسلامياً؟ أين هم الفاتحون اذاً وأين هم المسلمون الذين يفترض أنهم قد اعتنقوا الدين الذي بسببه أتينا إلى بلادهم هادين وناصحين؟أخيراً، سؤالك أين لعنة احتلال الأندلس من لعنة الاحتلال العثماني؟ فأقول: الدولة العثمانية هي إسلامية لا مسيحية أو يهودية. وعندما دخل العثمانيون البلاد الإسلامية لم يدخلوها كفاتحين أو محتلين بل تعزيزاً لأركان دولة إسلامية واحدة. ثم إنّ هؤلاء العثمانيين عندما دخلوا الى أواسط آسيا وغرب أوروبا نشروا الاسلام حتى في الجبل الأسود والبوسنة والهرسك إلى اليوم.  إذاً لا مجال للمقارنة.  بصورة مغايرة تماماً ومشابهة للأسف لوضعنا مع الأندلس أقول إنّ الاحتلال الإسرائيلي هو اغتصاب أرض من أصحابها دون وجه حق ودون أي مبرر أخلاقي. وهذا الوضع الأخير للأسف هو ما يتماهي مع احتلالنا نحن للأندلس، أي احتلال أرض من أصحابها بدعوى هدايتهم للإسلام. احتللنا الأرض ولم يكن الإسلام هدفنا، والدليل أنّ وجودنا انتهى هناك بلا مسلم واحد يأسف علينا ونأسف عليه.سأستعين بمَثَلك أنت عزيزتي وأقصد به الاحتلال الأميركي والإنجليزي. هذا احتلال اعتذر بعض ساستهم عنه لأنه عمل غير أخلاقي تماماً، ولو تكرر اليوم -وهو كذلك بالفعل- فسيحاربه العالم بأسره.

معظم العلماء العرب عُرفوا عبر الدولة العباسية والأندلس. أمّا عن نشر الإسلام والمعاملة فاعتمدت (وتعتمد) كذلك على الشخص والبيئة أكثر مما هي على أخلاقيات الدين ذاته. الأتراك مثلاً رغم التزامهم بالدين الحنيف كانوا يسيؤون نوعاً ما إلى الآخر، على سبيل المثال لا الحصر. أمّا الفرس فإسلامهم غير الإسلام الحقيقي، وهو امتداد سياسي فارسي – كما تعلم- ولهم فيه مآرب أخرى.

لننتقل إلى رواية أخرى من رواياتك، حلم دبي ولياليها! فليلةٌ واحدة تكفي. تكفي أن تختنق بالتكنولوجيا التي أودت بمصير الإنسانية إلى التهلكة. نحن في عالم قلّما نمسك فيه بالقلم ونتحكم بما حولنا بالريموت كونترول، حتى اللقاءات والدراسة أصبحت عبر الإنترنت. ألا نستطيع الموازنة بين الاثنين؟

عشت في دبي ثلاثة عشرعاماً وسمعت الكثير عمّن أحبها ومن رفضها و بخاصّة أولئك الذين يقولون: أين التاريخ والعراقة في دبي؟ وسأجيب قائلاً: إن العراقة في أسمى صورها تكون حيث يكون الإنسان فهو أقدم من أقدم بناء على الأرض. فسواء أكان في أعرق مدينة تاريخية أم وحيداً في الصحراء فهو تاريخ عريق للمكان وله بحكم ذاته وجوده هو. إن قلنا إنّ الهرم الأكبر أقدم وأعظم بناء فسيبقى الإنسان أعظم منه وأقدم بكثير. هكذا تصبح دبي عريقة تماماً كما هو الهرم الأكبر عريتق وعتيق، لا بحكم التاريخ بل بحكم أنّ صانع التاريخ -أي الانسان- موجود في كليهما. “ليلة واحدة في دبي” رواية لا تتحدث عن دبي كمدينة بل كرمز لمدينة عالمية سريعة الإيقاع. العالم كله سريع الإيقاع اليوم لا دبي فقط، سريع إلى درجة أنّه يكاد يتجاوز عراقة إنسانيتنا ذاتها.

“الشعب يريد إسقاط النظام”. شعاراتٌ. شعاراتٌ. شعارات. ماذا –برأيك- أحدثت وغيّرت؟ هل مشت بنا للأفضل سواءً على الورق أم في الواقع، وإلى أيّ مدى تتحقق إرادة الشعب؟

أنت تتحدثين هنا عن روايتي “نصف مواطن محترم” التي صدرت بالتزامن مع أحداث الربيع العربي في 2011. وقد كانت نظرتي -وما تزال- أنّ الأنظمة العربية -فاسدة أم صالحة- إن هي إلا انعكاس للمجتمع العربي برجاله ونسائه، بشيوخه وأطفاله. نحن نتهم الحاكم -دوماً- والنظام ولا نتهم أنفسنا بشيء. الحاكم ظالم والنظام فاسد ونحن القدّيسون إذاً؟ لا، هذا خطأ. ربما كان النظام فاسداً والحاكم أفسد منه لكني أقول إنّهما نتاج مجتمع أكثر فساداً من الإثنين. لا أعتقد أني محبوب ككاتب في مجتمعي العربي أو حتى في بلدي السعودية لكنّي أقولها صراحة، وقد كررتها كثيراً، إنه لو كان من حقنا القول “الشعب يريد تغيير نظام” فمن حق النظام بالتوازي أن يطالب “بتغيير الشعب”. لننظر إلى أخطائنا أوّلاً قبل أن ندين الحاكم والسلطة. نحن نفتقر الى العدالة حتى في بيوتنا مع زوجاتنا وأبنائنا ثم نطالب الجميع -والحاكم أوّلهم- بالعدالة معنا. نثور على ظلم نحن مغموسون فيه حتى النخاع في ممارساتنا اليومية كلّها ونطالب بعدالة لا نستحقّها لأننا في الأساس لا نعرفها ولا نعترف بها.

“زرعة” و”سلومي” من خلالهما نقلت إلى العالم صورة جدّة القديمة بأحيائها ومجتمعها وقصة الحب الخيالي وكأنّه حب روميو لجولييت مع فارق بسيط هو أنّ سلومي يعيش على رفات امرأتين. نتوق لحكايا من الإرث السعودي فهل لك أن تكمل حلقات الحكاية؟ منْ يقرأ الحكاية يشعر أنّها إحدى الحكايا التراثية التي كانت تسردها الجدّة وحتى الحكواتي وها أنت تسردها بأسلوب حديث، فهل من مزيد؟

كنت أفضّل بطبيعة الحال أن يقرأ من يقرأ الآن الروايةَ حتى النهاية دون أن أفسد عليه بهجة غايتها وإلى أين ستأخذه. لكن لأنّها لم تترجم حتى الآن لأي لغة اخرى ولأنّنا –بطبعنا- نحب معرفة نهاية الحكاية قبل أن نعرف كيف بدأت فسأقول إنّ نهاية القصة تنتهي لا بوفاة بطل الرواية “سالم” بانتحاره بل بوفاة بطلة الرواية الحقيقية “زرعة” بانتحارها هي ودفنها في المكان الذي أراد “سالم” أن يدفن فيه، أي قبر محبوبته التي ماتت منذ عام. هي قصة تريد أن تقول إنّ الحب ليس قولاً بل هو فعل وإنّ الحب لا يكون بالموت من أجل الحبيب بل بالحياة من أجله. أيّ تضحية وأيّ غباء أن يموت العاشق من أجل قصة عشق واحدة فقط انتهت بشكل ما؟ هل هذه تضحية ولمن؟ له أم للمجتمع أم لمن مات؟ الحبّ يجعل الإنسان قوياً لا ضعيفاً. إن لم يكن كذلك فهو ليس بحبّ بل خيبة إنسانية تسير على قدمين.

بين الدين والدنيا خيط رفيع ما هو إلّا التطرف، قد يأتي بهيئة “خطيب” جامع أو إنسان عادي يعيش بيننا. الوساطة والمحسوبية بين الدين والدنيا بعلمانيتها تتغلب في عالم اليوم. هل من حلّ وسط وبدون مثاليات؟

إنسي مسألة الحل الوسط لأنّه في عالم اليوم لا توجد حلول وسطى. رواية “الخطيب” تناقش كيف يصنع الحرمان قدّيساً يهدي الناس وعوداً وكلمات لا في عالمنا العربي فقط، لا في عالمنا الإسلامي فقط، بل حتى في الغرب والشرق والجنوب والشمال. العالم يسير نحو التطرف الديني، وأكرر: الديني، بوتيرة أسرع وأعمق من فترات التاريخ الماضية كلّها لأن الحرمان اليوم سمة البشرية أكثرها، فيكون الدين وسيلة خلاصنا من جهة وشرعية عدائنا للآخر من جهة ثانية. نحن مقبلون على صدام بلا شك. ولأنّ أكثر الأديان انتشاراً وتأثيراً هي المسيحية والإسلام فالصدام بينهما قادم بل ووشيك. لست أؤمن هنا بالمثالية ولا بالحلول الوسط لأنّها معدومة، إن لم يكن الآن ففي القريب. هو ليس صدام حضارات تختلف في عقيدتها فقط بل صدام أجساد تتخبّط بين جوع وفقر وأحلام ضائعة.

“قصة حلم” التي عرّجنا عليها في العدد السابق، ماذا تقول عنها؟

أقول عنها باختصار: هي رواية تتحدث عن عالم فيزياء ورث القدرة على تفسير الأحلام عن والده ، لكنّه أراد أن يجمع بين علمه وموهبته ليتحول من مفسر أحلام إلى صانع أحلام، أي أن يوجّه من ينام إلى حلم معين يمكّنه من اكتشاف كنوز علمية أو تاريخية أو إنسانية. يحاول هذا العالم الفيزيائي صنع معادلة توصله لغايته ويلتقي بمجموعة غامضة أتته من والده الميت تساعده للوصول إلى غايته. يسافر الى أقطار كثيرة ويلتقي بأناس أكثر غموضاً. في النهاية يقترب من غايته، أي صناعة الحلم لكنّه يكتشف حينها أنه قد خسر عائلته لاهثاً وراء حلمه. ما تريد الرواية قوله إنّه سواء أكان الإنسان عالم فيزياء أم رجلاً بسيطاً فإنّ صناعة عائلة محبة متماسكة هو أسمى حلم يمكن أن يصنعه لأنّها أساس استمرار البشرية وإنسانية الإنسان.

أين تجد الكتاب العربي مستقبلاً وما هو جديدك؟

بالنسبة للكتاب العربي فأمنيتي هي لقارئ الكتاب لا الكتاب ذاته. فليس اكثر من الكتب لدينا بل إنّها أكثر من القرّاء أنفسهم وتلك هي المشكلة.للأسف، سيطرت وسائل التواصل الاجتماعي على كل شيء وأكثر ما سيطرت عليه الوقت. فما عاد هناك متسع لقراءة أكثر مما يقرؤه الناس على المواقع. ويمكن معرفة مدى عبقرية القارئ العربي مع الحرف والكلمة من خلال ذلك الكم المخزي من الأخطاء الإملائية والنحوية فيما يكتبون ويتداولون. لكني ما أزال أملك الكثير من الأمل في أن يرتقي الكاتب والكتاب والقارئ في انسجام يساهم ولو بشكل محدود في خلق نهضة توعوية توقظنا ولو قليلاً من إغماءاتنا الأدبية والفكرية.أمّا عن جديدي، فأعكف حالياً على كتابة مسرحية وستكون تجربتي الأولى مع المسرح الذي هو -بلا شكّ- أرقى أنواع الأدب. وهو يتطلب مهارة أدبية ذات مسلك مختلف عن الرواية العادية آمل بل أصلي لله صادقاً أن أمتلكها.

رائع. تمنّياتنا لك بالتوفيق وننتظر -بشغف- قراءة المسرحية أو مشاهدتها.طِيْبَ التحايا

Leave a Reply