آنَ الأوان 

نادية عبدالوهاب خوندنة

(الصورة التقطتها الكاتبة لسماء الرياض)


 
وضعت آن خيوطها الصوفية في حقيبتها فهن رفيقاتها الجميلات اللاتي يصحبنها في كل مكان ثم ألقت نظرة وداعية على المرآة المعلقة بصالة الاستقبال، كم كانت ممتنة لهذه المرآة فهي رفيقة أخرى وإن كانت مرافقاً غير دائم بطبيعة الحال سوى أثناء وجودها في المنزل تطمئن منها على هندامها الذي تحرص على أناقته وترتيبه فلا تخرج أبداً إلّا وهي راضية عن تناسق ألوان ملابسها و أنها مصدر بهجة بمظهرها الخارجي لكل ناظر إليها، و الواقع أنها تحصل خلال اليوم على عبارات لطيفة كثيرة تثني على جمال طلتها و أناقتها منذ الصباح و حتى عودتها لشقتها الخالية الباردة، والقريبون منها يعرفون مدى الانسجام بين مظهرها ومخبرها بقلبها المحب و حسّها المرهف الذي يحزن لأي معاناة إنسانية. 

  لم تكن آن شغوفة بمتابعة أخبار الرياضة ومشاهير اللاعبين لا في كرة القدم ولا سباقات السيارات و لا أولمبياد لا شتوي و لا صيفي و لا غير ذلك من أنواع الرياضة فهواياتها و اهتماماتها بعيدة عن هذا المجال، و لكنها هذا المساء فعلت شيئاً مغايراً تماماً لما اعتادت عليه طوال حياتها التي تخطت الستين قليلاً.

  لقد تابعت بدهشة ممزوجة بكثير من السرور فعاليات سباق الفورمولا 1 المقامة على كورنيش مدينة جدة عروس البحر الأحمر. في البداية تشككت في قدرتها السمعية، أو لربما توهمت سماع مذيع محطة CBC يقول اسم المملكة العربية السعودية وأنها الدولة المضيفة لهذا الحدث الرياضي الدولي المهم، ولكن ظهور اسم المراسل وقناته و الفعالية و مكانها بكتابة واضحة على شاشة تلفازها الكبير لم يدع لها مجالاً للشك. 

  اجتاحتها مشاعر مختلطة هائجة كموج الأطلسي أحست معها روحها تتبعثر كحبات رمال الصحارى في يوم عاصف ثم ما لبث أن غمرها حنين للماضي (نوستالجيا) دافئ بذكريات سعيدة لتلك السنوات السبع التي عملت فيها في أشهر مستشفيات الرياض عالمياً، مستشفى الملك فيصل التخصصي، ممرضة متفانية متميزة بإخلاصها و مهنيتها العالية فأحبها الجميع دون استثناء حتى أنَّ الإدارة عرضت عليها زيادة كبيرة في الراتب حينما علموا برغبتها في العودة النهائية لوطنها كندا. لم تغادر آن الرياض التي أحبتها إلّا من أجل أن تعود لرعاية والديها المسنَين بعد أن استقرت أختاها في أمريكا وشغلتهما الحياة و الزوج و الأبناء. 

أم تراه كان هروباً؟ 

  طوال تلك السنين التي أعقبت عودتها لبلدها ظلَّ هذا السؤال يطاردها ويؤرقها، وقد ظلت بدورها تتهرب من الإجابة عليه، بل لم تمنح نفسها ولو لمرة واحدة فرصة الحوار مع الذات والاعتراف بالحقيقة التي أقامت سداً منيعاً بينها و بين كل من تودّد إليها و كل من عرض عليها الزواج فكانت توهم نفسها والآخرين أنَّ تفرّغها لمهنتها أكبر سعادة لها ومنها تستمد أهمية وجودها.

  وها هي ذي في خريف العمر وإن كانت ما تزال تحتفظ بشواهد رقيقة على الجمال الذي كانت عليه يوماً تعيدها الفورمولا 1 من غرب البلاد العزيزة على قلبها إلى وسطها، إلى عاصمتها التي كافأتها أحسن مكافأة مادية ومعنوية، فهي تعيش الآن في سنوات تقاعدها وكبر سنها في بحبوحة مادية مكنتها من الاستمتاع بمباهج الحياة الثقافية و الفنية في مونتريال و ما أكثر روافدها و ميادينها في هذه المدينة العريقة! و الأكثر من ذلك تبرعاتها السخية للجمعيات الخيرية، وكل ما تقوم بغزله من معاطف وجوارب بخيوطها الصوفية البهيجة الألوان التي لا تفارق يديها إلا لماماً تهديه مع كثير من ابتساماتها الحنونة للمحتاجين واللاجئين من كل مكان.    

ما رأته عينا آن على الشاشة هذا المساء من حياة طبيعية عبقة بالتسامح والاعتدال والحرية للجميع جعلها أخيراً تجيب على السؤال الذي تجنبته طوال ثلاثين عاماً. نعم لقد هربت من الحب الذي طرق باب قلبها حينما تطورت العلاقة بينها وبين أحد مرضاها -سعد عبدالله-  الذي مكث في المستشفى شهوراً عدّة بسبب تعرضه لكسور متفرقة نتيجة حادث مروري كاد أن يودي بحياته.

 غنيٌّ عن القول لمَ أعجب المريض بالممرضة الشقراء ذات القلب الرؤوف التي تنطق الكلمات العربية التي تعلمت بعض مفرداتها بغنج أنثوي مثيرغير متعمَّد منها بل نتيجة صعوبة بعض أحرف لغة الضاد عليها، فقد كان قلب سعد يزهر فرحاً وهي تخاطبه: “سآد” و يحلّق في سموات البهجة حينما تقول له: “أنا يزآل منك يا هبيبي” حينما يمانع- عن قصد- في أخذ أدويته. 

  انجذبت آن لمريضها أول الأمر لوسامته الساحرة ثم تبينت دماثة خلق سعد وحسن أخلاقه وتعامله معها و مع أفراد الطاقم الطبي خلافاً للصورة النمطية السائدة في إعلام الغرب عن سوء معاملة الرجل الشرقي المرأةَ أو عن عجرفة الأغنياء و تعاليهم على من يقوم بخدمتهم ورعايتهم. 

  أحست آن بأجنحة السعادة ترفرف بها وترفعها عالياً وتهديها أحلى ثوب زفاف من السحائب البيضاء ويستحيل شعرها الأشقر ضفائر مجدولة مصففة بجمال تحيط بوجهها الآسر كأشعة شمس الشتاء تعطي دفئاً وحناناً وإشراقاً، وذلك حينما عرض عليها سعد الزواج قبل يوم من خروجه من المستشفى، كان بودها أن تجيبه مباشرة بموافقتها ولكنها تريثت وطلبت منه أن تفكر في الموضوع. 

  لم تنم آن في تلك الليلة المشهودة سوى سويعات قليلة قبل الفجر، أنهكها التفكير وأصابها بصداع شديد، كان تريد الموافقة مدفوعة بقلبها الذي أحب وتعلق بهذا الوسيم الذي يبدو بسمرته على السرير الأبيض كفارس على صهوة جواد أصيل، ولكن عقلها كان يحثها على الرفض، يرسم لها مشاهد مملؤة بالمشاكل والمصاعب نتيجة الاختلاف الديني واختلاف العادات والتقاليد بينهما، فهي وإن كانت لمست الاحترام من كثير من الناس في المستشفى فذلك غير مضمون حينما تصبح فرداً من عائلة سعد الكبيرة أو حين خروجهما معاً للدائرة الأكبر في المجتمع المحافظ جداً، هذا إن قَبِلَ هو أصلاً بالخروج معها ولم تمنعه الغيرة من إخفاء العروس الشقراء عن الأعين، بل ربما قد يجبرها أيضاً على ترك مهنتها الإنسانية التي تعشقها. 

 أغلقت آن جهاز التلفاز بعد انتهاء فعاليات الفورملا 1 و كفكفت دموعها و تسللت ابتسامة منتصرة لشفتيها فقد اتخذت قراراً منحها طمأنينة النفس بعدما شفَّت الذكريات قلبها المسكين، 

ها قد آن الأوان للذهاب للرياض كسائحة وتنسّم نفحات الانفتاح واحترام الآخر، والأهم أنها ستملأ رئتيها بالنسمات ذاتها التي يستنشقها سعد وستدثر قلبها مثله بشمس الرياض الدافئة.   

 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply