أزمة الحداثة وأزمة في الحداثة

مقداد مسعود

خبرتي  المعرفية تجعلني أقول: الحداثة ليست ممكنة الوجود بل هي ضرورية الوجود، وإذا أقصيت الحداثة، بفعل ذئب مستأسد، علينا تفعيل ظهورها في حياتنا.. غياب الحداثة يعني تجفيف منابع الإبداع وتسكيننا في الغابرة من العصور كما يحدث الآن حيث التقاتل على خلايا ميتة في تاريخنا

(*)

الحداثة فعل تنويري. وحداثتي الشخصية هي أن أكون مشاركا في وقتي الذي أنا فيه، ومن خلال بصمتي الشخصية يمكن أن أكون حداثيا ولا يكون ذلك دون جرأتي في توظيف خبرتي وعقلي 

(*)

الحداثة هي اكتناز النص لحيويته التي مازالت تجذب فعل القراءة نحوها وكذلك انتاج قراءات نوعية عن ذلك النص. وعن الحياة بوصفها نصا، علينا كل يوم أن نراها بعينين جديدتين. هكذا أرى الحداثة

(*)

الحداثة ليست خطاطات وترسيمات ورطانة في منافي اللغة، أعني لا يشترط أن تكون حداثتي (كوبي) (بيست) لحداثة الآخر.

(*)

 الحداثة وظيفتها تفهيم القارئ من خلال خطابها اللين والواضح وليس خطابها الملثّم بالتعالي اللغوي وصلابة المصطلح الذي حتى من اخترعوه لم ينتهِ خلافهم حول هذا المصطلح أو ذاك, وبشهادة الفيلسوف زيجمونت باومان (العديد من المفاهيم التي قصد منها التعبير عما نعنيه لأنفسنا وللآخرين تثبت أنها غير مناسبة لذلك الغرض/ 40)..

(*)

لدينا كنوز من الحداثة  في رصيدنا من القدامة العربية فيما خلفه لنا عبد القاهر الجرجاني وحازم القرطاجني وابن عربي وسواهم. لا تقل أهمية أطراس هؤلاء في اللغة عن كشوفات العالم اللغوي دوسوسير أو تفكيكات النص لدى جاك دريدا عن تفكيكات الشريف في (متشابه التنزيل..) ومن يقرأ (حروف السؤال) لأبي نصر الفارابي سيتأكد أن كشوفات العقل العربي لم تكن تدور حول نفسها.

(*)

المشكلة أن الفعل الحداثي العربي، اكتفى بما تضخه المطابع الأجنبية، فصرنا نرطن بكتبها ونترجم ما يلائم العقل التجاري في المطابع العربية

(*)

روجنا في الثمانينات للبنيوية، في نقدنا الأدبي، يومها كان الفيلسوف روجيه غارودي قد أعلن (موت البنيوية) في كتاب ٍ له

(*)

اشتهر الروائي البرازيلي باولو من خلال روايته (الخيميائي) المقبوسة من ألف ليلة وليلة. فجأة فزع الروائيون العرب وراحوا يغترفون من الليالي ذاتها  ويصدرون روايات!!

(*)

المفكر البولندي زيجمونت باومان يتخلى عن تلك المفهومة المستهلكة: الحداثة وما بعد الحداثة ويجترح مفهوميّ الحداثة الصلبة/ الحداثة السائلة وهذا التخلي، يعلنه أيضا الفيلسوف آلان تورين في كتابه (نقد الحداثة) ذلك لأن تورين يرى : في ظل علم الاجتماع الجديد، أن من الضروري تجاوز ذلك التضاد بين ماكس فيبر وكارل ماركس، فهذا التضاد كان بتوقيت تلك المرحلة الصناعية آنذاك لذا فإن تلك المفاهيم: انهارت من جراء علم الاجتماع الجديد.

(*)

نلاحظ أن الغرب المنتج لهذه المفاهيم: الحداثة / ما بعد الحداثة، بالسرعة التي يروّج لهذه المفاهيم بالسرعة ذاتها يجرّحها. والموجع أن الحداثيين العرب، هم المروّج الأكثر شهرة لهذه المفاهيم، حتى بعد مواتها في المنشأ الأم!! العقل الاوربي يعلن أن (الحداثة في أزمة) وها هو المفكر كارلو يودوني يخبرنا (سحبت الحداثة وعودها، واستخفت ما بعد الحداثة بتلك الوعود، بل سخرت منها، وملأت الفجوة بمظاهرة براقة وصور وألوان وأصوات واستبدلت الجوهر ليحل محله المظهر، والقيم ليحل محلها المشاركة/ 65/ حالة الأزمة)..

(*)

كل حداثة اقتصادية: تجترح حداثات في البنى الاجتماعية ومنها البنية الثقافية/ المتموضعة في البنية الفكرية، مع صعود الرأسمالية الصناعية في الغرب وتحديدا في منتصف القرن التاسع عشر، سطع ظهور (الواقعية التعبيرية) وكان الفيلسوف الجمالي رسكين كأنه المفوّه عنها، وتسيدت هذه الحداثة التي رفعت رايتها الواقعية التعبيرية، وبعد قرن ونيف تكبدت هذه الواقعية هجمات ٍ من  ثلاث جهات 

  1. الشكلانيون الروس
  2. السيميائيون
  3. النقاد الجدد وفي طليعتهم نورثروب فراي

التهديد الأقوى الذي تعرضت له (الواقعية التعبيرية) هو سلطة القارئ وهذه السلطة جردت النص من (الحصانة الدبلوماسية) إن صح التعبير، إذ صار القارئ شريكا في نصية النص الأدبي وهي الشركة التي انتجت تعددية المعنى التي اخترقت واحدية المعنى التي نادى بها المؤلف .

(*)

وعدتنا الحداثة الأوربية: بالأمن من خلال التحكم بالكوارث الطبيعة ومعالجة من الكوارث الأخلاقية. وها هي الكوارث بنوعيها: خارج السيطرة

بل صارت الدول العظمى تتوافق على نظرية العالم الاقتصادي مالتوس  حول كيفية التخلص من الكثافة السكانية بطرق لم تمر حتى في مخيلة الشرير مالتوس: كورونا/ انفلاونزا الطيور/ الأيبولا.. الحروب .. الارهاب .. اجتياح الاوطان.. تصنيع طغاة يحكمون بلدان الجوع والقهر

(*)

أين وعد الحداثة للبشرية: بتلك الحرية المشروطة بالوعي في خلق الذات وإسعادها ؟

(*)

من باب الإمتاع والمؤانسة.. أقول : كيف نتمتع بالحكمة ونحن لا ندرك كنه الحقيقة؟ أعني ما فائدة توفير شروط الحرية من أجل تسقيط حاكم طاغية، إذا كان اسقاطه يوفر فوضى تستولد طغاة لا حصر لهم

(*)

أحداث القرن العشرين وقرننا الحالي، دحضت نظرية فوكوياما حول النهاية السعيدة التي ستوصلنا إليها الحرية. طغاة يحكمون قارات من الجوع والتخلف والأمية بدعم من العالم المعولم أمريكيا. 

(*)

ما نعيشه ليس استقرارا، بل خدعة سينمائية بمونتاج إعلامي يتشدق بطمأنينة  هي في الحقيقة (العبودية الطوعية) كما يشخصها المفكر إيتين دو لا بوسي.

(*)

الحداثة مبادرة تنويرية تخلص العقل من شوائب الوصايا، وتجعله يتناغم مع الإدارة البشرية للحياة اليومية وبالطريقة هذه يكون الإنسان سيدا ينتج الأمل والطمأنينة في أنظمة السلوك الجمعي، لكن هذه الحداثة/ اليوتوبيا حفزت الطغاة لأنتاج اليوتوبيا المضادة  فتحولت حداثة العقل إلى حداثة في فنون تعذيب الإنسان في كل مكان

(*)

لنرتحل إلى النقيض الفكري للرأسمالية ونتساءل هل ثمة حداثة لدى الفكر الاشتراكي؟ أم الحداثة بدعة رأسمالية ؟ في كتابه (الحداثة والإبهام) لا ينكر زيجمونت باومان أن الفكر الاشتراكي يقف في تضاد مع الحداثة، ويرى باومان أن الاشتراكية  في مجتمعها أبلت بلاءً حسنا في دورها الثقافي المضاد وجعلت مجتمعها في حراك ثقافي دائم نحو التغير وبالطريقة هذه تكشفت لدى الاشتراكية المشكلات التي كان عليها حلها، وهكذا اجترحت الاشتراكية حداثتها الخاصة ببصمتها وليس كما يقول باومان (فكان البرنامج الخاص للاشتراكية نسخة من مشروع الحداثة/ 322)

(*)

ما جرى من تفكيك للاتحاد السوفيتي وجعله ارخبيلا من الجمهوريات.. صفّق ورقص له العالم الرأسمالي والدول التي في فلكه تدور

لكن لنطلع على شهادة شاهد من أهلها  وهو المفكر الروسي المعادي للشيوعية (إرنستجلنر) فهو يرى فراغا أسود تسببته الشيوعية في انهيارها، ولا بد من ملء حضاري بديل. وبشهادته (أنا أكتب باعتباري مناهضا للشيوعية وللماركسية.. ولكنني أتحسر على تفكك الاتحاد السوفيتي، بسبب الحاجة إلى استمراريته، لقد أمدت الماركسية المجتمعات التي وقعت تحت تأثيرها بنظام أخلاقي، بمعنى مجموعة من القيم الأخلاقية التي ساعدت الناس على توجيه أنفسهم../ 150/ باومان ودونيكيس / الشر السائل)

(*)

إذا كان العقل الميتافيزيقي ينتسب للزراعة والرعي، فأن كل عصور ما قبل الرأسمالية، كانت محكومة من خلال أنظمة خراجية وهذه الأنظمة منصة   تصنيع الاستلاب الميتافيزيقي للكافة، وحين انبثقت الرأسمالية أحدثت قطعا تاريخيا بين مرحلة الاقطاع والمرحلة الجديدة وهي الرأسمالية، وهذا القطع نتاج تحول الكم المتراكم إلى كيف جديد، تجاوز الأقطاع لكن لا قدرة له على إلغاءه. كان القطع عبر البنى الثلاث: الاقتصاد/ الاجتماع/ الايدلوجيا

هذا القطع الاقتصادي هو قطع معرفي ومنه انبثقت الحداثة التي اعلنت: الإنسان يصنع تاريخه. لكن أي إنسان تعنيه الرأسمالية؟ من المؤكد هو الإنسان الرأسمالي بسطوته الباطشة. كيف يصنع الانسان غير الرأسمالي تاريخه وهو مستلب؟ بفائض القيمة ؟ ومن أين يأتي له بوقت لتلك الصناعة الضرورية؟ هنا سيتمظهر الوعي الاجتماعي صراعاً آيديولوجيا  واقتصاديا ولا يتحقق ذلك بإرادة ذاتية بل من خلال تطور التناقضات الاقتصادية ذاتها في غابة الرأسمال. عندما لا يستطيع الإنسان أن يصنع تاريخه فالأمر يعني أن الحداثة في أزمة هي انتجتها، حين لفقت بشارة اجتماعية عامة وهي في الحقيقة بشارة في حيز الرأسمال الصناعي والمعولم، مغيبة فيه التعددية الديمقراطية، بل حتى مفهوم (ما بعد الحداثة) يعتبر من المفاهيم الملفقة

وبشهادة العالم الاقتصادي سمير أمين (تتلازم ما بعد الحداثة في المجال النظري مع حركات ردة تدعو إلى العودة إلى ما قبل الحداثة وتعمل في مجال الواقع الاجتماعي/ 119/ قانون القيمة المعولمة) وما قبل الحداثة يعني الانتباذ عن التاريخ، وهذا التموضع خارج التاريخ  يكبّد الحداثة والحداثيين مزيدا من الهزائم، ومن جراء ذلك تفقس وتزدهر الأثنية الدينية والشوفينية لدى الشعوب كافة

(*)

ما هو التاريخ؟ وأي تاريخ نقصد؟ كل تاريخ يحتوي أكثر من تاريخ في محتواه، فقد أصبح لكل شيء تاريخ. وهناك تاريخ هذا التاريخ بكلياته وجزئياته، وحسب المفكر فرانسوا دوس (بعملية تفكيك حقيقة التاريخ، لم يعد التاريخ، وإنما تواريخ. إنه تاريخ هذا الجزء أو ذاك الجزء من الواقع ولم يعد تاريخ الواقع/ 269/ التاريخ المفتّت / من الحوليات إلى التاريخ الجديد)

(*)

    من هنا أقول: هنا تكون بدايتي الجديدة دائما:

لا حداثة بدون استمرارية النقد الجذري الدؤوب.

*المقال : خلاصة : مخطوطة تشتغل على الموضوعة ذاتها

المصادر

زيجمونت باومان 

  1. الحداثة والإبهام/ ترجمة حجاج أبو جبر/ المركز القومي للترجمة/ القاهرة/ ط1/ 2018/ 
  2. الشر السائل/ زيجوند باومان   و ليونيداس دونسكيس/ ترجمة حجاج أبو جبر/ الشبكة العربية للأبحاث والنشر/ ط1/ بيروت/ 2018
  3. حالة الأزمة / زيجمونت باومان   وكارلو بوردوني/ ترجمة حجاج أبو جبر/ الشبكة العربية للأبحاث والنشر/ ط1/ بيروت/ 2018
  4. مقداد مسعود/ الأخلاق في غفوتها/ قراءة مجاورة / في كتاب( الأخلاق في عصر الحداثة السائلة) للمفكر زيجمونت باومان/ الدراسة منشورة في / الحوار المتمدن/ 
  5. فرانسوا دوس/ التاريخ المفتت/  ترجمة / د. محمد الظاهر المنصوري/ مركز دراسات الوحدة العربية/ ط1/ بيروت/ 2009
  6. سمير أمين/ قانون القيمة المعولمة/ ترجمة  سعد الطويل/ دار العين للنشر/ 2012
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply