الأسس العشرة في فنّ الحوار وأدب الاختلاف

نهلة نجم الدّين مختار

  إنّ الحوار الذي ننشده هو ذلك الحوار الذي ينطلق من الأرضية المشتركة، أرضية القيم والمبادئ الإنسانية العليا والاعتراف بقيمة الإنسان ومجموعة حقوقه في الحرية والحياة والعمل وغيرها كي يتشكّل جوٌّ من الفكر المشترك يتحدث بلغة إنسانية واحدة، ينهج نهجاً قيماً مشتركاً ويقرّ مبادئ عامة لا خلاف عليها. وعلى المستوى التربوي والتعليمي فإنَّ الحوار الذي ننشده تأتي التربية العقلية فيه ضمن أهم مجالات حرية الفكر وحق الاختلاف وهي التي تضمن نماء الفكر وازدهاره وحماية العقول من تغييب الوعي وإشاعة الخرافة وقتل الإبداع وتنمية الجمود والتطرف، فالحوار مع الآخر يعني الدراسة النقدية لأفكار الغير انطلاقاً من رؤيتنا للعالم ودفاعاً عن حياتنا الثقافية في إطار أفق حضاري مستنير يحرص على التفاعل والتواصل مع الحضارات الأخرى سعياً إلى الوصول إلى قيم عالمية متوازنة تحكم سلوك البشر وتوجّه مسارات المجتمعات الإنسانية في الألفية الثالثة وفق ضوابط ومحددات يتفق عليها المتحاورون. ودعوني أسوق لحضراتكم ها هنا الأسس العشرة في فن الحوار وأدب الاختلاف.

 

1- الإيمان بالاختلاف من أصله:

  إنَّ الأصل ألّا يتطابق فكري أو رأيي مع الآخر فالتنوع في الفكرة وطرق التعبير عنها جائز بل ضروري للإغناء والإثراء، فلا قوالب جامدة أو نصوص محتكرة؛ الإيمان بحرية الفكر وحق الاختلاف يعدُّ المقدمة المنطقية لأي حوار أو تساوق مع أدب الاختلاف وبغير هذا الإيمان تصبح لغة الشتائم والردح والاتهام دون أدلة أو بأفكار تذهب بهم مذهب الدليل -وما هو بدليل- اللغة المهيمنة وقد تصل بالمتصارعين إلى هدم أركان البناء الديمقراطي.

2- الاعتزاز بالرّأي مع ترك مساحة تغيير:

  إنّ الإيمان بالفكرة يجعل من حاملها مشعل إنارة لها ودرب وصول لتحقيقها فلا تكون مجرد عبث وكلام في الهواء، لذا تعد الثقة والاعتزاز بالرأي من عوامل احترام الذات والعقل واحترام مستوى الحوار. أمّا مساحة التغيير في عقلي فهي الجانب الذي يمثل حركية الفكرة وعدم جمودها وهي -وفق قناعتي بها- قابلة للتغيير بأن أستفيد من رأي الآخر لإثبات رأيي أو تعديله أو تغييره.

3- اعتماد الشّكّ مدخلاً للتّثبّت:

  الأفكار تأتي وتذهب وتستقر أحياناً ثم يفِد عليها من الجديد ما يُزلزل أسسها أو يحركها عن موضعها، لذلك فالفكرة في العقل المحاور قابلة للنقض ومدى استقرارها المرهون بالحجّة قابل للتزحزح حال ظهور عوامل جديدة أو آراء أخرى أو حال الحوار بعقل منفتح. والشك هنا مدخل لتثبيت الفكرة أو تشذيبها أو تغييرها، لم يتناقض مذهب الشك عند علماء الأمة مع استقرار العقيدة -على سبيل المثال- بل رأوا في طرح المشكوك به أو السؤال الكبير حول المسكوت عنه ضرورة لاستقرار الرأي وللتجاوب مع العقول باتجاهاتها المختلفة والتعامل مع الإيمان بمنطق العقل لتثبيته مع عدم إغفال الجوانب الروحانية والنفسية.

4- الانفتاح الذّهنيّ ونقض القوالب الجامدة:

  تشكل المفاهيم المسبقة أو القوالب الجامدة عائقا خطِراً في وجه تفهم الآخر كما يشكل احتكار الصواب أو احتكار تفسير النصوص من قبل الحزب السياسي أو الأشخاص (المقدّسين) عائقاً كبيراً. تصوَّر شخصاً يذهب لحضور ندوة أو مهرجان أو يقرأ كتاباً ولديه رأي مسبق مناهض للمحاضر أوصاحب المقال أو الكتاب، إنه بالضرورة سيتعامل مع الموضوع بشكل دفاعي أو اتهامي ضمن مرجعيته المسبقة لذا يعدُّ الانفتاح الذهني مدخلاً لأدب الحوار.

5- احترام الرّأي المخالف:

  إنَّ ثقة الشخص برأيه لا تتناقض البتّة مع حضور الذهن عند الاستماع للرأي الآخر استماعاً ملهماً لاكتشاف عناصر الجِدّة والحداثة في حديث المخالِف وعناصر الرد عليه فيما هو ضعيف الحُجّة. إنَّ أدب المناظرة مختلف عن أدب الحوار والاختلاف فالأول يسعى فيه المتناظرون للتفوق والبروز والتشكيك بالآخر وإبراز مثالب حجّته لإفحامه أو تعريته أمام ذاته والجمهور، أما المتحاوران فهما وإن اختلفا يبحثان -ضمن منطق أدب الاختلاف- عن العناصر الجديدة والمفيدة والضرورية للتطوير، كلٌّ في فكرته وحتى إن بقي الاختلاف يظل الاحترام متبادلاً ولا يتجه للتسفيِه الشخصي حيث الطّعن في الأعراض والشتم كما هو حال عدد من الكَتَبة والمواقع ذات الطابع التهجمي المُسِفّ على الشبكة البينية أو الشابكة (الإنترنت).

6- الاختلاف والاستفادة:

  إنَّ اختيار الفكرة انتزاع لها من جملة أفكار، والفكرة تراوح في مساحات متقاطعة مع أفكار أخرى ولا تستقر بسهولة، لذا فإن منطق الاختلاف في الفكرة منطق سعي للإفادة ممّا يدعمها ويقوّيها أو يهدمها ويقوّضها؛ إنّ العالم الذي يقنع بعلمه ويتوقف ولا يجعل للأفكار الوافدة محلاً في عقله سيتأخر عن ركب العلم حيث العلم مرتبط بالتطور والتقدم، والمفكر الذي يظن أنه صاحب النظرية الأوفى أو الأدقّ سيقع في منزلق الجمود متى ما اعتقد بالثبات لا التغيير في الفكر، والمتعلم الذي يكتفى بقسطه من العلم في أي مجال ستهبط كفاءته وتتناقص قدرته إن لم يضف إليها الجديد بالقراءة والدرس والمران والحوار والاستفادة من المختلف.

7- التّوجّه نحو الموقف أو الفكرة لا الشّخص: 

  الحوار قد يكون بين الشخص وذاته أو بين شخصين أو أكثر في ندوة أو مؤتمر أو ورشة أو في سياق مناقشة عادية منظّمة أو عابرة، وفي هذه الحوارات جميعاً يعدُّ الاختلاف أو التعدد أمراً طبيعياً أي أنَّ في فكر الشخص قد يكون أكثر من رأي أو فكرة في الموضوع أو المشكلة فيفكر باتجاهات تعدد الحل أو الرأي. ومن البديهي أن العقلية المرِنة المنفتحة تتقبل الآخر وتسعى للاستفادة ممّا عنده وربما الاستزادة. و قد يعبّر الرأي المخالف عن ذاته فيصبح واجباً أن يتمّ الدفاع عن هذا الرأي أو توضيحه أو عرضه ضمن شروط التدرج وحسن العرض والإقناع.

8- حُسن الإنصات والفهم:

  هل يمكننا أن نتصور عقلية مرنة منفتحة متقبلة للاختلاف لا تستمع وتصغي بأناة للآخر؟ وهل نتصور صاحب فكرة أو مذهب أو رأي يسعى لإقناع الآخرين ينطلق متكلّماً كالحافلة تصدم المستمعين دون توقف لملاحظة مدى استجابة وتفاعل الآخرين وللتدقيق في ردود الفعل الكلامية والجسدية؟

  إنَّ حسن الإنصات للآخرين سواء فيما يقولونه أو لا يقولونه (الصمت، ولغة الجسد) مدخل لإثراء الفكروللتأثير في الآخرين وهومن أدب المحاور الراغب بإيصال فكرته أو الرد على أفكار الآخرين.

9- أطر الحوار والاختلاف:

  إنَّ أهمية الحوار لا تقلّ عن أهمية الاستماع لوجهة النظر الأخرى، والاختلاف بمكوناته وتوزعه على الخلفيات والثقافات يقتضي التأطيرأو الاتفاق المسبق على طرق التحاور وتوقيتاته والنتائج المبتغاة، وإذا كان الاختلاف يعبر عنه في إطار الجلسة/الندوة/ المؤتمر/المجلس التشريعي/الاجتماع فيجب أن يكون محكوماً بقوانين هذه الجلسة من الدور والوقت والقدسية والالتزام والاحترام المتبادل لئلّا يتحول لمعرض يتبادل فيه الفرقاء بضاعتهم دون هدف أو سعي لتحقيق هدف.

10- الصِّدق:

  إنَّ المؤمن بالحوار، المؤمن بالاختلاف، المؤمن بالديمقراطية يجب أن يكون صادقاً، ولا يمكن أن يستعان بالأكاذيب والاختلاقات كأسانيد.

  وأمّا مقومات الحوار الناجح فهي: 

1- عندما تتحدث مع الآخرين عليك أن تأخذ بعين الاعتبار سن الشخص الذي تتحدث معه، فإذا كان أكبر منك يجب أن تتحدث معه بطريقة رسميّة ومحترمة بعيداً عن أسلوب المزاح الزائد أمّا إذا كان أصغر منك فعليك أن تتحدث بطريقة بسيطة ومفهومة بعيداً عن استخدام المفردات الصعبة. 

2- لكي تُظهر للآخرين مدى اهتمامك بحديثهم والحوار معهم عليك أن تنصت إلى كل كلمة يتفوه بها الشخص الآخر وتثني على المعلومات التي يطرحها لك، ويجب أن تكون حريصاً على عدم مقاطعته حتى ينتهي من طرح فكرته، وعليك أن تجتنب انتقاده بطريقة جارحة أو أن تسخر من أفكاره. 

3- يجب عليك أن تأخذ بعين الاعتبار المستوى الثقافي والعلمي للأشخاص الذين تتحدث معهم، فإذا كنت تتحدث مع أشخاص مثقفين وحاصلين على درجاتٍ علميّة متقدمة فبإمكانك استخدام المصطلحات الثقافيّة أو العلميّة التي من السهل أن يفهموها، أما الأشخاص الذين لا يمتلكون ثقافة علميّة واسعة فعليك أن تنتقي معهم كلماتك بشكلٍ دقيق وأن تستخدم المصطلحات البسيطة التي يفهمها الجميع. 

4- إيّاكَ أن تفرض رأيك على الآخرين وتجبرهم على الاقتناع به، فلكل شخص قناعاته واتجاهاته الفكريّة الخاصة التي يجب أن تحترمها وألّا تستهزىء بها أو تقلل من قيمتها. 

  ختاماً، فالكلام الجميل والمهذب يؤدّي دوراً مهماً وفعالاً في إنجاح الحوار الفعّال مع الآخرين لذلك عليك أن تحرص على اختيار المفردات الجميلة والكلمات الرقيقة والابتعاد عن استخدام العبارات القاسية والشتائم.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply