لوحةٌ في القلب 

سعد عبد القادر ماهر

جلس في الباحة الخارجية لمنزله المطلِّ على غابة صغيرة ترتفع على أرض خضراء أنبتت زهوراً برّيّة ذات ألوان زاهية شكّلت لوحة تاركةً وراءها طبيعة ساحرة بمعانيها استسلمت لها موهبته في الرسم فحمل لوحاً خشبياً وحقيبة وضع فيها أدوات يستخدمها في رسم الأشياء، قام بتثبيت ورقة بيضاء على لوح الرسم ثم أخرج من حقيبته مجموعة الألوان وفرشاة كبيرة وأخرى أصغر منها وشرع بتحديد خطوط غير مفهومة. 

  بينما كان يجول بنظره في أرجاء الغابة تسلّل شعاع للشمس من جنبات الأشجار العالية وسقطت أجزاء منه على الأرض الخضراء فتداخلت ألوانها بين ألوان ذهبية برّاقة وأخرى غامقة لا بريق لها فاستحضر ذكر خالقها الذي أبدع في تفاصيل ألوانها. ترك لوح الرسم وسار نحو حافة ترتفع عن الأرض الخضراء هي وادٍ غير عميق غطّته تلك النباتات البرّيّة وسجّادة من حشائش خضراء تدرّجت ألوانها فتشكلت خطوط من الزهور الصفراء إلى جانب أخرى ذات ألوان بنفسجية وزهور أخرى بيضاء ارتفعت سيقانها أعلى من بقية الزهور. استظلَّ جزء من الوادي بأشجار الغابة وترك مساحة منه تستقبل أشعة الشمس الذهبية التي انكسرت عند وريقات الزهور الملوّنة … حوّل بصره تجاه الأشجار العالية التي حجبت جزءاً كبيراً من ضياء الشمس المائلة إلى الغروب. لم يتفاجأ بخروج أسراب من طيور القماري التي كان ينتظرعودتها فهو يعرف عنها أنَّها طيور مهاجرة لا تحلِّق إلّا في المساء خلاف بقية الطيور التي تهاجر ليلاً وتسكن أعشاشَها نهاراً حريصة على نفسها من الطيور التي قد تهاجمها. 

  حلّقت طيور القماري عالياً في سماء صافية وشكّلت سرباً يقوده واحد منها وخلفه توزّعت بقية الطيور بصفّين متباعدين عن بعضهما وبنسق جميل. خطف ذلك المشهد قلبه وشعر بأنّه سيضيف إلى لوحته صورة مذهلة… راح يتأمّل جمال السماء بألوانها الرائعة المتداخلة بين اللون البرتقالي الذي بدأ غروب الشمس ينسجه ولون السماء الصافية الرائع. 

  أخذ فرشاتَه وبدأ يرسم لكنَّ بصره لا يكفُّ عن النظر في اللوحة الطبيعية التي أمامه، ترك يده تُحرِّكُ فرشاتَه بما يعتلج في قلبه… ظلَّ يرسم وعينه على الوادي حتى حدث أمرٌ في السماء شغله قليلاً… انطلقت أصوات الطيور العائدة إلى أعشاشها وملأت أصداؤها أرجاء الوادي فتشوّش عقله وكفَّ عن متابعة الرسم… بدأ صوتها يخفت… انتظر سكونَ المكان لكنَّ الظلام بدأ ينسج صورته فعاد إلى لوحته بعد أن عاد إلى وعيه… رفع الصورة التي رسمها ليكتشف مفاجأة كانت تنتظره! 

  على الرغم من جمال الطبيعة الساحرة أمامه وعلى الرغم من الطيور المهاجرة وتلك العائدة إلى أعشاشها التي مرّت من أمامه، وعلى الرغم من آلاف الزهور الملونة الجميلة التي متّع بصره بها، وعلى الرغم من غروب الشمس، رسمت أنامله صورة أخرى اكتشف أنَّ ملامحها تشبه ملامح حبيبته… أيقن أنَّ قلبه قد رسم لوحةً أخرى. 

  راح يتأمّل صورة حبيبته ويردِّد: 

يا غائبينَ وعرشُ القلبِ مسكنُهُمْ     هذي المواجعُ -رغم البُعدِ- هل تصلُ؟ 

و بأشارة من سبّابته خاطبها: لا يمكنكِ الإفلات من قلبي!

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply