الأصالة والجذور

يقظان نعمان ماهر

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم 

{ألمْ ترَ إلى ربِّك كيف مدَّ الظِّلَّ ولو شاءَ لجعلَهَ ساكناً ثمَّ جعلنا الشَّمسَ عليهِ دليلاً} 

القرآن الكريم، سورة الفرقان (٢٥: الاية ٤٥)

صدق الله العظيم.

  من هنا بدأت رحلة الإنسان الأول، إنسان الكهوف وما قبل عصر فجر السلالات، فقد أظهرت نعمة البصر والبصيرة التي أودعها الخالق فيه مشاهدَ وتجلِّيَّاتٍ عبَّرت عنها الرسوم التي وُجدت في كهوف التاميرا في الجنوب الفرنسي والشمال الإسباني؛ أظهرت تلك الرسوم مشاهد لرحلات الصيد التي كان يمارسها ذلك الإنسان بفعل الظلال التي أراد منها تبديد مخاوفه عند صيده حيوان البيثون وغيره من الحيوانات الضخمة الأخرى.

  إنَّ البشر كانوا صيادين منذ عهود طويلة وأدواتهم كانت من الحجارة، وكانوا في غذائهم يعتمدون على الحيوانات الوحشية الشرسة ثم تعلموا كيف يجعلون تلك الحيوانات طيِّعة تعيش معهم دون خوف أو رهبة فأصبحوا بذلك رعاة وذوي قطعان متجوِّلين يبحثون عن الماء والكلأ. 

  سرعان ما اكتشف البشر القاطنون في وديان الأنهار الدافئة كنهر النيل ونهري دجلة والفرات أنَّهم إذا زرعوا الحبوب البرية التي تمدهم بها الطبيعة سيحصلون منها على محاصيل أكثر وفرة وأكثر نضجاً، هكذا وبالتدريج استوطنوا وزرعوا الأرض وصاروا بناة مدن وبناة حضارة. 

  وحينما تطورت سبل المعرفة وتلاقحت الشعوب ارتفع شأن الحضارات وتعاظم شأنها واستمدت أصولها من الجذور التي أرست القواعد وبنت الأصول لكل صرح معرفي فكانت الريادة وكانت الصدارة وكانت الأصالة؛ فمن طابت جذوره أينعت فروعه، والأصل تتبعه الفروع.

لقد جال علماء النفس في أغوار النفس البشرية واستغرقوا في استحضار معان للإصالة، فمنهم من عزاها لحاجة الابتكار التي تمر بها العبقرية البشرية فيتحقق الخلق فيها والإبداع، ومنهم من أيقن بأنّها ظاهرة سيكولوجية طبيعية، ولدى الفريقين تحليلات وتجليات تقضي بالتمسك والانتماء لضرورات الابتكار والفعل المبدع وتفضي للمرور بالقواعد والروابط التي تمنحها إياهم الأصول، فهي الابتداء وهي المنشأ وهي الجذور.

                                         ∗∗∗                                            

  سئل نيوتن مرَّة: كيف توصلتَ إلى اكتشاف قوانين الطبيعة؟ 

أجاب: ” ركّزت اهتمامي زمناً طويلاً فيها.” 

و قوله هذا – برأينا – هو الّذي جعل العالم الفرنسي بوفون (1707-1788م) ينظر إلى “العبقريّة” على أنّها ” المثابرة على مواصلة البحث والاستقصاء” وهو الّذي أدى بكويفيه (1769-1832م) العالم الفرنسيّ إلى أن يصف “العبقرية” بأنَّها “انهماك مركز لا ينضب في موضوع معين” .

وقيل للأصمعيّ: “كيف حفظتَ ونسيَ أصحابك؟” فقال: “درستُ و تركوا.”

وذكر ثعلب (815م-904م) في كتابه (مجالس ثعلب) أنَّ رجلاً كان يطلب العلم فلا يقدر عليه فعزم على تركه، فمرَّ بماء ينحدر من رأس جبل على صخرة قد أثّر فيها فقال: “الماء على لطافته قد أثَّر في صخرة على كثافتها، والله لأطلبنّ”. فطلب فأدرك.

                                         ∗∗∗                                           

  لكنَّ الشعوب لا تتطور بدرجة واحدة، فقبل ثلاثة آلاف سنة وبينما كان أهل أوروبا يشحذون حرابهم الصخرية ويتصيدون كان المصريون يكافحون في غير العهد البدائي، وقد بنوا القصور والهياكل والأهرام الشامخة الضخمة وصنعوا السفن وأوجدوا الكتابة التصويرية الهيروغليفية التي سجلوها على الحجر وكتبوا على أوراق البردي، وهذي أولى مكامن الريادة.

وفي وادي الرافدين كان يجري مثل ذاك التقدم فقد بنى السُّكَّان فيها مدينة بابل العجيبة ذات الجنائن المعلَّقة وأضحت مركزاً لإمبراطورية عظيمة.

وفي جزيرة كريت كان الشعب يحب الجمال والفن فخلَّده في أعمال كثيرة. 

وكان هناك الفينيقيون على سواحل سوريا، بنوا الموانىء فكانت صُور وكانت صَيدا، وأصبحوا تجاراً ماهرين واكتشفوا صناعة الزجاج وكيف يصبغون أنسجتهم بالأصباغ المرجانية، واخترعوا الكتابة الصورية بالألوان الزاهية، وخاطروا بالذهاب لأبعد من ذلك فتخطَّوا أعمدة هِرَقْل وأبحروا إلى المحيط الأطلسي الشمالي الذي يكتنفه الضباب حتى وصلوا إلى الشواطئ الجنوبية للجزر البريطانية التي كانت تقطنها شعوب بدائية غارقة في التخلف. كما نجح الفينيقيون في استخراج القصدير واستطاعوا أن يصنعوا معدن البرونز بمزج القصدير والنحاس الأحمر. كانت تلك بداية التعدين فحُسِبَ لهم فيها قصب السبق وحُسِبت لهم الريادة والصدارة. وحين جاء عصر الحديد والصلب كان لمن امتلك أدواته القدح المعلَّى والشأن الكبير.

  على أنَّ الشعوب التي أخذت تتقدم بسرعة في معارج الحضارة منذ فجرها الذي أطلَّ على يد السومريين والمصريين فالإغريق مروراً بالآشوريين والكلدانيين وأهل السند والفرس والرومان – كانت كلما ازدادت قوة وبأساً أخذت بالتوسع على حساب شعوب متخلفة واهنة أخرى. 

                                         ∗∗∗                                           

  وتستمر مسيرة الإنسان ويستمر معها سعيه جاهداً مجتهداً، يبحث في الأصول ويتحرَّى عن المنابع والجذور ولا ينكر ما جاد به أسلافه في سابق العصور، فيتألَّق الفنَّان ويرتقي العالم ويسمو الأديب ويتجلى إبداع شاعر…

يلخِّص الشاعر الفذّ الطُّغرائيّ في لاميَّته الشهيرة دور الأصالة وأثرها في رسم المواقف، فيطلع علينا بالقول:

    أصالةُ الرَّأيِ صانتني عن الخَطَلِ    وحِليةُ الفضل زانتني لدى العَطَلِ 

مجدي أخيراً ومجدي أوَّلاً شَرَعٌ     والشَّمسُ رأْدَ الضُّحى كالشَّمسِ في الطَّفَلِ 

وإذ تتلاقح الثقافات وتنمو الحضارات ينطلق الإنسان بقدراته محقِّقاً إنجازاتِه مستعرضاً هبة الله في فكره وأدائه، لائذاً بها، متنقِّلاً من فجر إلى فجر.

 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply