الوضوح والغموض

سعد عبد القادر ماهر

في يوم شتائي غائم من أيام شهر كانون الثاني وبالرغم من برودة الجو التي أجبرت كثيراً من الناس على المكوث في بيوتهم خرجتُ ألتحفُ معطفاً طويل يغطِّى ثلاثة أرباع جسمي وقبَّعة من الصوف تحمي رأسي وأذنيَّ من البرد.

حملت مظلَّتي في يد تحسُّباً لأيِّة زخَّات مطر محتملة وحملت أوراقي باليد الأخرى، اعتدت حملها وأنا في طريقي إلى مقهى معظم روَّاده من الشعراء والأدباء يجمعهم اهتمام واحد: الأدب وأخواته، فضلاً عن العوام على تنوعهم. كان النقاش المجتمعي والحوارات النخبوية هي الغالبة فيه، وكانت النقاشات والسجالات الفلسفية والاجتماعية والسياسية بين أقداح الشاي والقهوة ونشوة شاربيها سبباً لخروج نتاجات عظيمة في الأدب والمعارف الأخرى.

بالرغم من الضجيج الذي يلفُّ المكان وتصاعد أصوات الموجودين في المقهى بشكل يومي وروتيني أخذت مكاناً لي على إحدى الأرائك/الكنبات الخشبية القديمة التي لم تعد موجودة إلَّا في المقاهي القديمة؛ في إحدى زوايا المقهى بالقرب من شبَّاك يشرف على زقاق قديم يضمُّ دوراً تعلو مداخلها شناشيل بغدادية جميلة وتفتح شبابيكها الخشبية لتجديد هواء المنزل. 

علَّقت حامل مظلَّتي المقوَّس على مسند الكنبة، وطلبت كعادتي شاي الليمون الحامض الذي أتناوله كل يوم من صاحب القهوة بسبب ما يشعرني براحة بعد كلِّ مشروع كتابة.

عندما حضر بعض الأصدقاء وزملاء المهنة إلى المقهى نهضت إلى طاولة خشبية مستديرة غطِّيت بشرشف من النايلون. جلسنا جميعاً وتحدثنا عن هموم الحياة أوَّلاً قبل أن تأخذنا مشاريع الكتابة لكلٍّ منَّا بعيداً عنها وعن أخبار السياسة التي تعصف بشكل يومي في شوارع البلاد وأزقتها وتلقي باحتقانات تنذر بالخطر فوق خيمته.

بالرغم من انتشار التقنيات الحديثة من أجهزة هاتف نحملها في جيوبنا وحواسيب نحملها في حقائبنا إلى أيّ مكان نريد الوصول إليه كان منظر تصفُّح صحائف الجرائد في المقهى هو السائد؛ فتحدَّدت قدرتي على تعرُّف بعض أصحابها الذين حافظوا على رفع الصحف أمام الوجوه. بينما فضَّل قسم آخر وضع الصحيفة أمامه على الطاولة. لم تكن حركة ملاعق الشاي في أكوابها والأصوات التي تطلقها تثير أعصاب روَّاد المقهى، بل هي حركة طبيعية ربَّما يجدون فيها متعة مع نكهة الشاي الذي يشربونه، بل لا تزعجهم على عكس ما يجدونه في سماع حركة عقارب ساعة في غرفة نوم مظلمة أو سماع صوت قطرات ماء نازفة من صنبور/حنفيَّة في منزل.

كانت ثمَّة امرأة شابة تريد أن تخوض تجربة جديدة في مكان يحتكره الرجال ولا وجود للمرأة فيه باستثناء سيرتها التي ترد على ألسنتهم في المقهى، كأحاديث الخطوبة والزواج، وربما حكايات انفصالها عن الرجل لأسباب قاهرة أو أسباب غير مهمَّة؛ فوجدت في المقهى الذي أجلس فيه ضالتها. وقفت على عتبة المقهى بكل ثقة تحمل كراساً ورقياً، فجذب وجودها ووقوفها أمام باب المقهى انتباه روَّاد المقهى وأثار استغرابهم.

لقد اعتاد رواد المقهى رؤية الشحَّاذات وهن يحملن أطفالاً صغاراً بيد ويمددن الأخرى طلباً لمعونة نقدية من الرجال الذين لا يتردَّد بعضهم في إسعافهنَّ بما يجود به من مال قليل، بينما يصدُّهن قسم آخر دون أن يكلِّف نفسه فلساً يدفعه إليهن. 

  هذه المرة كان يوماً غير عادي في المقهى، فقد جاءت شابة جميلة في نهاية عقدها الثالث، ترتدي ملابس أنيقة محتشمة ووقفت أمام الرجال بوجه كشف عن ابتسامة دون مبالغة. سارع صاحب المقهى إلى استقبالها يسأل عن حاجتها. لم تتردد وطلبت على الفور أن تدخل المقهى لتكتب فصلأ في روايتها يستحضر مشهداً في مقهى مخصَّص للرجال.

التفت الرجل ونظر خلفه في عيون زبائنه لشحذ رأيٍ من هنا وهناك، تمتم بكلمات فهمت منها اعتراضاً مبدئياً على دخولها المقهى، إلَّا أنَّ تمسُّكها بمحاولة تجربة شخصية جديدة عليها فرضت شخصيتها في وسط ذكوري، فطلبت من الجالسين القريبين من الباب التدخل وإقناع صاحب المقهى للسماح لها والجلوس لإنجاز كتابة روايتها.

نهض أحد الرجال واقترب من صاحب المقهى وطلب منه أن يدعها تدخل ويخصِّص طاولة مع كرسي واحد بشكل انفرادي لا يسمح بجلوس شخص ثان. 

ترك الرجال الصحف، وترك بعضهم كوب الشاي الذي كان بيديه، ومنهم من نظر إليها من فوق نظارته الطبية. انتظر الجميع قرار صاحب المقهى الذي عمل بنصيحة الرجل مرغماً فأشار إليها بالدخول، وبحركة عبَّرت عن عدم راحته في دخول سيدة إلى مكان عمله.

تقدم صاحب المقهى إلى مكان قريب من مكاني وخلفه المرأة الشابة التي قطعت طريقها بين طاولات والكنب التي يجلس عليها الرجال، ضمَّت يديها إلى بعضهما ناظرة إليهم مع ابتسامة على محيَّاها دون رد فعل إيجابي منهم. طلب صاحب المقهى من صانعه أن يجلب إحدى الطاولات ويضعها في مكان لم يكن يبعد عني إلَّا متراً واحداً، ثم سحب كرسيَّاً من إحدى الطاولات التي يشغلها عدد من الرجال أقل من استيعابها. 

جلست المرأة ووضعت كرَّاسها أمامها ثم نظرت نحو طاولتنا ووقعت عيناي عليها فوجدتها تنظر لي، هزَّت رأسها بالتحية فبادلتها الحركة برأسي. لفت ذلك انتباه أصدقائي ونظر أحدهم إليها ورحَّب بها أيضاً.  

سألها صاحب المقهى عن رغبتها في نوع مشروبها، إن كان شاياً أو قهوةً أو شاياً ممزوجاً بالليمون البصري، فطلبت منه قهوة (سادة). أمر صانعه أن يجلب طلبها. لم يخفِ صاحب المقهى مشاعره تجاه تصرفها الذي رأى فيه تحدِّياً له، فعاد يسألها بشيء من التهكم فيما لو كانت تريد أن تكتب فصلاً في روايتها عن حمَّام للرجال، فهل تستطيع دخول الحمام؟! 

عرفت المغزى من سؤاله فردَّت عليه دون أن يثير السؤال حفيظتها: طبعاً لا، لكن بإمكاني أن أسمع من أبي أو أخي حكايات عن حمَّام الرجال. 

ثمَّ أردفت: عمي… يبدو إنَّك غير راضٍ عن دخولي إلى المقهى.

 لم يردَّ عليها وعاد إلى زبائنه… 

التفتت لي ووجدتني أستمع إلى ما دار من حوار بينها وبين صاحب المقهى، فأشَّرت لها بحركة فهمت منها عدم الاهتمام بسؤاله… ابتسمت لي وعادت إلى أوراقها فبدأت تكتب.

زادني الفضول في معرفة ما تكتبه المرأة الشابة التي تجلس بالقرب مني، فهي تكتب مثلما أكتب، وتحاكي ما حولها كما أحاكي من حولي، لكنها تختلف عن باقي الحضور، فهي أنثى أوَّلاً، ومشرقة ثانياً. 

كانت وجوه الرجال شاحبة متعبة، نال منها الزمن كثيراً، وزاد في ذلك تقدُّم العمر واحتكاكها بأحداث وظروف عصيبة مرت بها البلاد، بيد أنَّها أكثر حيوية ونشاطاً، كما ازدادت إشراقاً في أجواء ملوَّثة بدخان السجائر وبضربات الملاعق في أقداحها.

أردت أن أسألها عمَّا تكتب، فقد اعتدنا نحن الرجال أن نسأل أحدنا الآخر عن مشاريع كتابات كلٍّ منَّا في هذه المقهى وأن نقدِّم نقداً أو رأياً لما نكتبه… لكنَّ صديقاً لي يجلس معي على طاولتي قاطع رغبتي وسألني أن أطرح رأياً حول مشاركة النساء للمجتمعات الذكورية كهذه المقهى.

  • لا بأس في ذلك ضمن الأطر الصحيحة…

يبدو أنَّ جوابي المقتضب لم يشبع رغبة صديقي فأراد المزيد بأسئلة أخرى لكنِّي سارعت إلى تقديم مقترح أنصت له أصدقائي ودعوتهم إلى أن نفكر جميعاً في خوض تجربة جديدة في الكتابة من وحي سؤال صديقي.

جاء صانع المقهى يحمل طلب السيدة الشابة في صنية من البرونز، أعربتْ له عن امتنانها ثم وضعت فنجان القهوة في مكان ملائم بعيد عن أوراقها.

بدأت المرأة الشابة الكتابة واستغرقت معها مدة غير قصيرة دون أن ترفع رأسها… توقفت برهة … أخذت رشفة من فنجانها… عاودت الكتابة منشغلة في موضوع ما تكتب.

لم يثنها عن الاستمرار في سرد حكاية تكتبها إلَّا أصوات ترتفع من هنا وهناك في زوايا المقهى، فهي مهتمة بالكتابة  في هذه الأجواء برغم خشونتها وخطورتها أحياناً. 

بعد مرور وقت على حالتها تلك رفعت رأسها لتنظر في سقف المقهى وتمعن النظر في جدرانه. كانت تحاول أن تنظر إلى الشارع عبر النافذة التي كنت أجلس بجانبها انتبهتُ إلى ذلك فملت برأسي جانباً، فأعربت عن شكرها بإيماءة من رأسها. 

كما توقَّعت، إنَّها تكتب في وصف المكان ومحيطه. أخبرت أصدقائي بما أشعر به واندهش أحدهم لاهتمامي بأمرها، أجبته بأن ذلك من دواعي فضول رجل تجاه معرفة أسرار امرأة شابَّة قويَّة تحدَّت الجميع لتكتب في مكان مخصَّص للرجال. 

عرف الموجودون في المقهى غاية المرأة وسبب وجودها معهم بعد أن أصبح صاحب المقهى مندوباً غير رسمي عنها للإجابة على استفساراتهم.

لم أنتبه إلى قدوم شاب إلى طاولتها إلَّا بعد أن وقف فوق رأسها يسألها إن كانت تبحث عمَّن يساعدها في معرفة أسماء الأشياء المعلَّقة على جدران المقهى لكي يكتمل وصف المكان لديها.

كانت جدران المقهى مُزَيَّنةً بصور لها طعم التاريخ الجميل ونكهته: صور فنانين وملوك وشخصيات ووجهاء ومشاهير، إلى جانب أشياء غريبة وقديمة مثل ساعة جدار لا تشبه الساعة إلَّا في عقاربها وصورة قديمة لأحد أحياء بغداد وصورة لأحد الجسور القديمة وعباءة رجالية مصنوعة من الوبر عُلِّقت بطريقة تجذب الانتباه. واحتضنت إحدى زوايا المقهى أجهزة تسجيل قديمة إلى جانب صندوق من الخشب مليء بالنحاسيات القديمة من دِلال وأباريق… 

أخبرتْه أنَّها ستطلب منه ذلك عندما تنتهي من كتابة موضوع يشغلها الآن وشكرته على اهتمامه وتشجيعه.

أرادت أن تنادي على صانع المقهى فلم يخرج صوتها، لوَّحت بيدها حتَّى انتبه صاحب المقهى وطلب من صانعه أن يذهب إليها ويعرف طلبها… حضر صانع المقهى إلى طاولتها فطلبت منه فتح شبَّاك قريب منها لتغيير هواء المقهى المعفَّر بدخان السجائر والأراجيل، فانتبه الجميع لحركة صانع المقهى الذي قام بفتح درفة شباك يتوسَّط بين طاولتي وطاولتها، وشكرتْه على صنيعه.   

كانت الواقعية في الكتابة هي ما يشغلها وتزيدها حلاوة ببعض من الخيال، فهي تكتب لشخوص وأماكن حقيقية وتضيف لها ما تتمنى من نهايات قد لا تكون حقيقية. فكانت شخصيات أبطالها قريبة من شخوص حولها في المكان.

لم أعرف ذلك إلَّا بعد أن امسكت بورقة من أوراقها تلاعب بها الهواء الذي انساب خلال الشباك إلى المكان ومنعتُها من الطيران إلى مكان أبعد، فوقعت عيني على بعض السطور ومن دون قصد نظرت إليها وعلمت بسرعة عمَّا تكتب. 

قمت من مكاني أحمل الورقة وأزحت الكرسي الذي أجلس عليه بطريقة كشفت عن ارتباكي ورغبتي في الحديث معها فدفعته حتى هوى على الأرض… رفعته وعيني في عيون أصدقائي، وبدأت أشعر بأحاسيسهم التي سخرت من تصرفي. وضعت الكرسي في مكانه وتقدَّمت إليها وسلَّمتها الورقة، فأخذتْها شاكرة.

  كانت هذه الحركة منِّي كافية لأبدأ حديثاً ولو كان قصيراً، وأجد فيها فرصة للتعرف إليها، فقدَّمت لها نفسي وأخبرتها بأنِّي من مرتادي هذه المقهى لأكتب أحياناً، وألتقي مع أصدقائي أستمع لنصائحهم وانتقاداتهم لما أكتب. وشعرتُ بسعادتها لوجودها في وسط من المثقفين، فقد عبَّرت عن ذلك بشفافية قائلة: يسعدني أن أكون ضمن مجموعة من الأشخاص أمثالكم، فإنِّي أشعر أنَّ بي حاجة إلى أن أعرف بشكل أكبر كيف تمضي شؤون الأدباء في مقاهٍ مثل هذه.

  • هل يمكن أن تتحمَّلي نقداً أيَّاً كان نوعه مثلما نتحمَّل نحن الرجال؟

قلتها وأنا أقف أمامها دون أن أجرأ لسحب كرسي والجلوس على طاولتها، فردَّت بكل ثقة: المرأة في طبيعتها لا تقبل النقد.

قلت: حتى وإن كان في مجال ما تكتب؟

قالت: نعم، فالمرأة مختلفة عن الرجل كثيراً فعندما تكتب تشعر بأنَّها إحدى شخصيات ما تكتب وتفكِّر كما تفكِّر بطلتها، أمَّا الرجل فلا يهم إن كان يجسِّد صورة البطل أو لا! لذلك لا تسمح لأحد أن ينتقدها، وهي البطلة في داخل الرواية وخارجها.

قلت: إذن، أنت تكتبين رواية!

قالت: نعم ولشخصية قريبة من نفسي.

قلت: وهل تكتبين للواقع بشكل أكبر من الحكاية الخيالية؟

قالت: حكايات الواقع أقرب لي من الحكايات الخيالية، لكن لا بأس من بعض الإضافات أحياناً لضرورات الحبكة القصصية. 

قلت: وماذا عن المشاعر الحقيقية؟

قالت: إنَّه موضوع كبير يجمع بين المشاعر السلبية والإيجابية والمشاعر المحايدة وأحاول تجسيدها في الشخصية وأنتقل من حالة إلى حالة حسب ما يملي عليَّ المشهد الروائي. وأعتقد أنَّ الوضوح والغموض عاملان مهمَّان في الانتقال بين تلك الحالات وأنِّي أجسِّد ذلك في شخصيات الرواية.

قلت: كيف يمكننا أن نعرف الوضوح والغموض عند الشخصية؟

قالت: يتجسِّد الوضوح لدى الأشخاص ذوي المشاعر السلبية، فالحزن والإحباط واليأس والخوف والشعور بالذنب والغيرة والعداء والغضب واضحة في تصرُّف الشخصية، بينما الغموض يبقى يلف الشخصية ذات المشاعر الإيجابية؛ فالسعادة والفكاهة والفرح والحب والامتنان والأمل البادي على الشخصية لا يعطي حكما نهائياً على الشخصية، فقد تجدها مرحة لكنَّها تخفي شيئاً من الحزن.  

قلت: نعم … عدم الوضوح هو ما نعانيه في مجتمعنا!

وجدتُ نفسي أمام كاتبة شابَّة غير اعتيادية، ووجدتها تنظر في ساعة معصمها، فشعرت أنِّي آخذ وقتاً منها، فاعتذرت لها عن فضولي والإطالة في الحديث واستأذنت بالانصراف، وتراجعت إلى مكاني.

25/8/2022

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply