Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

لقاء السّلام

البابا فرانسيس يكرّم الدكتور عليّ الموسويّ

الدُّكتور العراقي عليّ موسى الموسويّ من المهتمِّين بالحوار التنويري الإنساني ويعمل جاهداً على تعزيز التفاهم والوئام والسلام بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة ونشر القيم والمفاهيم الإنسانية. كرَّمته مؤسَّسات محلية ودولية لإسهاماته في تعزيز لغة الحوار في سبيل بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً، وكان آخر تكريم من قداسة البابا في الفاتيكان الذي أطلق عليه لقب “صانع السلام”. 

نحاوره في بعض القضايا التي تشغلنا في عصرنا الحالي ونتحدث عن دور الحوار الديني والثقافي في بناء الجسور بين شعوب العالم وعن تجربته ورؤيته حول هذا الموضوع.

هَمْسُ الحِوار: لنبدأ بسؤال حول الوسام الَّذي منحك إيَّاه قداسة البابا. حدِّثنا عنه.

عليّ الموسويّ: الوسام يُمنَح للأفراد والمنظَّمات لجهودهم في العمل الخيري وتعزيز السلام والتسامح والمساهمة في الخدمة الإنسانية. وقد منحني إيَّاه قداسة البابا في حاضرة الفاتيكان تقديراً لجهودي في نشر قيم السلام والتسامح ولدوري في تعزيز الحوار والمحبة بين الثقافات والأديان.

هَمْسُ الحِوار: كيف أثَّر هذا التَّكريم على مسؤوليَّتك كصانع للسَّلام والتَّسامح؟

عليّ الموسويّ: التكريم زاد من مسؤوليتي في نشر العدالة والسلام وصرت أشعر بأنني ملتزم بشكل أكبر بمكافحة الظلم والتمييز والعمل على تعزيز قيم الحوار والتسامح في المجتمع .

هَمْسُ الحِوار: ما الدَّور الَّذي ستقدِّمه كصانع للسَّلام والتَّسامح في تعزيز مبادئ الإسلام الوسطيّ المتسامح؟

عليّ الموسويّ: سأعمل على توضيح مبادئ الإسلام الوسطي المتسامح ونشر رسالة السلام والتعايش السلمي بين البشر محاولاً الحد من خطابات الكراهية وتشجيع التفاهم والتعاون بين مختلف الثقافات والأديان.

هَمْسُ الحِوار: متَّى بدأت رحلتك في عالم الحوار والإعلام؟

عليّ الموسويّ: بدأت رحلتي في عالم الحوار والإعلام في عام ٢٠٠٤ عندما دخلت شبكة الإعلام العراقية كمعدٍّ ومقدِّم للبرامج الدينية والثقافية ثمَّ تقلَّدت مناصب مختلفة مثل رئيس قسم البرامج الدينية ومدير للقناة العراقية الثانية ” الفرقان”.

هَمْسُ الحِوار: ما البرامج الَّتي قدَّمتها خلال رحلتك الإعلاميَّة؟

عليّ الموسويّ: قدَّمت برامج عدَّة منها برنامج “الشريعة بين السائل والمجيب” الذي كان يضيِّف رجال دين من مختلف المذاهب والأديان وشخصيات ثقافية وأكاديمية لمناقشة أهمية الحوار والتعايش السلمي بين الثقافات والمعتقدات.

هَمْسُ الحِوار: ما كان هدفك من هذه البرامج؟

عليّ الموسويّ: كان هدفي تعزيز المشترك الإنساني وبناء جسور من التفاهم بين الأديان والثقافات المختلفة من خلال فتح باب الحوار الصريح وتبادل وجهات النظر بصورة متساوية ومحاولة فهم الاختلافات .

هَمْسُ الحِوار: كيف أثَّرت أحداث العنف الطَّائفيّ في العراق عام ٢٠٠٦ على مسار رحلتك في الإعلام؟

عليّ الموسويّ: أحداث العنف الطائفي في العراق عام ٢٠٠٦ جعلتني أتمسَّك برسالتي أكثر وأنا أرى بلدي يتَّجه نحو الهاوية. بدأت بتقديم حلقات تلفزيونية في أوج الأحداث الطائفية واضعاً روحي على كفِّي مع صعوبة الوصول إلى مقر القناة لتقديم الحلقات على الهواء مباشرة ونجوت من الموت بأعجوبة عدة مرات.

 في خريف ٢٠٠٨ دعَونا القسَّ “جيمس ووي” ورفيق دربه الإمام “محمد أشفة” إلى مؤتمر حوار الأديان الذي عُقد في فندق الرشيد في بغداد، وعلى هامش المؤتمر أعددت معهما حلقتين لقناة العراقية وفلماً وثائقياً تحدَّثا فيه عن نضالهما وعن فكرة حراسة الحريات والبحث بين كومة قشٍّ عن إنسانيتنا المُغيَّبة في رحلة تحدٍّ طويلة تكلَّلت في النهاية بالدعوة العظيمة للسلام والتعايش المشترك.

تحوُّلات الفكرة الانسانية مثَّلها القسُّ والإمام اللذان كانا يعيشان صراعاً طائفياً في نيجيريا تحوَّلت إلى سلام مطلق. شكَّل هذان المتضادَّان فكراً صورةً نادرة لحالة تعايش إنسانية بين إمام مسلم وقسٍّ مسيحي، وانطلاقاً من مبدأ التسامح والسلام.

تمكَّنا من إنشاء مركز للوساطة بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا وهو ما ساهم في إنهاء الكثير من النزاعات الطائفية. الغريب أنَّه لم يكن أحدهما يتصوَّر أنَّه سوف يشارك الآخر حياته بهذه الطريقة ويشعر نحوه بالحب والمودَّة، فقد كانا خلال الحرب الطائفية التي دارت رحاها في داكوتا بنيجيريا عام 1992 عضوين بارزين في ميليشيات مسلحة، لكن بعد فقدانهما أحبَّاء لهما وتعرُّضهما للإصابات تحوَّلت تلك الظروف إلى فرصة للتسامح والمصالحة بينهما.

هَمْسُ الحِوار: كيف تفاعل القسُّ والإمام مع بداية التَّقرُّب من بعضهما؟

عليّ الموسويّ: في البداية شكَّ القسُّ في نوايا الإمام لكن بعد سماعه خطبة أحد الأساقفة التي أشارت إلى قبول الآخر والتعايش معه في سلام راح يسعى للمصالحة معه. العبرة المستقاة من قصَّتهما أنَّ السلام والتعايش الإنساني يمكن تحقيقهما حتَّى في أصعب الظروف إذا كانت هناك إرادة حقيقية متبادلة للتغيير والتسامح. كانت هذه الخطوة محفِّزة لي لأكون ناشراً للمفاهيم الإنسانية النبيلة.

هَمْسُ الحِوار: كيف تصف لنا أهمِّيَّة الحوار؟

عليّ الموسويّ: الحوار ليس مجرد مناظرة أو مناقشة بل هو عملية تشاور متبادلة بين ممثِّلي التنوع الديني والثقافي هدفها السعي إلى تحويل العلاقات الإنسانية القائمة على الجهل والتعصب إلى علاقات يسودها الفهم والاحترام.

هَمْسُ الحِوار: كيف يمكننا التَّعامل مع التَّحدِّيات والصُّعوبات في الحياة بطريقة بنَّاءة، وكيف يمكن تحقيق السَّلام في المجتمع؟

عليّ الموسويّ: يجب علينا التعامل مع التحديات والصعوبات بصبر وإرادة قوية، فالصبر يساعد في التحمل وتجاوز العقبات والإرادة تمكِّننا من التصدي للصعوبات بشكل فعَّال، أما السلام فهو من أسماء الله وهو روح الديانات وغاية الرسالات السماوية. لذا، ينبغي علينا أن نسعى لإدخال الروحانية إلى قلوب الناس ونشر المحبة بينهم، فالمحبة رأس مال المجتمع وأساس العلاقات السوية بين أفراده.

هَمْسُ الحِوار: ما دور القادة في تعزيز الأخلاق في المجتمع وكيف تؤثِّر قراراتهم على الحياة الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة؟

عليّ الموسويّ: يتحمَّل القادة مسؤولية كبيرة في تعزيز الأخلاق في المجتمع إذ يكونون مثالاً يحتذي به الآخرون ومنظَّمين للمعايير السلوكية. يمكن لقادة المجتمع أن يلهموا الآخرين بتبنِّي قيم النزاهة والصدق والعدالة والإنسانية مما يقوي الروابط بين أفراد المجتمع. تأثير قرارات القادة على الحياة الاجتماعية والأخلاقية يكمن في قدرتها على تشكيل النسيج الأخلاقي للمجتمع، ويمكن أن تعزِّز تلك القرارات الأعراف والقيم المشتركة أو تضعفها. ومن خلال دعمهم القيم الإنسانية والتسامح والسلام يمكن للقادة تعزيز التماسك الاجتماعي والتعاون في سبيل الهدف المشترك للمجتمع.

هَمْسُ الحِوار: ما دور التَّربية والتَّعليم في تنمية المجتمع وتوجيه سلوكيَّاته وما أهمِّيَّة المدارس والجامعات في تعزيز ثقافة الحوار وكيف يمكن لها أن تسهم في تطوير مهارات الحوار؟

عليّ الموسويّ: التربية والتعليم يلعبان دورًا حيويًا في تنمية المجتمع وتوجيه سلوكياته عبر غرس القيم والعادات المرغوبة، والمدارس والجامعات منصَّة أساسية لتعزيز ثقافة الحوار من خلال توفير بيئة تعليمية تشجِّع على التفاعل البنَّاء بين الطلاب. تقديم الفرص للنقاش والحوار حول موضوعات متنوعة يعزز تفهُّم الطلاب للآراء المختلفة ويعمِّق احترامهم للتنوع، وبذا تسهم هذه المؤسسات في تطوير مهارات الحوار من خلال تعزيز التفكير النقدي وتعزيز التعاون والتفاهم بين الأفراد في المجتمع.

هَمْسُ الحِوار: هل تعتقد أنَّ للتَّكنولوجيا الحديثة دوراً مهمَّاً في نشر ثقافة الحوار بين الثَّقافات والأديان، وهل تعتقد أنَّ هناك تحدِّيات معيَّنة في استخدام التَّكنولوجيا لنشر ثقافة الحوار بين الثَّقافات؟

عليّ الموسويّ: بالتأكيد. التكنولوجيا الحديثة تمكّن الأفراد من التفاعل مع آخرين من مختلف الثقافات والمعتقدات بسهولة وفعالية، مما يسهم في بناء جسور التفاهم والتسامح بين الثقافات والأديان. ومع ذلك، هناك تحديات مثل مشكلة اللغة وفهم الثقافات الأخرى بشكل صحيح، فضلاً عن التحديات التقنية مثل انقطاع الإنترنت أو الوصول المحدود إلى التكنولوجيا في بعض المناطق. يمكن تجاوز هذه التحديات من خلال تبنِّي الحوار المستمر والاستفادة من الوسائل التكنولوجية بشكل إيجابي لتعزيز التفاهم والتعايش السلمي بين الثقافات والأديان.

هَمْسُ الحِوار: ما الدَّور الَّذي يلعبه الحوار في تعزيز التَّفهُّم بين الثَّقافات والحضارات، وما هي أهمِّيَّة الحوار في الوجود الاجتماعيّ الإنسانيّ؟

عليّ الموسويّ: الحوار بين الثقافات والحضارات عنصر حيوي في بناء مجتمعات متكاملة وسالمة، يساهم في فتح قنوات التواصل والتفاهم بين الأفراد والمجموعات المختلفة ويعزِّز التفاهم المتبادل ويقلِّل من التحيز والتمييز، فيقود إلى تحقيق السلام الاجتماعي والتعايش السلمي بين الشعوب. ويمكن أن يكون الحوار آلية لحل الصراعات وتجاوز الاختلافات الثقافية والفكرية.

أمَّا في الوجود الاجتماعي الإنساني فإنَّ الحوار يمثِّل أداة أساسية للتفاعل الإيجابي بين الأفراد والمجتمعات. من خلال الحوار، يتم تبادل الآراء والخبرات والمعرفة، مما يعزز الاندماج الاجتماعي والانفتاح على الآخر. ويمكن للحوار أن يسهم في تخفيف التوترات وحل النزاعات الشخصية والاجتماعية.

هَمْسُ الحِوار: كلمتك الأخيرة؟

الحوار أساس الفهم والتعاون بين الشعوب والثقافات، وهو السبيل الوحيد لتحقيق التسامح وبناء علاقات مستدامة وسلمية. فالحوار من أجل السلام مطلب إنساني وحيوي في عالمنا الحاضر وأوقاتنا الصعبة والمؤلمة التي تمر بها شعوبنا ومنطقتنا. فمن منا لا يحب السلام والأمان والاطمئنان؟ إنَّ الذي لا يحبُّ السلام هو عدو نفسه وعدو الآخرين.

منذ بدء البشرية، دعانا المصلحون والمحبون والعقلاء إلى المحبة، وإلى الحوار، وإلى السلام، وإلى الكرامة. فالحياة لا تعمر والأوطان لا تبنى والحياة لا تزدهر إلا بتوفر السلام، والإخاء، والطمأنينة، والأمان. أينما يوجد الحب، يوجد السلام. هدفنا هو نشر السلام الحقيقي بين شعوب العالم.

وهذا ما تتمناه هَمْسُ الحِوار لك وللبشرية جمعاء وإلى السلام. 

Exit mobile version