أبو العتاهية: هو أبو إسحق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، من شعراء العصر العبَّاسيِّ. وُلِد ونشأ قرب الكوفة، وسكن بغداد وتوفِّي فيها. كان يتكسَّب من بيع الجرار ثم اتَّصل بالخلفاء ومدحهم وصار من المقرَّبين، ثمَّ مال إلى العزلة وسلك مسلك الزَّاهدين.
له شعر كثير في الزُّهد ووصف تقلُّب الدَّهر والدَّار الخوَّانة وفي الوعظ والتَّذكير بالمنيَّة، وشعره كما وصفه الأصمعيُّ يقع فيه الجوهر والذَّهب والتُّراب والخزف والنَّوى.
اشتُهرت له في الحكمة “الأرجوزة ذات الأمثال” الَّتي قيل إنَّه جاء فيها بأربعة آلاف مَثَل، ولعلَّ هذا من باب المبالغة، فما وصلنا منها لم يزد على ثلاثمائة وعشرين بيتاً، منها ما نُسب لغيره من الشُّعراء كالبيتين اللَّذين نُسِبا للخليل بن أحمد:
|
ما أَكثَرَ القوتَ لِمَن يموتُ |
حَسْبُكَ مِمَّا تَبتَغيهِ القُوتُ |
وأكثر ما يُردِّده النَّاس من شعره ويتغنَّون به، وهو من الوافر:
|
فلم يُغنِ البكاءُ ولا النَّحيبُ |
بَكَيتُ على الشَّبابِ بدمعِ عَيني |
وله من البسيط:
|
النـُّورُ يجلـو لونَ ظَلمائِهِ |
يا طالبَ الحكمةِ مِن أهلِها |
وله من البسيط أيضاً:
|
والـدَّهرُ فيـه وفـي تصـريفِهِ عَجَـبُ |
لِكُـلِّ أَمـرٍ جَرى فيـهِ القَضـا سَبَبُ |
ومن جيِّد شعره من المنسرح:
مـا استَعبَدَ الحِرصُ مَن لهُ أَدَبُ لِلمَـرءِ فـي الحِـرصِ هِمَّـةٌ عَجَبُ
لِلَّهِ عَقـلُ الحريـصِ كيـفَ لـهُ فــي كُــلِّ مـا لا ينـالُهُ أَرَبُ
مـا زالَ حِرصُ الحريـصِ يُطمِعُهُ فـي دَركِـهِ الشَّيءَ دونَهُ العَطَبُ
مـا طـابَ عَيشُ الحَريصُ قَطُّ ولا فـارَقَهُ التَّعـسُ مِنـهُ والنَّصـَبُ
البَغـيُ والحِـرصُ والهَـوى فِتَنٌ لـم يَنـجُ مِنهـا عجـمٌ ولا عَرَبُ
ليـسَ علـى المرءِ في قناعتِهِ إنْ هـي صــَحَّت أذىً ولا نَصــَبُ
مَـن لم يَكُن بالكَفافِ مُقتنِعاً لـم تَكفِـهِ الأَرضُ كُلُّهـا ذَهَـبُ
مَـن أَمكنَ الشَّكَّ مِـن عَزيمَتِهِ لَـم يَـزَلِ الـرَّأيُ مِنـهُ يَضطَرِبُ
مَـن عَـرَفَ الدَّهرَ لم يَزَل حَذِراً يَحـــذَرُ شـــِدّاتِهِ ويَرتَقِـــبُ
مَـن لَـزِمَ الحِقدَ لَم يَزَل كَمِداً تُغرِقُــهُ فـي بُحورِهـا الكُـرَبُ
المَـــرءُ مُســتَأنِسٌ بمنزِلَـةٍ تَقتُـــلُ ســـُكَّانَها وتَســتلِبُ
والمَــرءُ فـي لهـوِهِ وبـاطلِهِ والمـوتُ فـي كُـلِّ ذاك مُقتَـرِبُ
يـا خـائفَ المـوتِ زالَ عنكَ صِباً والعُجْـبُ واللَّهوُ مِنـكَ واللَّعبُ
دارُكَ تَنعــى إلَيــكَ سـاكِنَها قَصــرُكَ تُبلـي جَديـدَهُ الحِقَـبُ
يـا جامعَ المالِ منذُ كانَ، غَداً يـأتي علـى مـا جمَعتَهُ الحَرَبُ
إيَّاكَ أَنْ تَـأمنَ الزَّمـانَ فما زالَ علينــا الزَّمـانُ يَنقلـبُ
إيَّاكَ والظُّلــمَ إنَّــهُ ظُلَـمٌ إيّــاكَ والظَّــنَّ إنَّــهُ كَــذِبٌ
بَينـا تَـرى القَومَ في مَحَلَّتِهِم إذ قيلَ بادوا وقيل قَدْ ذَهَبوا
إنّـي رأيـتُ الشـَّريفَ مُعتَرِفـاً مُصــطَبِراً للحُقــوقِ إذ تَجِــبُ
وقد عَرَفـتُ اللِّئامَ ليـسَ لهم عَهـــدٌ ولا خِلَّـــةٌ ولا حَسَــبُ
اِحــذَرْ عليــكَ اللِّئامَ إنَّهـمُ ليـسَ يُبـالونَ مِنـكَ ما رَكِبوا
فَنِصـفُ خُلـقِ اللِّئامِ مُذ خُلِقوا ذلٌّ ذَليـــلٌ ونِصـــفُهُ شـــَغَبُ
فِـرَّ مـن اللُّـؤمِ واللِّئامِ ولا تَــدنُ منهـم فـإنَّهُم جَــرَبُ

