من الهندسة إلى كتابة القصَّة والتَّأريخ والفلسفة والدِّين والسِّياسة والطِّبّ البديل
العائلة الَّتي تتنوَّع اهتمامات أفرادها وتلتقي في مساحة مشتركة من التَّعاون والتَّحفيز المتبادل تشكِّل نموذجاً مثاليَّاً لبيئة تمنح أفرادها القوَّة وتفتح أمامهم آفاقاً للتَّمكين لينموَ الإبداع بشكل طبيعيٍّ ويصبحَ أسلوب حياة.
ضيفنا الَّذي تعدَّدت اهتماماته ومجالات بحثه وعطائه يقول إنَّ البذرة الأولى لفضوله المعرفيّ نمت في عائلةٍ يعزو إليها قوَّةَ غرسِه وتنوُّعَ ثمار نتاجه.
سعد عبد القادر ماهر، مرحباً بك في فضاء همس الحوار.
كيف جمعت بين الهندسة والكتابة الإبداعيَّة ؟
مرحباً بكم.
أردُّ ذلك إلى نشأتي في كنف عائلة كبيرة جمعت بين العلم والأدب وتميَّز أفرادها بتنوُّع اهتماماتهم وتخصُّصاتهم، فمنهم المهندس والطبيب ومنهم الشاعر والأديب. تأثَّرتُ بهذا التَّنوُّع الغنيّ فجمعتُ بين الاهتمامات العلمية والميول الأدبية منذ صغري. وجدت القدوة ولقيت تشجيعاً ودعماً من عائلتي. وما زالت عائلتي مصدر قوَّة ودعم لي.
برز اهتمامي بالأدب في وقت مبكِّر؛ فقد كنتُ دائماً من الطلاب الذين يحصدون أعلى الدرجات في كتابة الإنشاء خلال المرحلتين المتوسِّطة والثانوية. وفي الوقت ذاته كنتُ أتميُّز في مجال الأعمال العلمية. على سبيل المثال، خلال مراحل الدراسة صنعتُ العديد من الابتكارات، ففي المرحلة الابتدائية قمتُ بصنع تلفزيون من الخشب والزجاج وشاركت به في معرض المدرسة، وفي المرحلة المتوسِّطة صنعتُ عارضة سينمائية، وفي المرحلة الثانوية أعددتُ عارضة للصور. في الصف الخامس الثانوي ابتكرتُ جهازاً لفحص مستوى السُّكَّر في الدَّم.
ومنذ طفولتي كان للتلفزيون والسينما تأثير كبير في تشكيل اهتماماتي. كنتُ وأنا طفل صغير لا يتجاوز عمري العاشرة أبتكر أفكاراً أثناء لعبنا الطفولي كلعبة “الشرطة والحرامية” مع أصدقائي فأقوم بدور المخرج الفني للعبة دونما حاجة إلى تدوين الأفكار. وعزَّز هذا حسَّ التَّخيُّل والإبداع لديّ.
وماذا عن الكتابة الأدبيَّة؟
بدأت رحلتي في الكتابة مبكِّراً. كنتُ أهوى كتابة الروايات والقصص وكتبتُ أوَّل قصة قصيرة في الصف الأول المتوسِّط وكتبت رواية وأنا في الصف الثالث المتوسِّط، لكن لم أعد أحتفظ بها لكن ما زلتُ أحتفظ بمجموعة من القصص القصيرة كتبتها خلال المرحلتين المتوسطة والثانوية. واصلتُ الكتابة أثناء دراستي الجامعية وبعد التخرج وخلال مسيرتي المهنية. ومازلتُ أحتفظ برواية “نصر وتضحيات” التي كتبتها خلال الحرب العراقية الإيرانية شاهداً على تلك المرحلة المهمَّة من حياتي.
يبدو أنَّ المزج بين العلم والأدب منحك شخصيَّةً متعدِّدة الأبعاد قادرةً على الإبداع وتوظيف الخيال إلى جانب الابتكار العلميّ. لكنَّك لم تتخصَّص في الأدب بل أدرت وجهك صَوبَ الهندسة.
كانت رغبتي منذ الصغر أن أصبح مهندساً كهربائياً ولم يكن الطريق سهلاً لكنَّ شغفي بالهندسة الكهربائية دفعني للاستمرار والتفوق حتَّى تكلَّلت جهودي بنيل شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية من الجامعة التكنولوجية في بغداد،.وكانت تلك أوَّل خطوة في طريق رحلتي المهنية والعلمية.
وما الخطوة الَّتي مشت بك إلى الطِّبِّ البديل فكتبت فيه وهو لا يندرج تحت مسمَّى الأدب ولا الهندسة؟
اهتمامي بالطب البديل جاء مدفوعاً بأسباب شخصية تتعلَّق بصحتي العامة. معاناتي من اعتلال مبكِّر في شرايين القلب وانسدادها دفعتني للبحث المكثَّف عن الكوليسترول؛ أسباب ارتفاعه وطرق علاجه. واكتسبت معرفة نظريَّة جيدة في مجال الطب البديل فرغبت في الكتابة عن هذا الموضوع وشاركت الآخرين ما تعلَّمته في كتاب من ثلاثة أجزاء أسميته “عناية صحِّيَّة”.
وصفت كتابك “تراتيل على شاطئ البحر” بأنَّه قصَّة العراق. ما التَّراتيل، وعلى أيِّ بحر رتَّلتها؟
في هذا الكتاب محاولة لفهم الجذور العميقة للأزمات الوطنية وتقديم رؤية تحليلية تسلِّط الضوء على تاريخ العراق بتفاصيله المعقَّدة.
كان احتلال العراق عام 2003 حدثاً مؤلماً وشاقَّاً على كلِّ عربي يشعر بالانتماء العروبي. بدأت خلال أيام الحرب، التي استمرت واحداً وعشرين يوماً، بتسجيل يومياتها. كنت أبحث عن إجابات مقنعة عن الأسئلة التي أثيرت في ذهني حول أسباب الهزيمة السريعة للجيش العراقي، فشرعت في جمع وتحليل كمٍّ هائل من المعلومات ثمَّ التَّحقُّق من مصداقيتها واستبعاد ما هو غير محايد. ثمَّ قادني ذلك إلى استقصاء الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 وما تلاه من أحداث. درست الأنظمة المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية في 1921 حتَّى عام 2017، والمؤامرات التي واجهها العراق الحديث منذ سنة 1900 والتي دفعت به إلى المواجهة مع الخصوم والأعداء في حروب كانت نتائجها ثمناً غالياً دفعه الشعب العراقي من أرواحه أو ممتلكاته أو ثرواته. هذا الجهد البحثي قادني إلى تأليف كتابي “تراتيل على شاطئ البحر” الذي صدر في ثلاثة أجزاء متناولاً فيه قرناً من تاريخ العراق (1917-2017).
وشاطئ البحر؟
في “معجم البلدان” لياقوت الحموي ما يشير إلى أنَّ اسم العراق مشتقٌّ من قربه من البحر بلغة أهل الحجاز. نقرأ عند الحمويّ:
قال أبو القاسم الزّجاجي: قال ابن الأعرابيّ سُمِّي عراقاً لأنَّه سفل عن نجد ودنا من البحر.
وقال قُطْرب: إنَّما سُمِّي العراق عراقاً لأنَّه دنا من البحر وفيه سباخ وشجر.
وقال الخليل: العراق شاطئ البحر، وسُمِّي العراق عراقاً لأنَّه على شاطئ دجلة والفرات مُدّا حتَّى يتَّصل بالبحر على طوله.
وقال أبو عمرو سُمِّيتِ العراق عراقاً لقربها من البحر، قال: وأهل الحجاز يسمُّون ما كان قريباً من البحر عراقاً.
وهل جاء كتاب “سِفْر الأبطال” امتداداً لتراتيلك على شاطىء البحر؟
قد يصحُّ هذا القول لأنَّ في السِّفْر توثيقاً لتاريخ العراق الحديث وغوصاً في تفاصيله لكن ثمَّة فرق جوهري بينهما، “فتراتيل على شاطئ البحر” تناول تاريخ العراق عبر قرن من الزمن متتبِّعاً الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أثَّرت على البلد، أمَّا “سفر الأبطال” فاعتنى بالشخصيات الوطنية التي أدَّت أدواراً محورية في بناء العراق والدفاع عنه، سواء كانوا قادة عسكريين أو شخصيات ثقافية وفكرية.
اخترت أن يكون “سفر الأبطال” مرحلة جديدة تستكمل المشروع التوثيقي، ولكن من زاوية مختلفة تسلِّط الضوء على الأفراد الذين كانوا في قلب الأحداث. هو تكريم لهؤلاء الأبطال الذين شكَّلوا التاريخ ودرس للأجيال القادمة في معاني التضحية والوطنية.
“العراق والكويت نزاعٌ غير مشروع” هذا موضوع شائك، لِمَ خُضتَ فيه؟
دون أن أخوض في السياسة أقول: إنَّها إشكالية الأصل وعقدة الانتماء.
القضية العراقية الكويتية باتت كابوساً لا يصحو منه لا العراقيون ولا الكويتيون، وستظل كذلك ما دامت السياسات في البلدين لم ترتقِ إلى ما يتطلَّع له شعبا البلدين لإنهاء الخلافات. ولأنِّي نشأت في كنف عائلة عربية الانتماء والهوى تتمسَّك بجذورها العربيَّة كان هاجسي أن أساهم، ولو بشكل متواضع، في إصلاح الشروخ العظيمة التي نالت من البيت العربي الواحد لا سيَّما أنَّنا في زمن تداعى فيه مفهوم القومية العربية والوحدة العربية.
إذن، تمسُّكك بجذورك العربيَّة هو ما دفعك لتأليف “فرسان الفتوحات الإسلاميَّة”.
ما في ذلك شكٌّ. كان غرضي من تأليف كتاب “فرسان الفتوحات الإسلاميَّة” تسليط الضوء على واحدة من أعظم صفحات التاريخ الإسلامي والعربي حين شهد العالم فتحاً لم يُعرَف له مثيل من حيثُ السعة والسرعة: الفتح الإسلامي. هذا الفتح الذي لم يكن توسُّعاً جغرافياً وحسب، بل كان نقطة تحوَّل كبرى في تاريخ البشرَّية، إذ نقلها من ظلام الجهل والظلم إلى نور العلم والحضارة.
لقد كان من ثماره أن أصبحت البلاد المفتوحة منارات للعلم وخرج منها علماء عظام تركوا بصمات خالدة في العقل البشري. أسماء مثل البخاري، الطبري، الخوارزمي، الرازي، وغيرهم ما تزال أضواؤها تشعُّ في سماء العلم والمعرفة. وعلى صعيد الحضارة والعمران كان للفتح الإسلامي الدور الأبرز في نشر الحضارة وتوطيد العمران. المدن الكبرى التي أنشأها العرب المسلمون كدمشق، بغداد، سامرَّاء، القاهرة، ومدن الأندلس، أصبحت أعاجيب في فنِّ العمران، وتركوا إرثاً معمارياً ما يزال محطَّ إعجاب العالم حتَّى يومنا هذا كقصر الحمراء في إسبانيا الذي يدرُّ عوائد مالية حتَّى الآن لحكومة إسبانيا.
أردتُ أن يكون الكتاب مصدر إلهام يعزِّز شعور الفخر والانتماء لدى المسلمين ويذكِّرهم بعظمة أجدادهم الذين أسَّسوا حضارة شامخة ما تزال آثارها شاهدة على عظمتهم.
من مؤلَّفاتك الأخرى ثلاثة كتب في السِّياسة كان لأحدها، كتاب “قارون”، صدى واسع وتحدَّثت عنه بعض الفضائيات. ومن متاهات السِّياسة في بلادنا انتقلت إلى متاهات الدِّين فكتبت عن العقول المغيَّبة. هل من ربط بين الموضوعين؟
كتابي “عقول مغيَّبة” تناول واحداً من أكثر المواضيع تعقيداً وإثارة للجدل، ألا وهو تأثير سيطرة الدين على عقول العامَّة واستغلال هذا التأثير لتغييب الحقائق وتضليل الشعوب.
في هذا الكتاب حاولت الربط بين القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، خذي مثلاً الطائفية والديمقراطية، ربطاً يوضح المؤامرات التي تعرَّض لها العراق منذ أكثر من نصف قرن كجزء من مخطَّط متكامل يهدف إلى إبقاء البلاد في حالة من الفوضى والضعف. يكشف الكتاب أيضاً عن غياب دور الدولة في توعية أبنائها بثروات البلاد الطبيعية ممَّا أدى إلى جعل هذه الثروات لقمة سائغة في أيدي الشركات العالمية الاحتكارية.
كتبت في قضايا دينيَّة وعرَّجت على الفلسفة في بعض مؤلَّفاتك. هل نستطيع القول إنَّ توجُّهك هذا انعطافة فكريَّة في شخصيَّتك؟
لا، ليس الأمر كذلك. فالكتابة والأدب بطبيعتهما لا يعرفان حدوداً ثابتة ولا محاور جامدة. أعتقد أنَّ ما يقدِّمه الكاتب غالباً ما يكون نتاجاً لإرهاصات معينة يعيشها المجتمع تنعكس على الكاتب بشكل عميق فيختبرها بجوارحه وأفكاره قبل أن يعبِّر عنها بالكلمات.
الكتابة في الفلسفة والدين لم تكن تحوُّلاً مفاجئاً بل امتداداً طبيعياً للتفاعل مع القضايا الكبرى التي يواجهها الناس. هي محاولة لفهم العالم ومشاركته الأفكار التي قد تسهم في تقديم رؤية أعمق للمشكلات والتحديات التي تعصف بالمجتمع. فالكاتب لا يعيش في عزلة عن محيطه، بل يعبر عن روح عصره سواء كان هذا من خلال رواية أو كتاب فلسفي أو تأملات دينية. والتنقل بين هذه المجالات ليس انعطافاً بقدر ما هو استجابة حتمية لواقع متغيِّر واستمرار للسعي نحو الفهم والإجابة عن الأسئلة التي تفرضها الحياة والمجتمع على المفكِّر أو الكاتب.
هل بقيت عندك مساحة لاختصاصك الهندسيّ؟
نعم، أصدرت ستَّة كتب في اختصاصي العلمي الهندسي وفي مجال عملي المهني المرتبط بالنفط جميعها باللغة الإنجليزية وركَّزت على موضوعات تقنية وعلمية دقيقة تلامس احتياجات المتخصصين في هذا المجال. ما يميز هذه الكتب أنَّها لم تكن مجرَّد مواد علمية جافَّة، بل قدَّمت أفكاراً ومفاهيم هندسية بشكل منهجي وعميق مع الحرص على توفير حلول عملية وتطبيقات واقعية تلائم التحديات التي يواجهها العاملون في هذا القطاع. هذه الإصدارات لاقى بعضها اهتماماً كبيراً من المختصِّين والباحثين حول العالم وأشادوا بالمحتوى العلمي المتميز وأسلوب الطرح الواضح الذي يسهم في تعزيز الفهم وتطوير الأداء في المجالات الهندسية والنفطية.
وأيُّ أعمالك هذه الأقربُ إلى قلبك؟
عملي الأقرب إلى قلبي سيرى النور في المستقبل القريب بإذن الله. لقد انتهيت مؤخَّراً من تحرير مذكِّرات والدي -رحمه الله- المقدَّم عبد القادر ماهر الكنعانيّ وأنا بصدد نشرها في كتاب يحمل عنوان “مذكِّرات ضابط شرطة” يقع في أكثر من ثلاثمائة صفحة من القطع الكبير. يتناول الكتاب مسيرة والدي المهنية وتجربته الغنية في عمله في جهاز الشرطة إلى جانب رؤاه الشخصية حول الأحداث التي عاشها خلال تلك الفترة. أرى هذا العمل توثيقاً لجزء مهمٍّ من تاريخ المجتمع العراقيّ إذ تنعكس في هذه المذكِّرات القيم والضغوط التي عاشها رجال الشرطة في أوقات عصيبة.
إذن، البذرة الأولى كانت من العائلة وإليها سيعود قطافك القادم.
لك تمنِّياتنا الصَّادقة باستمرار العطاء وتميُّزه.

