محمَّد الهرَّاويّ (١٨٨٥–١٩٣٩) شاعرٌ مصريٌّ وُلد في مصر وتنقَّل بين مصر وسورية ولبنان وفلسطين. نشط في الحياة الثَّقافيَّة وأدار النَّدوات في دار الكتب المصريَّة، وجعلها ملتقى للأدباء والشُّعراء، حتَّى صارت تُعرَف بدار الهرَّاويّ. وكان صاحبَ فكرةِ إقامة مهرجانٍ سنويٍّ للشِّعر في مصرَ باسمِ (سوق عكاظ). وهو من روَّادِ أدب الأطفال في العالم العربيِّ، إذ وجَّهَ أكثرَ شعرِه للصِّغار، وهدفَ فيه إلى التَّسلية والتَّعليم وتنمية الوعي القوميِّ والدِّينيِّ. في عام ١٩٢٠ فاز بالمركز الثَّاني في مسابقة النَّشيد القوميِّ المصريِّ بعد أحمد شوقي. ولمَّا بُويع شوقي عام ١٩٢٧ أميراً للشُّعراء امتنع الهرَّاويُّ عن مبايعته، إذ كان يرى أنَّ لكلِّ شاعرٍ أسلوبَه الخاصَّ الَّذي يميِّزهُ.
كرَّمه أدباءُ لبنانَ عام ١٩٣٣ تقديراً لعطائه الأدبيِّ. وفي مصرَ نظَّم المركزُ القوميُّ لثقافة الطِّفل مهرجاناً بمناسبةِ مرورِ مائةِ عامٍ على ميلادهِ.
نظَمَ الهرَّاويُّ قصيدةَ “بينَ جَدٍّ وحفيدتِه” من قصَّةٍ وقعتْ لفيكتور هوجو، الأديبِ الفرنسيِّ، صاغها الهرَّاويُّ على لسانِ هوجو الجَدِّ بتصرُّفٍ كبير.
قالَ الجَدُّ:
ذهبْتُ إلى ابْنتي في ذاتِ يومٍ أُريدُ أزورُها بَعْدَ الغيابِ
وكانَ لها بُنَيَّاتٌ حِسانٌ وكُلُّ بُنَيَّةٍ مِثْلُ الشِّهابِ
يَكَدْنَ إِذا لمَسْنَ مَشيبَ رأسي يُعِدْنَ إليَّ أيَّامَ الشَّبابِ
شَرَيتُ لهُنَّ مِن تُحَفِ الهدايا ورُحْتُ لهُنَّ مملوءَ الوِطابِ
جَعلْتُ لكلِّ واحدةٍ نَصيباً و وَزَّعْتُ الهدايا بالحسابِ
وثُمَّ رأيتُ صُغراهنَّ هِنداً مُعاقَبةً على ضَرْبِ الكِلابِ
وكانَ عِقابُها خُبْزاً قَفاراً وحَبْساً في مكانٍ خَلْفَ بابِ
سمِعْتُ بُكاءها فكأنَّ هِنْداً تُفيضُ الدَّمْعَ منْ قلبي المُذابِ
هنالِكَ لَمْ أَكُنْ لأطيقَ صَبْراً بأنْ تبقى على مُرِّ العذابِ
فقمْتُ وقَدْ خبَأتُ وعاءَ حَلوَى أُقَدِّمُهُ لها تَحْتَ الثِّيابِ
ولكنْ أُمُّها كَشفتْ صَنيعي فَجازتْني علَيهِ بالعِتابِ
وقالتْ: أنتَ يا أبتي عجيبٌ وما عهدي بِمثْلِكَ أنْ يُحابي
أتمرحُ يا أبي والأمْرُ جِدٌّ فأنتَ إذنْ خَليقٌ بالعقابِ
عليكَ الآنَ حَقَّ عِقابُ هِنْدٍ لأنَّكَ قَدْ بَعُدتَ عَنِ الصَّوابِ
فَقُم في الحَبسِ أنتَ و كُلْهُ خبزاً بلا حلوى عَليهِ و لا شرابِ
فقلتُ: أقومُ أستوفي جزائي على فعلِ المروءةِ والثَّوابِ
ولمَّا أنْ حَلَلْتُ مَحَلَّ هِنْدٍ بَلَلْتُ العَيْنَ بالدَّمعِ الكِذَابِ
وصِرْتُ إذا بصُرْتُ بها أمامي أُطيلُ مِنَ العويل والانتحابِ
أمدُّ يدي أُريها الخُبْزَ فِيها و أُطْعِمُهُ فَمي طَعْمَ اغْتصابِ
فَجاءتْ عِندَ ذاكَ إليَّ هِندٌ وصحْنُ طعامِها تَحْتَ الكِتابِ
وقالتْ: خُذْهُ يا جَدِّي فكُلْهُ ولا تَظْهَرْ بهِ بَيْنَ الصِّحابِ
ولكنَّ الرَّقيبَ لهُ عُيونٌ تَكادُ تَرى الَّذي خَلْفَ الحِجابِ
فجاءتْ أمُّها غَضْبى عَلينا تُشَدِّدُ في السُّؤالِ وفي الجوابِ
ولكنْ ضحكةٌ منِّي ومنها أحالتْنا إلى هَزْلِ الخِطابِ
وكانتْ فُرْصةً للعفوِ عنِّي وعَنْ هِنْدٍ على شَرْطِ المَتابِ

