الصورة لوادي عبقر في اليمن
علي محمد عبد المنعم
افتتاحية
تمثل رحلة الإنسان من جن عبقر إلى أحدث جن اكتشفه وهو الذكاء الاصطناعي، رحلة البحث عن الذات التي تعني في المقام الأول البحث عن قدرات يستند عليها الإنسان وتحقق له السيطرة والتمكين في هذا العالم. في هذا البحث نفتح ملف هذه الرحلة الإنسانية، حيث سنلقي الضوء على مراحل القوة المختلفة التي وصل إليها الإنسان في عهود متلاحقة حققت له مزيدا من السيطرة والتحكم في مجريات الحياة، حيث تمثل هذه العهود سلسلة الارتقاء الإنساني الذي تحقق من عصر إلى عصر، حتى وصل أخيرا إلى عصر الذكاء الاصطناعي، الذي قد يكون محطة عابرة في رحلة البحث عن مزيد من القدرات، وقد يكون المحطة الأخيرة التي تمثل منتهى القدرات التي يمكن ان يصل الإنسان إليها، وﻻ ارتقاء لقدراته بعدها.
منذ أن هبط الإنسان على الأرض وهو يعاني من فجوة كبيرة بين قدراته المحدودة، وطموحاته الغير محدودة، فسعى سعيا حثيثا ليزيد قدراته ويقلل الفجوة بينها وبين طموحاته، بتحقيق ما يستطيع من طموحاته في هذه الحياة.
في البدايات، لم يكن الإنسان قادرا بنفسه على سد هذه الفجوة الكبيرة بين محدودية قدراته ولا نهائية طموحاته، وشعر بالعجز عن تحقيق ولو جزء ضئيل مما يحلم به ويطمح إليه، ولم يكن الإنسان قادرا على سدها بوسائل يستطيع التحكم فيها، ولهذا لجأ إلى قوى غيبية خارج نطاق ذاته، يعبدها ويتقرب إليها ،ويقيم لها الطقوس، ويتلو لها الطلاسم، ويهب لها القرابين، طالبا منها تحقيق ما يعجز عنه، فقد لجأ إلى الآلهة والجن والشياطين والأرواح، حيث اعتقد أنها القوى القادرة على تحقيق طموحاته التي تعجز عنها قدراته، لجأ إليها طالبا منها القوة والحماية والشفاء والمعرفة والتنبؤ والسيطرة على المجهول والنصر على الأعداء و…
بالطبع لا يوجد دليل علمي موثوق يمكن الاعتماد عليه يثبت أن الإنسان اكتسب بالفعل قدرات خارقة من الجن أو الأرواح أو الشياطين أو الآلهة نتيجة اللجوء إليها ( هذا على وجه العموم، لأن هناك مرويات دينية وتراثية وثقافية عن أشخاص استطاعوا الاستعانة بهذه القدرات الخارقة ونالوها، وهؤلاء يمثلون استثناء في التاريخ البشري وهذا الاستثناء ﻻ يمكن البناء عليه).
دارت عجلة الزمن وبدأ الإنسان يبحث عن قوى ذاتية تزيد من قدراته ويستطيع أن يتحكم فيها، ويسيطر عليها، لأن القوى الغيبية مهما قدم لها القرابين وأقام لها الطقوس وتلا لها الطلاسم فهي تظل خارج سيطرته، وقد تعطيه إذا رضيت عنه، وقد تحرمه وتعاقبه إذا غضبت عليه (هذا طبقا لمعتقدات الإنسان وقتها). نظرا لعدم ضمان استجابة القوى الغيبية لمطالب الإنسان، لم تدم استعانة الإنسان بالقوى الغيبية التي ذكرناها، حيث لم يقتنع أنها أمدته بما يريده منها رغم ما قدم لها من فروض الوﻻء والطاعة، إضافة إلى حدوث تحول كبير في وسائل الإنسان العملية أدت إلى زيادة قدراته الذاتية التي أغنته عن هذه القوى الغيبية خلال رحلته على كوكب الأرض.
وهكذا بدأ الإنسان رحلة الحياة على الأرض يشعر بضعفه ومحدودية قدراته فاستعان بالقوى الخارقة المُتخيلة لتمده بما يرأب ضعفه، وانتهت هذه الرحلة بصناعة الإنسان الأدوات التي ضاعفت قدراته من عصر إلى عصر، حتى وصل إلى الذكاء الاصطناعي .
والآن سنبدأ في استعراض هذه الرحلة الإنسانية، مع التركيز على طرفي هذه الرحلة التي بدأت من جن عبقر، حتى وصلت إلى أحدث أنواع الجن ( الذكاء الاصطناعي)، وسيكون تركيزنا الأكبر منصبا بالطبع عليه حيث أنه موضوع الساعة، ومع ذلك لن نغفل جن عبقر في المسيرة الإنسانية، وسنعطيه حقه في إطار هذه الرحلة.
بداية الرحلة: جن عبقر
أصل الحكاية:
أصل حكاية جنّ عبقر في التراث العربي، مرتبطة بمكان أسطوري اسمه عَبْقَر، وليس بشخصية واحدة محددة اسمها عبقر، فقد كان العرب القدماء يعتقدون أن وادي عبقر موطنٌ للجن، والجن في نظرهم له قدرات خارقة ذاتية، كما أنه يستطيع أن يمد الآخرين بها، وأن الشعراء الموهوبين يقومون بالاتصال بجنٍّ هذا المكان، فيلهمهم الشعر ( وكأن الشعر من قدرات الجن الخارقة). ومن هنا ظهرت فكرة شيطان الشاعر أو القرين الذي يُنسب إليه إلهام الشاعر، خاصة الشاعر المتميز الذي يسحر الألباب بشعره.
تذكر كتب التراث أخبارًا تزعم أن لكل شاعرٍ شيطانًا أو تابعًا من الجن يعينه على قول الشعر. ومن أشهر من ارتبط بهذه الفكرة:
الأعشى: واسم شيطانه مِسحل السكران بن جندل.
امرؤ القيس: واسم شيطانه لَافِظ في بعض الروايات.
النابغة الذبياني: واسم شيطانه هاذِر بن ماهر.
عبيد بن الأبرص: واسم شيطانه هَبيد بن الصلادم
عنترة بن شداد: واسم شيطانه جالد بن ظَلّ
لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه الأخبار تراثية وأدبية، وليست حقائق تاريخية مثبتة عن وجود جن الشعراء؛ وكثير منها جاء في كتب الأدب والأخبار بصيغ تختلف من مصدر إلى آخر، مما يعني أن خيال الكاتب جزء من الرواية.
معنى لفظ عبقري
كلمة عبقري في الاستعمال العربي الحديث تعني: الشخص شديد الذكاء أو الموهبة والإبداع. ويرتبط أصلها بـ عَبْقَر، الموضع الأسطوري الذي نُسب إلى الجن في الموروث العربي. ثم اتسع استعمال الكلمة، فأصبح لفظ عبقري وصفًا للإنسان المتميز في عقله أو موهبته، حتى انفصل معناها الحديث تقريبًا عن حكاية الجن.
وقد ورد لفظ عبقري في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ الرحمن: 76
وهنا جاء اللفظ يقدم وصفًا لنوع من البسط أو الفرش النفيسة، وليس بمعنى العبقري المتفوق عقليًا كما هو الحال في الاستعمال الحديث.
هل احتاج الإنسان إلى الجن لزيادة قدراته؟
أو بصيغة أخرى هل يحتاج الإنسان إلى الجن لكي يتجاوز قدراته الطبيعية؟ يمكن تناول الإجابة من ثلاثة مستويات مختلفة:
1-من المنظور العلمي
لا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت أن الإنسان يستطيع الاستعانة بالجن لزيادة الذكاء أو الذاكرة أو الإبداع أو القوة البدنية. ولذلك لا يمكن اعتبار الاستعانة بالجن وسيلة مثبتة علميًا لتطوير القدرات الإنسانية.
علميًا نجد أن قدرات الإنسان يمكن تحسينها من خلال التعلم، التدريب، النوم، التغذية، الرياضة، الممارسة، وتنمية المهارات العقلية والاجتماعية، والحركية و…
2 -من المنظور الديني والتراثي
في التصور الإسلامي، وجود الجن مذكور في القرآن الكريم، مما يعني أنه موجود كحقيقة، ولكن الإنسان لا يدرك حقيقة وجود الجن ولا كيف يتواصل معه، وإن كان هناك من يدعون القدرة على تسخير الجن، ولكن بصفة عامة يتم النظر إليهم كمشعوذين يتجنبهم الناس بصفة عامة ولا يختلطون بهم.
رغم اعتراف القرآن الكريم بوجود الجن إلا أنه لم يذكر أن الإنسان مأمور أو محتاج إلى التواصل معه بأي شكل من الأشكال، لتحقيق أي نفع منه أو الاستعانة به لزيادة قدراته. بل إن القرآن الكريم يحذرمن الاستعانة بالجن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ الجن: 6
أما قصة سليمان عليه السلام، فهي حالة استثنائية مرتبطة بما خصّه الله به من قدرة فريدة لم تتكرر لأحد من الخلق، وليست نموذجًا عامًا يمكن للإنسان أن يقتدي به للحصول على قدرات خارقة.
نحب أن نشير أننا وجدنا خلال عملنا في موضوع هذا البحث، ما أثار انتباهنا في عدد من الكتب التراثية القديمة المجهولة المصدر، تتحدث عن طقوس ومفردات و طلاسم تُقال بطريقة معينة وبرسومات معينة وفي أوقات معينة وباستخدام بخور معين وبذبائح معينة أيضا، كل هذا لكي يتم استدعاء الجن وتسخيره تحت رغبة الإنسي، ثم صرفه بعد ذلك بطلاسم تختلف عن طلاسم استدعائه، ولم يتم تجربة هذا الموضوع وﻻ نعرف مدى مصداقيته لكننا ننوه بوجود هذه الكتب. كما وجدنا كتب تختص بتحضير الجن السفلي وهذه الكتب تشترط اشتراطات دونية على الإنسي القيام بها لتسخير هذا النوع من الجن، هذه الاشتراطات نربأ بأنفسنا عن ذكرها لدونيتها الشديدة، وتسميته بالجن السفلي نسبة إلى تسخيره في الأعمال الشريرة الموغلة في الشر مثل حرمان البنات من الزواج ( أي جعلهن عوانس)، والتفريق بين الزوجين المتحابين، إلى غير ذلك من الأعمال الشريرة.
بالطبع هذا الموضوع نعتبره في بحثنا هذا من الهرطقات والخرافات، لأنه ﻻ إثبات علمي على صحة هذه الأعمال، وإن كان البعض في مصر من الأميين معدومي العلم والثقافة والمدنية يؤمنون به حتى يومنا الحالي، خاصة في أقصى جنوب صعيد مصر، وفي القرى البعيدة عن المدن في الوجه البحري. كما رصدنا من خلال السودانيين المقيمين في مصر، أن كثيرا من السودانيين يؤمنون بتحضير الجن خاصة في ولايات الجنوب. و رصدنا أيضا وجود من يؤمن بتحضير الجن في المغرب وفي معظم الدول العربية خاصة في الأماكن النائية بعيدا عن المراكز الحضارية.
3- من المنظور الفلسفي
فلسفيا هل يحتاج الإنسان إلى مدد من قوة خارج ، أم أن أعظم طاقاته موجودة أصلًا فيه ولكنها غير مستثمرة؟ العلم يقول لنا أن الإنسان على أحسن تقدير لا يستغل أكثر من عُشْر الإمكانيات المتاحة عقليا وبدنيا، ، معنى هذا أن هناك إمكانيات هائلة في ذات الإنسان في عقله وبدنه غير مُستغلة، وهذا يجيب على السؤال الذي طرحناه، وهو أن الله قد أودع في الإنسان طاقات هائلة تغنيه عن الاستعانة بأي قوة أخرى خارجه.
التاريخ الإنساني يؤكد عدم احتياج الإنسان إلى مدد من قوة خارج ذاته لكي يصبح أكثر قدرة، ويثبت أن الإنسان استطاع توسيع قدراته بصورة هائلة من خلال المعرفة والأدوات والتعاون وتراكم الخبرات، فاللغة ضاعفت قدرته على التفكير، واكتساب لغات جديدة كان بمثابة اكتساب معارف جديدة وثقافات جديدة، والكتابة ضاعفت ذاكرته، وترجمت قدرته على نقل المعرفة، وتسجيل الابتكار والإبداع، والتعليم ضاعف خبرته، وطور مواهبه وقدراته، والرياضات المختلفة ضاعفت لياقته البدنية وقدرته على التحمل، والآلة ضاعفت قوته، وعظمت انتاجيته، والحاسوب ضاعف قدرته الحسابية، وجعل تخزين واسترجاع وتحليل البيانات هائلة الحجم أمرا يسيرا، وأخيرا جاء الذكاء الاصطناعي ليمكنه من توسيع قدراته على معالجة المعلومات، ويمكنه أيضا من التوسع في استخدام التحكم الآلي، كما مكنه من فتح الباب لقدرات هائلة في جميع المجالات كما سيأتي ذكرها عند تناولنا للذكاء الاصطناعي.
الآن تمضي رحلة الإنسان بعد أن تعدت محطة جن عبقر، لتمضي إلى محطات أخرى متعاقبة، ينتبه الإنسان فيها إلى ذاته وقدراته ليعظمها بعيدا عن الغيبيات التي أتعبته وأجهدته ولم يجن منها شيئا مذكورا.
سنستعرض في الصفحات التالية كيف زاد الإنسان قدراته بإمكانياته هو مبتعدا كل البعد عن الخزعبلات والغيبيات والطقوس والطلاسم، مستدعيا عقله وفكره وإرادته الواعية في مراحل الرحلة الشيقة التي قطعها بين جن عبقر حتى وصل إلى المحطة النهائية التي تمثل ذروة القوة والقدرة والحضارة الإنسانية إنها محطة القمة محطة الذكاء الاصطناعي.
الرحلة الإنسانية بين جن عبقر والذكاء الاصطناعي
ولي عصر الاستعانة بالقوى الغيبية، بعدما اقتنع الإنسان بعدم جدواها، وبدأ عصر جديد يكتشف فيه الإنسان كيف يزيد قدراته الكامنة فيه بذاته دون اللجوء لقوى خارجة عنه. إضافة إلى عدم اقتناع الإنسان بجدوى اللجوء إلى القوى الغيبية، ظهرت عدة وسائل عملية ساعدت الإنسان على بدء مرحلة جديدة من التطور الفكري أبعدته عن الاستعانة بالقوى الغيبية.
كانت أهم هذه الوسائل العملية التي أبعدت الإنسان عن الاستعانة بالقوى الغيبية:
أولًا: ظهور الملاحظة والتجربة
بدأ الإنسان يكتشف أن بعض الظواهر يمكن فهمها من خلال الملاحظة المنتظمة والتجربة، لا من خلال إرجاعها دائمًا إلى قوى غيبية لها قدرات خارقة، وبدأ يدون ملاحظاته، ويجري تجاربه، ويزداد فهما لما يجري من حوله متخليا عن الاستعانة بهذه القوى الخفية، ومتخليا عن الاعتقاد أنها وراء كل ما يجري حوله في الحياة، وبدأ يستند إلى المنطق والسببية، ويعلل ما يحدث بتفاعل قوى الطبيعة، ومع تنامي قدراته على الملاحظة والتجربة تنامت قدرته على فهم ظواهر الحياة، حيث نحى من عقله تأثير هذه القوى الغربية.
ثانيًا: ظهور العلم
مع تطور علوم الرياضيات والفلك والطب والفيزياء والكيمياء، أصبح الإنسان قادرًا على تطوير قدراته بطريقة علمية منهجية، وفهم ظواهر كانت في الماضي تبدو خارقة للطبيعة، وكان ينسبها دائما للقوى الغيبية.
فالبرق، مثلًا، انتقل في الوعي البشري تدريجيًا من كونه ظاهرة كان يفسرها بأساطير وقوى فوق طبيعية، إلى ظاهرة كهربائية يمكن دراستها وقياسها.
ثالثًا: نجاح التقنية
وهنا حدث التحول الأكبر!
اكتشف الإنسان أنه يستطيع زيادة قدراته بذاته دون الاستعانة بقوى خارجية، وبطريقة يمكنه بها إعادة إنتاج واختبار وتطوير الوسائل والآلات والأجهزة التي تزيد قدراته، أي زيادة قدراته بما يستطيع أن يتحكم فيه ويسيطر عليه، وينتجه ويطوره دون تدخل خارج عن ذاته.
فعلى سبيل المثال:
تخلص الإنسان من محدودية القدرة على الإبصار باختراع التلسكوب والمجهر والكاميرا والمرصد وعلى المستوى الفردي النظارات الطبية.
وتخلص من محدودية القدرة على السمع باختراع أجهزة الاتصالات، والسماعات الدقيقة.
وتخلص من محدودية قدرة الذاكرة باختراع الكتاب ثم الطباعة ثم الحاسوب.
وتخلص من محدودية قدرة العضلات باختراع الآلات والمحركات بأنواعها.
وتخلص من محدودية الانتقال باختراع السيارة والطائرة والباخرة والقطار.
وتخلص من محدودية المعرفة وعدم القدرة على تحليل كم هائل من البيانات والتنبؤ واتخاذ القرار الصحيح باختراع الذكاء الاصطناعي.
وهكذا أصبح للإنسان قدرات غير محدودة بوسائل يتحكم فيها هو بذاته وينتجها ويطورها، وتسارعت وتيرة تطوير هذه الوسائل، فسرعان ما ينتج النسخة الأحدث من كل وسيلة من هذه الوسائل والتي دائما ما تكون أكثر تقدما وتطورا من سابقتها، مما جعل منحنى ازدياد قدراته آخذا في الصعود بقوة وبمعدل لوغارتمي كل فترة زمنية قصيرة.
وهكذا انتقل الإنسان من مرحلة يستمد فيها القوة من كائن خارق غيبي خرافي، إلى مرحلة يستمد فيها القوة من أداة حقيقية ملموسة يصنعها بنفسه، ويستطيع إعادة إنتاجها وتحديثها وتطويرها، ومع كل تحديث وتطوير يزداد قوة وقدرة وتمكنا.
وهذه هي النقلة الحضارية الكبرى التي نقلت الإنسان من الاستعانة بقوى غيبية مستعارة مُتخيلة لا حقيقة لها ولا يمتلكها، إلى الاستعانة بقوى يصنعها هو بيده، ويتحكم فيها، ويقوم بتطوير وترقية مواصفاتها التي تزيد قدراته بصفة مستمرة متواصلة، حتى أصبحت قدرات الإنسان تزيد مع الزمن بمعدلات عالية لم يكن الإنسان ذاته يتوقعها.
وبهذا الشكل يمكن تصور محاولات الإنسان زيادة قدراته في صورة سلسلة من الإحداث، بدأت من الاستعانة بالجن والآلهة والأرواح والشياطين، إلى استخدام الأدوات البدائية، إلى العلم والبحث العلمي، إلى عصر الآلة، ثم عصر الكهرباء، ثم الحاسوب، وأخيرا عصر الذكاء الاصطناعي.
في المرحلة الأولى كان الإنسان يتصور أن مصدر القوة خارجه، ثم صنع الأدوات بيده، ثم اكتشف قوانين الطبيعة، ثم تعلم تسخير تلك القوانين، ثم صنع الآلات التي تضاعف قوته، ثم صنع الحاسوب الذي يضاعف قدرته الحسابية والمعلوماتية، والآن وصل إلى الذكاء الاصطناعي الذي قفز بالإنسان قفزة هائلة ضاعفت قدراته المعرفية والاستدلالية والإبداعية والتنفيذية في شتى مجلات الحياة.
وهنا تظهر مفارقة عجيبة؛ إذ إن الإنسان الذي كان يتخيل قديمًا أنه يحتاج إلى قوى خارقة كي يتجاوز حدود قدراته، أصبح في العصر الحديث قادرًا على صناعة أدوات تقوم بتحقيق الوظائف التي كان يتخيل أن تنفيذها حكرا على تلك القوى الخارقة.
لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي قد أصبح جنًا أو إلهًا أو روحًا أو قوة خارقة بصورة أو بأخرى؛ بل يعني أن الوظائف التي كانت تُنسب في خيال الإنسان إلى كائنات خارقة، أصبحت ممكنة بواسطة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي يمتلكها وينتجها ويتحكم فيها، ويطورها بصفة مستمرة.
ومن هنا يمكن صياغة الفكرة الأساسية لفلسفة تطوير وتعظيم قدرات الانسان:
الإنسان لا يحتاج إلى الجن ولا إلى قوى خارجية لكي يتجاوز حدود قدراته ويعظمها؛ لقد كان أعظم إنجازاته التاريخية إنتاجا هو توسيع قدراته الإنسانية نفسها بذاته دون الاستعانة بقوى غيبية خارجية، فقد وهبه الله القدرة على اكتشاف وابتكار الجديد بذاته وبقدراته نتيجة لتعاظم الفكر والمعرفة وتراكم الخبرات دون الاستعانة بقوى خارج ذاته.
نهاية الرحلة: الذكاء الاصطناعي
ما هو تعريف الذكاء الاصطناعي؟
يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي ببساطة بأنه:
مجموعة من الأنظمة والبرامج والتقنيات الحاسوبية التي تمكّن الآلات من تنفيذ مهام حركية، أو صوتية، أو رقابية، أو تحليلية، أو… هذه المهام تتطلب عادةً بعض القدرات المرتبطة بالذكاء البشري، مثل التعلّم، والاستدلال، وفهم اللغة، والتعرّف على الأنماط، والتنبؤ، واتخاذ القرارات، وإنتاج المحتوى.
وهذه الأنظمة والبرامج والتقنيات تمثل محاكاة (simulation) لطريقة التفكير البشري عبر تراكم المعرفة في مجالات الحياة المختلفة، مما يمثل نقلة كبرى في حياة البشر، إلا أن الخطورة تكمن في استغلال هذه الأنظمة والتقنيات لجعل الآلات تنفذ أفعالا محرمة كجرائم حرب مثلا، والخطورة الأكبر أن تخرج هذه الأنظمة عن التحكم، والأسوأ أن تتحكم في البشر!
وهذا التعريف يحتاج إلى قدر من الدقة؛ لأن الذكاء الاصطناعي ليس عقلًا بشريًا داخل آلة، وإنما أنظمة وتقنيات وبرامج تستخلص أنماطًا من البيانات والمدخلات ثم تستخدمها لإنتاج مخرجات أو قرارات، أو تنفيذ عمليات طبقا لهذه البرامج.
وتعرّف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نظام الذكاء الاصطناعي بأنه نظام قائم على الآلة يستنتج، بناءً على أهداف صريحة أو ضمنية، كيفية إنتاج مخرجات مثل التنبؤ والمحتوى والتوصيات والقرارات التي يمكن أن تؤثر في البيئات المادية أو الافتراضية، مع اختلاف الأنظمة في درجة استقلاليتها وقدرتها على التكيف.
أما المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) فيستخدم تعريفات متعددة بحسب السياق، من بينها أن الذكاء الاصطناعي هو نظام اصطناعي يستطيع أداء مهام تتطلب إدراكًا أو تفكيرًا أو تخطيطًا أو تعلّمًا أو تواصلًا أو فعلًا شبيهًا بما يقوم به الإنسان، متسلحا بأدوات حسية تناظر ما لدى الإنسان.
فلسفيًا إذا كان الإنسان يمتلك ذكاءً طبيعيًا نشأ من جهاز عصبي يستوعب العلم والمعرفة ووعي يستوعب التجربة الحياتية، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل محاولة الإنسان لبناء أنظمة اصطناعية تحاكي بعض وظائف الذكاء الطبيعي في مجالات الحياة المختلفة.
الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة الوعي أو العقل أو الإرادة، لأن الوعي والعقل والإرادة يكونون حصريا في يد من يضعون برامج الأنظمة والتقنيات في الآلة وبالتالي يتحكمون في تصرفاتها إيجابا أو سلبا.
فقد يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي أن يحلل كميات هائلة من المعلومات، ويتنبأ، ويكتب، ويولد صورًا، ويقترح قرارات، ويقوم بأفعال وتصرفات دون أن يعني ذلك أنه يمتلك بالضرورة وعيًا ذاتيًا أو مشاعر أو إرادة أو ضميرا بالمعنى الإنساني.
بعد هذا التعريف المستفيض للذكاء الاصطناعي، سنتعرف علي استخداماته في مجالات الحياة المتشعبة، حيث أصبح حاكما ومسيطرا وموجها لأنشطة الإنسان كما سيتضح من استعراضنا في السطور القادمة.
استخدامات الذكاء الاصطناعي
أولًا: الاستخدامات في الحياة الإنسانية والشخصية
- التعليم الشخصي: شرح الدروس، تبسيط المفاهيم، إنشاء التمارين والاختبارات، وتصحيح بعض أنواع الإجابات.
- الترجمة واللغات: الترجمة الفورية، الترجمة بين اللغات، تصحيح الكتابة وتحسين الأسلوب، المساعدة في النطق السليم طبقا لقواعد اللغة التي يتم تعلمها. ونريد أن ننوه هنا أن ترجمة المعني الضمني الذى يحمل إحالات أو إشارات أو تلميحات ما زال فوق قدرات الترجمة التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي الذي يركز أكثر على ترجمة اللفظ الحرفية، وذلك بالطبع لأنه يفتقد الإدراك والوعي والحس الإنساني.
- المساعدات الشخصية: تنظيم المواعيد والمهام، تلخيص المعلومات، إعداد الرسائل والوثائق، تقديم إجابات فورية للأسئلة أو المشكلات العالقة.
- الوصول لذوي الإعاقة: تحويل الكلام إلى نص، والنص إلى كلام، ووصف الصور، والمساعدة في التواصل، مما ييسر لهم سبل المعرفة والحياة الطبيعية بعيدا عن تأثير الإعاقة قدر الإمكان.
- الترفيه: إنتاج الموسيقى والصور والفيديو، واقتراح الأفلام والألعاب والمحتوى.
- المنزل الذكي: إدارة الطاقة، التنبؤ بالأعطال، التحكم في الأجهزة، وتحسين الأمن المنزلي، الاتصال المباشر بالأجهزة المعنية في حالة الطوارئ ( حريق، هجوم مسلح…)
- الحياة الاجتماعية: أدوات للتواصل، وتلخيص المحادثات، والمساعدة في تنظيم المناسبات والأنشطة والندوات والاجتماعات.
ثانيًا الطب والرعاية الصحية
من أكثر المجالات التي أحدث فيها الذكاء الاصطناعي تحولًا في المجال الطبي:
- تحليل الأشعة والصور الطبية.
- المساعدة في اكتشاف الأورام والأمراض في مراحل مبكرة.
- تحليل السجلات الطبية والبيانات الصحية.
- اكتشاف الأدوية والمواد العلاجية الجديدة.
- المساعدة في تصميم التجارب السريرية.
- الروبوتات الجراحية والمساعدة أثناء العمليات.
- مراقبة المرضى والتنبؤ ببعض المخاطر الصحية.
- الطب الشخصي، من خلال ربط العلاج بخصائص المريض وبياناته.
- المساعدة في الأبحاث الطبية والبيولوجية.
نحب أن ننبه هنا أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للطبيب والباحث، وليس بديلًا تلقائيًا عن المسؤولية الطبية البشرية.
ثالثًا: التعليم والبحث العلمي
- إنشاء محتوى تعليمي متكيف مع مستوى الطالب.
- المساعدة في البحث عن المعلومات وتحليلها.
- تحليل كميات ضخمة من البيانات العلمية.
- اكتشاف الأنماط والعلاقات التي يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية خاصة الأحداث العشوائية منها(random events).
- المساعدة في صياغة الفرضيات والنماذج العلمية واختبار النتائج.
- محاكاة التجارب والظواهر وفهم نماذجها الإحصائية والقدرة على التنبؤ المستقبلي بمعلومات حدوث هذه الظواهر ( التوقيت، الموقع، كيفية الحدوث،…) بحدود ثقة مرتفعة، وبأقل نسبة خطأ ممكنة.
- تحليل الصور المجهرية والبيانات الجينية والفلكية وفتح آفاق جديدة للمعرفة.
- تسريع اكتشاف المواد الجديدة وتحقيق أقصى استفادة منها.
- المساعدة في اكتشاف الأدوية.
- أتمتة بعض الأعمال المختبرية أي باستخدام الآلية (automation)
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص الذكاء الاصطناعي وهي تحويل الكم الهائل من البيانات إلى معرفة قابلة للتحليل والاستفادة، والخروج منها بنتائج حقيقية.
رابعًا: الصناعة
دخل الذكاء الاصطناعي مجال الصناعة بكثافة كبيرة وبوتيرة أسرع من غيرها من المجالات، وذلك لمحدودية الإجراءات العملية التي تقوم بها الآلة في المصنع، وكذا محدودية الاختيارات أمام الآلة، حيث لا توجد اختيارات مفتوحة كما في المجالات الأخرى، وبوجه عام نستطيع رصد دور الذكاء الاصطناعي في المصانع كما يلي في النقاط الآتية:
- تشغيل الروبوتات الصناعية مما يحقق مزيدا من سرعة الإنتاج وجودته وتقليل مخاطر استخدام العمالة البشرية، خاصة في عمليات العد والتجميع والتصنيف والتغليف.
- التشغيل الآلي للمصانع مما يعني الاستغناء عن معظم الأيدي العاملة، وبالتالي خفض تكلفة الإنتاج.
- مراقبة جودة المنتجات بدون تدخل بشري مما يعني مراقبة أدق دون انحياز أو غفلة.
- اكتشاف العيوب أثناء التصنيع أولا بأول في نهاية كل خطوة تصنيعية، مما يعني تقليل العبء على مرحلة الاختبار النهائي.
- التنبؤ بأعطال الآلات قبل وقوعها من خلال المراقبة الدقيقة لساعات التشغيل، وكفاءة الآلات ومعدلات انتاجيتها.
- تحسين خطوط الإنتاج نتيجة عدم وجود أخطاء بشرية نتيجة الإجهاد أو التعب أو عدم التركيز أثناء العمل.
- تقليل استهلاك الطاقة والمواد اللازمة للتشغيل نتيجة الاستغناء عن عدد كبير من العمال.
- تصميم المنتجات بصورة أسرع وأدق وتناسب ذوق المستهلك.
- إدارة المخزون وسلاسل الإمداد وتحديد الحجم الحرج للمخزون، وحجم المنتجات المطلوب تسويقها بدقة.
- المصانع الذكية التي تعتمد بالكامل على الآلية (full automation)
خامسًا: الزراعة والغذاء
- تحديد الأمراض التي تصيب النباتات.
- مراقبة المحاصيل باستخدام الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية.
- تحديد احتياجات النباتات من الماء والأسمدة.
- التنبؤ بالإنتاج الزراعي.
- اكتشاف الآفات.
- تحسين اختيار البذور والمحاصيل.
- الزراعة الدقيقة.
- إدارة الثروة الحيوانية.
- التنبؤ بالطقس والمخاطر الزراعية.
- تحسين عمليات التخزين والتوزيع
سادسًا: النقل والمواصلات
- السيارات ذاتية القيادة أو شبه ذاتية القيادة.
- إدارة حركة المرور.
- التنبؤ بالازدحام.
- تحسين إشارات المرور.
- تخطيط الطرق.
- إدارة النقل العام.
- مساعدة الطيارين.
- تحسين عمليات المطارات.
- صيانة الطائرات والقطارات والسيارات بصورة تنبؤية.
- تحسين استهلاك الوقود.
سابعًا: المدن والخدمات المدنية
يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أحد المكونات الأساسية لما يسمى المدينة الذكية:
- إدارة المرور.
- إدارة الكهرباء والمياه.
- إدارة النفايات.
- مراقبة البنية التحتية.
- اكتشاف تسرب المياه.
- التنبؤ بأعطال شبكات الكهرباء.
- تحسين توزيع الخدمات.
- التخطيط العمراني.
- الاستجابة للكوارث.
- الإنذار المبكر للفيضانات والحرائق وبعض المخاطر الطبيعية.
- تحسين خدمات المواطنين.
ثامنًا: الاقتصاد والأعمال
- تحليل الأسواق.
- التنبؤ بالطلب.
- خدمة العملاء بواسطة المساعدات الذكية.
- تحليل سلوك المستهلكين.
- التسويق الشخصي.
- اكتشاف الاحتيال.
- إدارة المخاطر.
- تحليل الوثائق والعقود.
- المحاسبة.
- دعم اتخاذ القرارات.
- تحسين سلاسل الإمداد.
- التنبؤ بالمبيعات.
- أتمتة الأعمال الإدارية.
تاسعًا: المال والمصارف
- اكتشاف المعاملات المشبوهة.
- مكافحة الاحتيال المالي.
- تحليل مخاطر الائتمان.
- خدمة العملاء.
- تحليل البيانات المالية.
- أتمتة العمليات المصرفية.
- اكتشاف أنماط غسل الأموال.
- المساعدة في إدارة المحافظ والاستثمارات.
وهنا ينبغي التمييز بين تحليل البيانات ودعم القرار وبين ترك القرارات المالية الحساسة لنظام آلي دون رقابة بشرية.
عاشرًا: الأمن المدني ومكافحة الجريمة
- تحليل البيانات الجنائية.
- اكتشاف الأنماط غير الطبيعية.
- مكافحة الاحتيال.
- الأمن السيبراني.
- اكتشاف الهجمات الإلكترونية.
- تحليل الاتصالات والبيانات في بعض الأنظمة القانونية.
- إدارة الطوارئ.
- التعرف الآلي على بعض الأنماط في الصور والفيديو.
وهذا المجال تحديدًا يثير قضايا مهمة تتعلق بالخصوصية والرقابة واحتمالات الخطأ والتحيز.
الحادي عشر: المجال العسكري
للذكاء الاصطناعي تطبيقات واسعة في المجال العسكري، منها:
-1-الاستخبارات
- تحليل الصور الجوية والفضائية.
- تحليل كميات ضخمة من المعلومات.
- اكتشاف الأنماط.
- المساعدة في تقدير الموقف.
-2-الاستطلاع والمراقبة
- تحليل صور الأقمار الصناعية.
- تحليل بيانات الطائرات والمركبات غير المأهولة.
- مراقبة مناطق واسعة.
-3- القيادة والسيطرة
- تجميع المعلومات من مصادر متعددة.
- دعم القادة في تحليل السيناريوهات.
- تسريع عملية اتخاذ القرار.
-4-اللوجستيات العسكرية
- إدارة الإمدادات.
- تخطيط النقل.
- التنبؤ باحتياجات القوات والمعدات.
- الصيانة التنبؤية للمركبات والطائرات.
-5- الدفاع السيبراني
- اكتشاف الهجمات الإلكترونية.
- تحليل البرمجيات الخبيثة.
- اكتشاف الأنشطة غير الطبيعية.
- حماية شبكات المعلومات.
-6- الأنظمة غير المأهولة
- الطائرات المسيّرة.
- المركبات البرية والبحرية غير المأهولة.
- الاستطلاع في البيئات الخطرة.
-7- المحاكاة والتدريب
- إنشاء بيئات تدريب افتراضية.
- محاكاة سيناريوهات معقدة.
- تدريب الأفراد على اتخاذ القرارات تحت ظروف مختلفة.
وهنا توجد مسألة جوهرية: كلما انتقل الذكاء الاصطناعي من تحليل المعلومات إلى التحكم المباشر في استخدام القوة، ازدادت الأسئلة القانونية والأخلاقية المتعلقة بالمسؤولية والرقابة البشرية.
الثاني عشر: الفضاء والفلك
- تحليل صور المجرات والنجوم.
- اكتشاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية.
- تحليل البيانات القادمة من التلسكوبات.
- التحكم وتحسين عمليات المركبات الفضائية.
- تخطيط المهمات الفضائية.
- اكتشاف الأنماط في البيانات الكونية.
- التنبؤ ببعض المخاطر التي تواجه المركبات الفضائية.
الثالث عشر: البيئة والمناخ
- نمذجة تغير المناخ.
- التنبؤ بالطقس.
- مراقبة التصحر.
- اكتشاف حرائق الغابات.
- مراقبة المحيطات.
- تتبع التلوث.
- إدارة الموارد الطبيعية.
- تحسين استخدام الطاقة.
- التنبؤ بالكوارث الطبيعية.
الرابع عشر: الطاقة
- التنبؤ بالطلب على الكهرباء.
- إدارة شبكات الكهرباء الذكية.
- تحسين إنتاج الطاقة الشمسية والرياح.
- اكتشاف الأعطال.
- تحسين استهلاك الطاقة في المصانع والمباني.
- إدارة تخزين الطاقة.
الخامس عشر: الإعلام والصحافة
- تلخيص الأخبار.
- تفريغ المقابلات الصوتية.
- البحث في الأرشيف.
- تحليل البيانات.
- إنتاج الصور والفيديو.
- المساعدة في كتابة بعض المواد.
- الترجمة الفورية.
لكن في المقابل تبرز مشكلة المعلومات المضللة والتزييف العميق (Deepfake)، الذي يستطيع إنتاج صور أو أصوات أو مقاطع فيديو تبدو حقيقية رغم أنها مصطنعة.
السادس عشر: القانون والقضاء
- البحث في الأحكام والقوانين.
- تحليل الوثائق القانونية.
- مراجعة العقود.
- تنظيم الملفات.
- البحث في السوابق القضائية.
- المساعدة في اكتشاف التناقضات داخل الوثائق.
مع بقاء الحكم والمسؤولية القانونية من اختصاص الإنسان والجهات المخولة قانونًا.
السابع عشر: الهندسة والعمارة
- التصميم الهندسي.
- تحسين تصميم المباني.
- اكتشاف أخطاء التصميم.
- محاكاة المنشآت.
- تصميم المدن.
- تحليل استهلاك الطاقة في المباني.
- تطوير مواد جديدة.
- تحسين التصميم الصناعي.
الثامن عشر: الفنون والثقافة
- إنتاج الصور.
- تأليف الموسيقى.
- المساعدة في كتابة النصوص.
- ترميم الصور القديمة.
- ترميم التسجيلات.
- الترجمة والدبلجة.
- حفظ التراث الرقمي.
- تحليل الأعمال الفنية والأدبية.
التاسع عشر: الإدارة والحكومة
يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في:
- تحليل البيانات الحكومية.
- تحسين توزيع الموارد.
- التنبؤ بالاحتياجات.
- أتمتة الإجراءات.
- خدمة المواطنين.
- اكتشاف الاحتيال في بعض البرامج.
- إدارة الضرائب والجمارك.
- التخطيط الاقتصادي.
- إدارة الأزمات والكوارث.
لكن استخدامه في الإدارة العامة يحتاج إلى ضوابط قوية؛ لأن القرار الآلي الخاطئ قد يؤثر في حقوق أعداد كبيرة من الناس.
العشرون: الأمن السيبراني
وهذا من أكثر المجالات أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي.
الاستخدامات الدفاعية:
- اكتشاف الهجمات.
- تحليل السلوك غير الطبيعي.
- حماية الشبكات.
- اكتشاف البرمجيات الخبيثة.
- الاستجابة للحوادث.
وفي المقابل يمكن للمهاجمين استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير هجمات أكثر تعقيدًا، ولذلك أصبح الذكاء الاصطناعي أداة في الصراع بين المدافعين عن الأنظمة ومهاجميها.
الحادي والعشرون: التجارة والتسوق
- توصية المنتجات.
- تحليل رغبات المستهلكين.
- خدمة العملاء.
- إدارة المخزون.
- التسعير والتحليل.
- التنبؤ بالطلب.
- اكتشاف الاحتيال.
- تصميم الإعلانات.
الثاني والعشرون: العمل والوظائف
الذكاء الاصطناعي يمكن أن:
يستبدل بعض المهام، ويزيد إنتاجية الإنسان في مهام أخرى، ويخلق وظائف ومهنًا جديدة.
ومن أمثلة المجالات الجديدة أو المتوسعة:
- هندسة الذكاء الاصطناعي.
- تحليل البيانات.
- تطوير النماذج.
- تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي.
- حوكمة الذكاء الاصطناعي.
- أمن الذكاء الاصطناعي.
- تدقيق مخرجات الأنظمة الذكية.
وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ بعض وظائف الإنسان، ويعني أيضًا: أن هناك بعض المهام التي ستختفي، وبعض المهام التي ستتغير، وبعض الوظائف الجديدة التي ستظهر. وهذا ما سيتم توضيحه في النقاط القادمة .
1. مهام ستختفي أو تتراجع
المقصود أن بعض الأعمال الروتينية والمتكررة التي كان الإنسان يؤديها يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها بسرعة ودقة أكبر، ولذلك قد تقل الحاجة إلى الإنسان فيها.
أمثلة:
إدخال البيانات يدويًا في الجداول والأنظمة.
تفريغ التسجيلات الصوتية إلى نصوص.
إعداد بعض التقارير الروتينية.
الرد على الأسئلة البسيطة والمتكررة في خدمة العملاء.
ترجمة النصوص البسيطة والمتكررة.
فرز بعض المستندات والفواتير وتصنيفها.
بعض أعمال المراجعة الحسابية الأولية.
وهنا ينبغي التمييز بين اختفاء المهمة واختفاء الوظيفة بالكامل. فقد تختفي مهمة معينة من وظيفة، بينما تظل الوظيفة نفسها موجودة.
2. مهام ستتغير
وهذه ربما تكون الظاهرة الأوسع. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظيفة، وإنما يغير طبيعة ما يقوم به صاحبها.
فلنأخذ مثالًا بسيطًا: الصحفي:
في الماضي كان الصحفي قد يقضي ساعات في البحث عن المعلومات، تفريغ المقابلات، ترتيب البيانات، إعداد مسودة أولية.
مع الذكاء الاصطناعي يمكن إنجاز جزء كبير من هذه الأعمال بسرعة، لكن الصحفي سيظل بحاجة إلى ما لا يستطيع تركه للذكاء الاصطناعي مثل:
اختيار الموضوع.
التحقق من صحة المعلومات.
إجراء المقابلات.
فهم السياق السياسي والاجتماعي.
تحليل الأحداث.
صياغة الرؤية الصحفية.
تحمل المسؤولية المهنية والأخلاقية.
أي أن الذكاء الاصطناعي قد يقلل العمل الروتيني ويزيد أهمية العمل الفكري والتحليلي.
ومثال آخر هو الطبيب:
يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تحليل صور الأشعة، وتنظيم المعلومات الطبية، واقتراح احتمالات تشخيصية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء الطبيب؛ بل قد تتغير وظيفته بحيث يصبح أكثر تركيزًا على التشخيص السريري، والتواصل مع المريض، واتخاذ القرار، ومتابعة العلاج.
وكذلك المعلم:
يمكن للذكاء الاصطناعي إعداد تمارين ومواد تعليمية وتصحيح بعض الاختبارات، لكن دور المعلم يمكن أن يتحول بصورة أكبر نحو الشرح، والتوجيه، واكتشاف صعوبات الطلاب، وتنمية التفكير النقدي والشخصية.
3. وظائف ومهام جديدة ستظهر
كل تحول تكنولوجي كبير يخلق احتياجات جديدة لم تكن موجودة من قبل، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً؛ فقد ظهرت بالفعل أدوار مرتبطة بـ:
تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
هندسة البيانات.
تدريب النماذج واختبارها.
تقييم جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي.
حوكمة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته.
أمن أنظمة الذكاء الاصطناعي.
مراقبة الانحياز والأخطاء في النماذج.
تصميم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
ويمكن أن تظهر وظائف جديدة أخرى لم نعرف أسماءها بعد، كما حدث تاريخيًا مع ظهور الحاسوب والإنترنت؛ إذ نشأت حولهما مهن وصناعات كاملة لم تكن موجودة قبل ظهورهما.
مثال: لنتصور شركة محاسبة قبل الذكاء الاصطناعي:
كان الموظفون يدخلون البيانات، يراجعون الفواتير، يطابقون الحسابات، يعدون التقارير.
لكن مع الذكاء الاصطناعي:
النظام يقرأ الفواتير، ويستخرج البيانات، ويكتشف بعض الأخطاء، ويعد مسودة التقرير.
ما الذي يحدث للموظف إذن؟
قد تختفي منه بعض المهام اليدوية، وتتغير مهامه نحو تحليل النتائج، ومراجعة ما أنتجه النظام، والتعامل مع الحالات المعقدة والعملاء.
ومن هنا نسأل ما الجديد؟
تظهر حاجة إلى أشخاص يستطيعون إدارة النظام، والتحقق من نتائجه، وتأمين البيانات، ووضع قواعد لاستخدامه.
وهكذا لا تكون النتيجة ببساطة:
أن الإنسان باستخدام الذكاء الاصطناعي سيفقد الوظيفة، بل الحقيقة تقول:
بعض المهام تختفي ( خاصة الروتينية المتكررة التي لا تحتاج كفاءات عالية)، بعض المهام تتغير ( من الحساب والإحصاء، إلى التحليل والاستنتاج ووضع الحلول)، مهام جديدة ستظهر ( الإدارة المتكاملة للنظام أي الإدارة التي تحقق التكامل بين أقسام النظام لتحقيق الهدف النهائي، القدرة على التحقق من صحة المخرجات وتوافقها مع الواقع، القدرة على تأمين البيانات ومنع اختراق النظام، وهذا يتطلب وضع قواعد استخدام سلسة وآمنة)، مما سبق يتضح أن هناك مهارات جديدة ستكون مطلوبة في سوق العمل.
إذن الخلاصة التي نصل إليها من هذا التحليل توضح أن القضية الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي ليست فقط في كم الوظائف التي سيأخذها الذكاء الاصطناعي من الإنسان، وإنما أيضًا في كيفية تغير طبيعة العمل الإنساني، والمهارات والمؤهلات التي سيحتاج إليها الإنسان لكي يظل قادرًا على العمل والإبداع في ظل تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي، وتغلغله في شتى ميادين الحياة الإنسانية كما أوضحنا.
وهذه النقطة تنقلنا بذكاء من فكرة أن الذكاء الاصطناعي سيطرد الإنسان من عمله ويحتل مكانه، إلى فكرة أكثر عمقًا، وهي إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والعمل والتكنولوجيا.
الأدوار الأساسية التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي
رغم اتساع مجالات العمل السابق ذكرها، والتي توغل فيها الذكاء الاصطناعي توغلا كبيرا حتى أصبح الإنسان لا يستطيع الاستغناء عنه، إلا أننا يمكننا تحديد أدواره التي يقوم بها في الأعمال المختلفة التي استعرضناها إلى ستة أدوار أساسية:
1-الإدراك: الذكاء الاصطناعي مُزَود بحواس صناعية فهو يرى ويسمع ويقرأ ويفهم البيانات، ويميز الوسط المحيط.
2-التحليل: الذكاء الاصطناعي يكتشف الأنماط والعلاقات والتوافق والتباين بين مختلف البيانات والمدخلات الرقمية والحسية.
3-التنبؤ: الذكاء الاصطناعي يتوقع الاحتمالات والنتائج المستقبلية ومنحنيات المتغيرات العشوائية المختلفة، مما يسهل عملية التنبؤ بمصداقية عالية.
4-التوليد: الذكاء الاصطناعي ينتج نصوصًا وصورًا وصوتًا وفيديو وبرمجيات والخطورة هنا توليد أحداث لم تحدث في الواقع!
5- الأتمتة (automation) : الذكاء الاصطناعي سينفذ مهام كانت تحتاج إلى الإنسان، ونظرا لأن قدرة الذكاء الصناعي أكبر فسيتم الاستغناء عن العمالة( خاصة في الأعمال التي تتصف بالتكرار والرتابة مثل العد والإحصاء وسبق الإشارة إليها)
6-دعم اتخاذ القرار: الذكاء الاصطناعي يقدم تحليلات وخيارات تساعد الإنسان على اتخاذ القرار السليم من بين البدائل المتاحة.
وهنا نصل إلى نقطة فلسفية مهمة جدًا:
إن انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تنفذ أوامر الإنسان إلى نظام يستطيع الإدراك والتحليل والتنبؤ والتوليد واتخاذ بعض القرارات وتنفيذها، يعني أننا اقتربنا من مرحلة جديدة في العلاقة بين الإنسان والآلة.
ومن هنا تظهر الأسئلة الكبرى التي تستحق أن تُبحث: هل سيظل الذكاء الاصطناعي أداة في يد الإنسان، أم يتحول تدريجيًا إلى شريك في اتخاذ القرار؟ وهل يمكن أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان نفسه معتمدًا عليه اعتمادًا يصعب معه الاستغناء عنه؟ وما حدود السيطرة البشرية عليه؟
فكما أن الذكاء الاصطناعي يمثل نقلة كبرى في حياة البشرية ( مثله مثل الثورة الصناعية)، فإنه يحمل في طياته مجموعة من المخاطر الكبرى التي تهدد البشرية وقد تكون أقوى تأثيرا من خطورة السلاح النووي.
لأهمية هذا الموضوع القصوى سنتناوله بالتفصيل في الصقحات التالية حيث سنستعرض المخاطر التي تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي.
مخاطر الذكاء الاصطناعي على الإنسان
ليس معنى استعراضنا لمخاطر الذكاء الاصطناعي أن نضع حدًا لتطوره، بل أن نضع حدًا لتنازل الإنسان عن إنسانيته واستقلاله وأخلاقياته للآلة، حتى لا يكون الإنسان عبدا للآلة، فيفقد إنسانيته واستقلاله وأخلاقياته.
فالآلة يمكن أن تتفوق على الإنسان في الحساب والسرعة والذاكرة ومعالجة البيانات، لكن هذا لا يعني أن عليها أن تصبح صاحبة الغاية والقرار والقيمة، فلا بد أن يحتفظ الإنسان بالقرار الصحيح وفقا لمنظومة القيم الإنسانية، ويجب ألا يتنازل عن ذلك للآلة أبدا، وإلا ستكون الطامة الكبرى!
إننا لا ننكر القفزة الحضارية الهائلة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي للإنسان، ولكننا في الوقت نفسه نستشرف مخاطر جمة لهذه القفزة الهائلة والتي قد تكون لها آثار مدمرة على البنيان الإنساني والبشرية بشكل عام.
سنقوم في الصفحات التالية باستعراض هذه المخاطر في شتى المجالات التي تمس حياة الإنسان.
-
- أن تكون للآلة اليد العليا في اتخاذ القرار
ينبغي أن يبقى للإنسان اليد العليا في اتخاذ القرار خاصة في المسائل التي تمس:
حياته وموته، حريته، كرامته، حقوقه الأساسية، مستقبله ومصيره.
الذكاء الاصطناعي ما هو في النهاية إلا أداة يقودها الإنسان ويجب ألا تقوده بأي حال من الأحوال؛ فالفرق جوهري بين أن تقترح الآلة الحلول والبدائل المتاحة، والإنسان يقرر أيا من هذه الحلول والبدائل سيختارها؛ وبين أن تقرر الآلة من خلال إمكانياتها، والإنسان ينفذ ما تعرضه الآلة.
في الحالة الأولى الإنسان يقوم باستخدام التكنولوجيا، أي أن الإنسان هو السيد والتكنولوجيا عبد ينفذ أوامره.
أما في الحالة الثانية فقد تحول الإنسان إلى عبد تابع للتكنولوجيا يقوم بتنفيذ أوامرها. فالآلة لا ضمير لها، فماذا لو اقترحت القتل والتدمير حلا لمشكلة ما؟
إن علينا أن نتذكر قضية القتل باستخدام أجهزة البيجر التي نفذتها إسرائيل ضد الصف الأول من كوادر حزب الله، وقتل القادة الإيرانيين بتتبع مواقعهم من خلال هواتفهم. فإذا قررت الآلة القتل كإمكانية متاحة، فعلى الإنسان ألا ينصاع لما تقرره الآلة من خلال إمكانياتها، بل عليه أن يكون إنسانا متمسكا بإنسانيته.
2-اتخاذ الذكاء الاصطناعي مصدرا للحقيقة وليس مصدرا للمعلومات والمعرفة
الذكاء الاصطناعي كم هائل من المعلومات والمعرفة والتحليلات وعرض البدائل والقدرة على اتخاذ القرار إذا سمح الإنسان بذلك، ولكنه ليس مصدرا للحقيقة على الإطلاق، بل على العكس تماما فقد يكون مصدرا لتزييف الحقيقة، أو إخفائها.
هذه نقطة بالغة الأهمية، لا بد أن نوليها اهتماما بالغا!
إذ يمكن للإنسان أن يسأل الذكاء الاصطناعي: ماذا تعرف عن كذا وكذا، ولكن لا ينبغي أن يتحول السؤال مطلقا إلى: ماذا يجب أن أعتقد، أو ماذا يجب أن أفعل، أو ما هو الموقف الصائب الذي يجب أن أتخذه حيال مشكلة ما؟، فالجهات التي قامت بإعداد هذا الذكاء الاصطناعي لها ميولها الخاصة ومصالحها الذاتية واتجاهاتها النابعة من ثقافتها وعقيدتها التي تعتقد صحتها؛ وقد تتعارض في كثير من الأحوال هذه الميول والمصالح والاتجاهات والعقائد والثقافات مع مثيلتها لدى الإنسان المستخدم لهذه التكنولوجيا.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات وتحليلات و يستعرض الحلول المتاحة ، لكنه لا ينبغي أن يصبح مرجعًا مطلقًا للحقيقة، فلا بد أن تخضع مخرجات الذكاء الاصطناعي للتفنيد والتقييم والتحليل الإنساني وفقا للقيم الإنسانية العليا.
لذلك يجب أن يسأل الإنسان الذكاء الاصطناعي، ولكن حينما يتلقى إجابته يجب أن يتحقق من صحتها، ثم يقارن، ثم يفكر، ثم يتخذ القرار النهائي وفق ميوله ومصالحه وعقيدته هو، وليس وفقا لميول ومصالح وعقائد مصممي نظم الذكاء الاصطناعي، حتى يخدم الإنسان نفسه ولا يخدم الجهة أو الجهات التي قدمت له هذه التكنولوجيا.
أي أنه ببساطة لا يجب مطلقا أن يقدم السؤال ، ثم يتلقى الإجابة ويصدقها وينفذ فحواها دون أن يمحصها كما بينا.
3-فقدان قدرات الإنسان، والتسليم بقدرات الآلة
ربما تكون هذه أخطر نقطة تربوية، لأن الإنسان إذا اعتاد استخدام الذكاء الاصطناعي في كل شيء، فإنه يتوقف تدريجيًا عن ممارسة بعض قدراته مثل:
التذكر: نتيجة اعتماده على ذاكرة الآلة ضعفت ذاكرته التي أهمل استخدامها نتيجة عدم الاعتماد عليها، وقد تحقق هذا ولم يعد الإنسان في كثير من الأحيان يعتمد على ذاكرته.
الحساب: نتيجة اعتماده على استخدام الآلة الحاسبة، حتى في العمليات الحسابية البسيطة التي لا تحتاج استخدامها، ورأينا أجيالا لا تحفظ جدول الضرب البسيط، ولا تجيد العمليات الحسابية البسيطة من جمع وطرح وضرب وقسمة، وتلجأ للآلة الحاسبة حتى في العمليات الحسابية البديهية.
الكتابة: نتيجة اعتماده على الكتابة باستخدام: key board ( لوحة المفاتيح)، فقد جمال الخط ( الذي يعتبر في الثقافة العربية من مفاتيح الرزق)، وكثرت الأخطاء الإملائية، وأصبح المكتوب يدويا أقرب إلى الهيروغليفية منه إلى العربية!
التحليل: نتيجة اعتماده على الأرقام والبيانات والنتائج التي تقدمها الآلة دون تمحيص ومراجعة، فقد قدرته على التحليل والوصول إلى معنى ما لديه من أرقام وبيانات ونتائج.
البحث: نتيجة كسله واعتماده على ما تقدمه الآلة من أرقام وبيانات ونتائج، ترك البحث وأهمله، وبالتالي فقد القدرة عليه.
حل المشكلات: نتيجة اعتماده على إحالة المشكلات إلى الآلة، وتلقي الحلول منها وتقبلها، فقد القدرة على الغوص في المشكلات والوصول إلى أسبابها وحلها.
الإبداع: الاعتماد الكامل على الآلة أدي إلى بلادة العقل وصدأ القريحة وبالتالي فقدان الإبداع.
ولقد ظهرت بوادر فقدان هذه القدرات على الكثيرين ممن أدمنوا استخدام الذكاء الإصطناعي بصورة دائمة ومستمرة.
ولذلك يجب أن نميز بين استخدام الذكاء الاصطناعي لتوسيع العقل وتنمية المهارات، وبين استخدامه لإعفاء العقل من العمل والوصول إلى حالة من البلادة والجمود العقلي والفكري.
إذ إن الاستخدام الأول يعني تمكين، وتطوير قدرات الإنسان، أما الاستخدام الثاني فيعني اضمحلال وضمور هذه القدرات وتحول الإنسان إلى آلة تنفذ أوامر الذكاء الاصطناعي الذي صنعه، وكأن الإنسان عاد إلى عهد الأوثان حينما كان يعبد الوثن الذي صنعه!!!
4-أن يؤثر الذكاء الاصطناعي في تغيير القيم الإنسانية
يمكن أن تستخدم الآلة للوصول إلى هدف ما مثل زيادة الإنتاجية، هذا الهدف ينبغي أن يسعى إليه الإنسان في حياته العملية، إذ إن زيادة الإنتاجية يمكن أن تساعد في كسب المال وكلاهما يمكنه أن يساعد في إطالة العمر، لكن هل زيادة الإنتاجية وكسب المزيد من المال، وزيادة العمر يمثلون قيما إنسانية حقيقية!
الخوف هنا أن تحصر الآلة اهتمام الإنسان في تحقيق المنافع المادية الذاتية، وبالتالي تنحصر قيم الإنسان في أهداف معيشية مادية أنانية لا تعبأ بالآخرين وﻻ تلتفت لهم نتيجة سعيه المتواصل المتكرر لتحقيق هذه الأهداف باستخدام الآلة فاقدة الحس والضمير والإنسانية، وبالتالي تصبح حياة الإنسان مجرد مسائل حسابية بعيدة كل البعد عن القيم الإنسانية العليا.
لذلك نؤكد أنه كلما ازدادت قدرة الآلة، وجب أن يزداد وعي الإنسان بمسؤوليته، فالقوة لا تعني بالضرورة الحكمة، والقدرة على فعل شيء لا تعني أن فعله صحيح، والسرعة لا تعني أن القرار صائب وفق المحددات الإنسانية والقيم العليا، وختاما فإن الذكاء لا يعني بالضرورة امتلاك القيم، فلا بد أن يتمسك الإنسان بحب الخير والجمال والإحساس بالآخرين وإلا تحول هو الآخر إلى آلة تعمل لنفسها فقط ولو على حساب الآخرين، وهنا يصبح وجود الإنسان عبئا على أخيه الإنسان، فما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط.
5. – اهتزاز ثقة الإنسان بنفسه
هذه النقطة شديدة الخطورة جدا، فمن المسلمات أن الآلة: أسرع من الإنسان، وأدق منه في كثير من المجالات، وأكثر اطلاعًا منه وأفضل منه في بعض المهام الإبداعية، وبالطبع أقوى منه كثيرا في معالجة المعلومات.
وهنا قد يسأل الإنسان: إذا كانت الآلة أفضل مني في كل هذه الأشياء، فما قيمتي؟
وهنا يجب أن ننتبه إلى أن قيمة الإنسان ليست حاصل مجموع المهام التي يستطيع أداءها.
فالإنسان لن يكون أسرع من الآلة في الحساب، ولن يحفظ أكثر منها، ولن يستطيع مجاراتها لا في الكم ولا في سرعة معالجة البيانات ، وهذا كله لا ينقص من قيمة الإنسان شيئا.
إن قيمة الإنسان مرتبطة بقدرته على اختيار الأهداف النبيلة، وتحمل المسؤولية بأمانة وإخلاص، وإقامة العلاقات الصحية مع الآخرين والعيش معهم في سلام، ومنح المعنى للحياة، والتعاطف، والحب، والتجربة الواعية للحياة التي تراكم الخبرات الإيجابية التي تجعل الحياة أكثر جمالا وسعادة لبني الإنسان جميعا دون تفرقة أو تمييز.
6. – تحول الإنسان إلى الكسل والبلادة
وهذا أخطر تحول للإنسان الذي يستعمل الآلة!
يعطي الإنسان الأمر للآلة، وينتظر النتيجة منها بينما يعطي عقله أجازة، تأتيه النتيجة من الآلة فإذا به لا يحلل ولا يمحص ويوافق علي الفور، ويعتمد النتيجة التي قدمتها له الآلة وينفذها، وهكذا يشعر الإنسان شعورا كاذبا بأنه قد حقق المراد من رب العباد!
وبذلك يتحول الإنسان إلى كائن كسول بليد، يسلم الآلة عقله، تفكر له، وتعطيه النتيجة فينفذها، ليصبح في النهاية هو الآلة، وتصبح الآلة سيدته التي تدير حياته.
لذلك ينبغي أن يكون الإنسان قادرًا على فهم القرار ومراجعته وتحديد أسس قبوله أو رفضه، وفقا لمعطياته الخاضعة لقيمه الإنسانية العليا.
يجب أن يحقق وجود الإنسان أمام الشاشة سيطرة بشرية حقيقية توجه وتتحكم وتحلل وتختار وتوافق وترفض، لا أن تتبع الآلة في مرادها حيثما كان.
7-عدم القدرة على الاستغناء
يعرف الطب الإدمان بأنه عدم القدرة على الاستغناء، وعدم القدرة على الاستغناء يعني ببساطة العجز والعبودية لما لا يمكن الاستغناء عنه وعدم القدرة على العيش بدونه!
وهذا بالطبع ينطبق على الذكاء الاصطناعي، إذ إن عدم القدرة على الاستغناء عنه سيجعل الإنسان عاجزا عن الاستمرار بدونه.
فقدان الذكاء الاصطناعي وارد جدا في حالات الحروب والنزاعات، إذ تتعطل شبكات الانترنت، كما أنه وارد جدا في حالة الاضطرابات الداخلية التي تجعل بعض الحكومات تضطر إلى قطع شبكات الانترنت، ووارد أيضا أن تتعطل في الحالات العادية نتيجة عمليات تحديث الشبكات أو الصيانة حيث تصبح سرعاتها وسعتها التخزينية أكبر، مما يتطلب أيضا استبدال أجهزة حديثة بالأجهزة المستخدمة.
في هذه النقطة ليس المقصود هو رفض التكنولوجيا، بل يجب ألا يستخدم الإنسان من التكنولوجيا ما يجعله عاجزًا عن الاستمرار بدونها، بل يجب الاحتفاظ بحد أدنى من القدرة البشرية المستقلة، حتى لا تنهار فجأة كل المصالح والأعمال المرتبطة بهذه التكنولوجيا على المستوى الفردي والجماعي والدولي.
فالطبيب ينبغي أن يعرف كيف يتصرف عند تعطل النظام, والطيار ينبغي أن يمتلك مهارات الطيران الأساسية، والباحث ينبغي أن يستطيع التفكير دون أن تكون الآلة هي المصدر الوحيد لأفكاره، والطالب ينبغي أن يتعلم قبل أن يستعين بالأداة…
بعبارة أخرى موجزة: يجب أن تزيد الآلة قدرة الإنسان، لا أن تستلب الآلة القدرة التي كان يمتلكها.
8- دخول البشرية عهد الهيمنة التكنولوجية
قد لا تكون أخطر نتائج الذكاء الاصطناعي مجرد فقدان بعض الوظائف أو انتشار المعلومات المضللة، وإنما احتمال انتقال العالم إلى عصر جديد من الهيمنة التكنولوجية؛ حيث تصبح القدرة على امتلاك وتطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية.
وتنبع خطورة ذلك من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضاعف قدرات الدولة أو المؤسسة التي تمتلكه في مجالات متعددة في الوقت نفسه: الاستخبارات، والبحث العلمي، والأمن السيبراني، والاقتصاد، والصناعة، والفضاء، والقيادة والسيطرة، والأنظمة العسكرية غير المأهولة. وبالتالي قد لا تكون القوة في امتلاك سلاح واحد، وإنما في امتلاك منظومة تكنولوجية قادرة على إنتاج أجيال متتابعة من الأدوات والأنظمة المتقدمة.
والأخطر عسكريًا هو احتمال دمج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات والطائرات والمركبات غير المأهولة، وأنظمة الاستشعار، والحرب الإلكترونية، والصواريخ، والفضاء، بحيث تصبح العمليات العسكرية أسرع وأكثر آلية وأقل اعتمادًا على التدخل البشري المباشر.
قد تكون خطورة الذكاء الاصطناعي، في بعض السيناريوهات المستقبلية، ليست في قدرته على إحداث انفجار يفوق الانفجار النووي، وإنما في قدرته على تغيير طبيعة القوة العسكرية والاقتصادية والمعلوماتية ذاتها، وتمكين من يمتلك التكنولوجيا المتقدمة من إحداث تأثير واسع ومتزامن في مجتمعات ودول وأنظمة متعددة.
فمثلًا، إذا اجتمعت أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع الهجمات السيبرانية، والحرب الإلكترونية، والتلاعب بالمعلومات، وتعطيل البنية التحتية، والأنظمة العسكرية المستقلة، والقدرات الفضائية، فقد يصبح الضرر المحتمل مدمرا دمارا واسعا متعدد الأبعاد، وليس عسكريًا فقط.
ومن هنا يصبح الخطر الأكبر هو احتكار القدرة التكنولوجية، كما تحتكر بعض الدول في العالم الآن القدرة النووية، وقد تفاجئنا هذه الدول المحتكرة للتكنولوجيا بفرض معاهدة منع انتشار القدرات التكنولوجية على غرار معاهدة منع انتشار القدرات النووية، لتظل مسيطرة ومهيمنة على القدرات التكنولوجية كما سيطرت وهيمنت على القدرات النووية.
المشكلة إذن لا تكمن في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في من يمتلكه ومن يستطيع تطويره ومن يتحكم في بنيته التحتية.
فإذا أصبحت التقنيات الأكثر تقدمًا محصورة في عدد محدود من الدول أو الشركات، فقد تظهر صورة جديدة من تفاوت القوى العالمية التي تمتلك المعرفة، وامتلاك المعرفة يفتح باب امتلاك التكنولوجيا، الذي يفتح بدوره باب امتلاك القدرة الإنتاجية، ومن يمتلك القدرة الإنتاجية يمتلك بالضرورة التفوق الاقتصادي والعسكري، وهذا يعني نفوذ سياسي عالمي جديد يمهد لهيمنة وتحكم في القرار العالمي.
وهنا يمكن أن يتحول التفوق التكنولوجي إلى مصدر جديد للهيمنة الدولية، شبيهًا بما فعلته الثورة الصناعية والتفوق النووي في مراحل تاريخية سابقة، ولكن على نطاق أكثر شمولًا.
ومن هنا تظهر مفارقة خطيرة: القنبلة النووية سلاح شديد التدمير، لكن استخدامها يتطلب قرارًا بشريًا واضحًا يصدر عن عقول واعية مسئولة، وإطلاقًا ماديًا يمكن رصده ويستحيل اخفاؤه، واخفاء من وراءه.
أما الأنظمة الذكية المستقبلية فقد تعمل في بيئات أسرع من قدرة الإنسان على الاستيعاب والتدخل، وبطريقة خفية يصعب اكتشفها، فإذا مُنحت أنظمة الذكاء الاصطناعي صلاحيات واسعة في الاستطلاع أو الدفاع أو الهجوم أو الأمن السيبراني، فإن سرعة اتخاذ القرار الآلي دون تدخل بشري واع، قد تصبح نفسها مصدرًا للخطر الغير محتمل.
ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد فقط: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل أصبح: من يمتلكه؟ ومن يسيطر عليه؟ ومن يضع قواعد استخدامه؟ ومن يستطيع إيقافه عندما يخطئ؟
إن التحدي الحقيقي أمام البشرية ليس مجرد تطوير ذكاء اصطناعي أكثر قوة، وإنما منع تحول التفوق في الذكاء الاصطناعي إلى احتكار للقوة العالمية، وضمان بقاء الإنسان هو صاحب القرار النهائي والمسؤولية النهائية.
إن تركيز قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لدى عدد محدود من الدول والشركات قد يخلق اختلالًا كبيرًا في ميزان القوة العالمي، وخلق هيمنة تسمح بعودة جبروت الحقب الاستعمارية ربما بصورة أقسى ولا مثيل لها.
9- الخطر الأكبر: أن يكون الذكاء الاصطناعي نذيرا بنهاية الحضارة الإنسانية
يمثل الذكاء الاصطناعي نقلة حضارية هائلة في حياة الإنسان تمثل بالفعل ذروةً من ذرى القدرة الحضارية الإنسانية، والتي مثلت بدورها تحولًا نوعيًا هائلا في علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل والآلة، ولهذا يمكن النظر إليه بوصفه أحد أعلى مظاهر القدرة التقنية البشرية حتى الآن؛ إذ ازدادت قدرة الإنسان على التحكم في العالم، والخوف كل الخوف أن تمثل هذه النقلة الحضارية المنتهى الحضاري الذي يبدأ بعده منحنى الحضارة في الخفوت والهبوط إلى السفح حتى يتم تدمير الأرض، نتيجة ازدياد الفجوة الهائلة بين تضخم القدرة التقنية وضمور الحكمة الأخلاقية والمسئولية السياسية التي تضبط استخدامها.
وهنا نستشهد بالآية القرآنية الكريمة التي تصور تحول الإنسان من نشوة الاقتدار إلى لحظة الانهيار في قوله تعالى:
﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
يونس: 24
واللافت فلسفيًا في الآية هو تسلسلها: من الزخرف، إلى الزينة، إلى الإحساس بالاقتدار، إلى الانقلاب المفاجئ، ومن الملاحظ أن الزخرف والزينة والإحساس بالاقتدار قد تحقق بالفعل في المسار الإنساني، وأن الكثير من النزاعات الصفرية، والتهديدات بإفناء دول وحضارات، وغرور القوة المفرطة، قد يعني أن الانقلاب المفاجئ على الأبواب لتعود الإنسانية إلى العصر الحجري مرة أخرى!!!
وهذا التسلسل يقدم مدخلًا تأمليًا بالغ القوة لفهم مخاطر الحضارة التقنية الحديثة.
فالإنسان قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها أن الطبيعة أصبحت تحت سيطرته، وأن التكنولوجيا تمكنه من تجاوز القيود التي كانت تحد قدراته. لكن الإحساس بالسيطرة على العالم قد يتحول إلى وهم السيطرة المطلقة.
وهنا تكمن دلالة العبارة القرآنية الرائعة: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾
فليست القضية مجرد امتلاك القوة، وإنما هو الظن وليس الحقيقة بأن القوة أصبحت كافية لإخضاع العالم، وقلب الموازين، وتحقيق مراد الإنسان بالقدرة المطلقة!
إن خطر الدمار الشامل للحضارة الإنسانية يزداد خاصة إذا تركزت أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في أيدي دول أو مؤسسات أو شركات محدودة، فقد يصبح امتلاك القدرة التقنية مصدرًا غير مسبوق للقوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والمعرفية، قد يفوق خطورة القوة النووية كما أسلفنا، وقد يتم استخدامها خلسة ودون سابق إنذار وبطريقة خفية غير مكشوفة وﻻ مرصودة في النزاعات الدولية، لتحقيق التفوق والهيمنة والسيطرة على ثروات العالم، ولكنها قد تجلب الخراب للجميع!
ببساطة ووضوح نقول هنا: كلما بلغ الإنسان درجة أعلى من القدرة، أصبح امتحانه الأخلاقي أعظم؛ لأن اتساع القدرة يضاعف اتساع نتائج الخطأ وخطورتها.
وهنا نصل إلى أن نتيجة غرور الإنسان الذي ظن امتلاك القدرة المطلقة، التي تمكنه من فعل ما يشاء، كانت وبالا عليه، إذ كانت النتيجة ما صورته نهاية الآية الكريمة:
﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾
يمكن قراءتها باعتبارها تحذيرًا من هشاشة المنظومات الحضارية مهما بلغت درجة تعقيدها وازدهارها.
فالمدينة التي تبدو قوية، والنظام الاقتصادي الذي يبدو راسخًا، والبنية التقنية التي تبدو عصية على الانهيار، قد تكون أكثر هشاشة مما يتصور الإنسان؛ لأن الحضارة الحديثة أصبحت شبكة مترابطة ومعقدة جدا من الطاقة، الاتصالات، الاقتصاد، الغذاء، النقل، المعلومات، الأمن، والأنظمة الرقمية و…
وبالتالي فإن خللًا طارئا في بعض العقد الأساسية لهذه الشبكة يمكن أن تكون له آثار كارثية تتجاوز بكثير مصدر الخلل الأصلي، وقد حدث هذا بالفعل في منظومات شديدة الحساسية أشهرها ما حدث من اختراق لبعض المنظومات السياسية والاقتصادية والمالية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
وهنا تظهر مفارقة أخرى:
كلما ازدادت الحضارة تعقيدًا ازدادت قدرتها، ولكن قد تزداد معها أيضًا بعض صور هشاشتها، كما أن الإنسان يزداد قدرة، لكن يستحيل أن يصبح مطلق القدرة.
وهذا فرق جوهري: فالذكاء الاصطناعي قد يمنح الإنسان قدرات هائلة، لكنه لا يلغي محدودية الإنسان ولا يلغي قوانين الطبيعة ولا يلغي السنن التي تحكم قيام الحضارات وسقوطها.
ومن هنا يمكن قراءة قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ بوصفه تحذيرًا من وهم القدرة المطلقة، التي تجعل الإنسان يظن أنه قد أصبح قادرا على كل شيء.
وهم القوة المطلقة يحول التقدم من قدرة حضارية إلى غرور حضاري، وهذا الغرور الحضاري هو المعول الأصيل لهدم الحضارة ذاتها!
خاتمة الرحلة من جن عبقر إلى الذكاء الاصطناعي
بدأ الإنسان رحلته على الأرض باستخدام قدراته الذاتية بيديه وعقله وحواسه، لكن هذه القدرات لم تكن كافية لتحقيق ما يتطلع إليه من طموحات فاقت قدراته بمراحل، ولسد هذه الفجوة بين ما يستطيع وما يريد وُلدت رحلة طويلة من البحث عن القوة.
في مراحل مبكرة من التاريخ، لجأ الإنسان إلى عالم الغيب، فتصور وجود قوى تفوق قدراته، واستعان في مخيلته بالآلهة والجن والشياطين والأرواح والقوى الخارقة لتحقيق ما يعجز عنه. ومن هنا يمكن فهم أسطورة جن عبقر وارتباطها بالإبداع والقدرات الاستثنائية؛ فالإنسان كان يحاول أن يجد تفسيرًا ومصدرًا لما يتجاوز إمكاناته المألوفة.
ثم حدث التحول الكبير: لم يعد الإنسان يكتفي بالبحث عن القوة في عالم الغيب، وإنما بدأ يصنع القوة بنفسه. فاخترع الأدوات، ثم الآلات، ثم الكتابة والطباعة، ثم الحاسوب وشبكات الاتصال، وكل اختراع كان بمثابة إضافة جديدة إلى قدراته المحدودة.
بدأ الإنسان في صناعة القوة التي يحتاجها بدل البحث عنها في الغيب، فاخترع الآلة فتخطى محدودية قدراته الجسدية، ثم اخترع الكتابة والحساب والحاسوب فتخطى محدودية قدراته العقلية، وأخيرا اخترع الذكاء الاصطناعي فتخطى محدودية قدراته المعرفية والعملية في معظم مجالات الحياة التي دخلها وهيمن عليها وسبق استعراضها مجالا مجالا.
وفي الذكاء الاصطناعي بلغ هذا المسار مرحلة جديدة؛ إذ لم يعد الإنسان يصنع آلة تزيد قدرته العضلية فحسب، وإنما يصنع أنظمة تستطيع أن تساعده في بعض وظائف التفكير والتحليل والبحث والتوليد واتخاذ القرار. وبذلك أصبح الإنسان أمام أداة مختلفة نوعيًا: أداة لا تمد يده فقط، وإنما تمتد إلى وظائف عقله وتقوم بها بكفاءة تفوقه نيابة عنه!
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فهذا الإنسان الذي صنع أداة يزيد بها من قدراته قد صنع أداة تتجاوز قدراته هو، وأصبح الخوف أن تتكرر مأساة فرانكشتين في الأدب العالمي (الذي تمردت عليه الآلة التي صنعها ومنحها قدرات لا يستطيع أن يواجهها!)
ومن هنا يتولد هذا السؤال المصيري: هل سيظل الإنسان مستخدمًا للذكاء الاصطناعي، أم سيصبح مُستخدمًا من الذكاء الاصطناعي؟!
والفارق بين الاثنين ليس في قوة الآلة وحدها، وإنما في وعي الإنسان وحدود الصلاحيات التي يمنحها سواء لنفسه أو لهذه الآلة، ومن خلال العلاقة بينهما يتحدد من السيد ومن الخادم!
الإنسان صنع الذكاء الاصطناعي لكي يزيد قدرته هو، لكنه في وجود هذه الآلة الجبارة يواجه خطرًا معاكسًا: أن تؤدي زيادة قدرة الآلة إلى تقليص ممارسة الإنسان لقدراته، وأن يتحول الاعتماد إلى تبعية، والمساعدة إلى إحلال، والاستشارة إلى تفويض، والتفويض إلى فقدان تدريجي للاستقلال.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلة ذكية فحسب، وإنما في أن يصبح الإنسان أقل تفكيرًا لأنه يملك آلة تفكر معه أو بالأخرى تفكر له، وبالتالي يصبح أقل استقلالًا لأنه اعتاد أن يترك لها الاختيار، وأقل مهارة لأنه توقف عن ممارسة ما تقوم به الآلة نيابة عنه.
كما أن امتلاك الذكاء الاصطناعي وتطويره قد يعيد تشكيل موازين القوة الاقتصادية والعلمية والعسكرية العالمية، وقد يؤدي تفاوت الوصول إلى هذه التقنيات إلى اتساع الفجوة بين الأفراد والمجتمعات والدول. ويزداد الأمر خطورة عندما تدخل هذه القدرات في ميادين الحرب، أو المراقبة، أو التأثير في السلوك البشري، أو إنتاج المعلومات المضللة لتوجيه الجماهير إلى وجهة خاطئة، أو اتخاذ قرارات تمس حياة البشر وحرياتهم.
ومع ذلك، فإن هذه المخاطر لا تعني أن الحل هو رفض الذكاء الاصطناعي؛ فالإنسان لم يتوقف عبر التاريخ عن استخدام الأدوات خوفًا من إساءة استخدامها، فرغم حوادث الطيران لم يتوقف الإنسان عن استخدام الطائرات، ورغم حوادث الطرق لم يتوقف الإنسان عن استخدام السيارات. المطلوب إذن هو امتلاك حكمة استخدام هذه التقنية الجبارة التي توازي امتلاك القوة في أوج صورها، حيث فاقت كل صور القوة التي عرفها الإنسان.
فالمشكلة ليست في أن تكون الآلة أقوى من الإنسان في الحساب، أو أسرع منه في معالجة المعلومات، أو أوسع منه قدرة على استيعاب البيانات؛ فهذه هي الوظيفة التي صنع الإنسان الآلة من أجلها أصلًا. المشكلة تبدأ عندما يسمح الإنسان للآلة بأن تحدد له ما الذي ينبغي أن يريده، وما الذي ينبغي أن يؤمن به، وما القرار الذي ينبغي أن يتخذه، وما القيمة التي ينبغي أن يعيش من أجلها.
فالآلة تستطيع أن تساعدنا في الإجابة عن سؤال: كيف نصل؟ لكنها لا ينبغي أن تستولي على السؤال الأهم: إلى أين نريد أن نصل؟ ولماذا؟
وهنا ينبغي أن يبقى الخط الأحمر واضحًا:
توسيع قدرات الآلة لا يعني إلغاء قدرات الإنسان، والاستعانة بالعقل الاصطناعي لا تعني تعطيل العقل الإنساني، وتفويض بعض المهام للآلة لا يعني تفويض الإرادة والمسؤولية إليها.
لقد كان طموح الإنسان دائمًا أكبر من قدراته، وربما كان هذا الطموح أحد أهم أسباب تقدمه. لكن التقدم لا يقاس فقط بمدى القوة التي يستطيع الإنسان امتلاكها، وإنما أيضًا بقدرته على إدارة هذه القوة لتكون قوة له، دون أن تتحول إلى قوة عليه.
الرحلة من جن عبقر إلى الذكاء الاصطناعي تحكي قصة واحدة في جوهرها:
قصة الإنسان الذي لم يرضَ بحدود قدراته، فبحث أولًا عن قوة خارقة في عالم الغيب، ثم بدأ يصنع القوة في عالم الواقع، حتى وصل إلى مرحلة أصبح فيها قادرًا على صناعة أنظمة تتجاوز قدراته المعرفية والعملية في كل المجالات!
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل هذه الرحلة:
هل سيظل الإنسان هو من يصنع القوة ويوجهها ويضع غاياتها، ويتحكم فيها، أم أن سعيه الدائم إلى امتلاك المزيد من القدرات سيقوده يومًا إلى الاعتماد على قوة يصنعها بنفسه ويضع فيها قدرات تزيد على قدراته إلى الحد الذي يفقد فيه السيطرة عليها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحددها الآلة وحدها، وإنما سيحددها الإنسان نفسه: وعيه، وأخلاقه، وتشريعاته، وقدرته على الموازنة بين الطموح والمسؤولية، وبين القوة والحكمة.
فالمطلوب في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن يتوقف الإنسان عن امتلاك المزيد من القدرة التي تتجاوز قدراته، وإنما أن يتعلم كيف يتجاوز ما شاء من حدود القدرة دون أن يتجاوز إنسانيته وقيمه نفسها والتي بدونها يفقد إنسانيته ويفقد حياته ووجوده.
رغم أن الذكاء الاصطناعي يمثل إحدى أعظم القفزات في تاريخ القدرة الحضارية للإنسان؛ غير أن هذه القفزة تفتح سؤالًا حضاريًا وفلسفيًا بالغ الخطورة: هل كل زيادة في القدرة تؤدي بالضرورة إلى زيادة في القدرة على التحكم في نتائجها؟ إن التاريخ الإنساني يبين أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة امتلاك الحكمة الكافية لضبطها. ولذلك فإن الخطر الأكبر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية، وإنما في احتمال اتساع الفجوة بين القدرة التقنية والمسؤولية الأخلاقية والسياسية.
فقد يبلغ الإنسان بفضل العلم والتكنولوجيا درجة غير مسبوقة من السيطرة على البيئة والموارد والمعلومات، فينشأ لديه شعور بأن العالم أصبح قابلًا للإخضاع الكامل لإرادته. لكن الحضارة، مهما بلغت من القوة والتعقيد، تظل محكومة بسنن وحدود كونية لا تلغيها التكنولوجيا ولا أية قوة مهما بلغت قوتها. ومن ثم فإن السؤال المصيري ليس: إلى أي مدى يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يزيد قدرة الإنسان؟ وإنما: هل يستطيع الإنسان أن يطور بالتوازي مع الذكاء الاصطناعي حكمته الأخلاقية وقدرته على ضبط القوة التي صنعها فلا تكون وبالا عليه وعلى وجوده فوق هذا الكوكب؟
إن المستقبل الحضاري للذكاء الاصطناعي لن تحدده قدرات هذا النظام وحدها، وإنما سيحدده الإطار الأخلاقي والقانوني والسياسي الذي يوجه هذه القدرات. فإذا بقي الإنسان هو صاحب القرار والمسؤولية، وظلت التكنولوجيا في خدمة الإنسان والعمران والعدالة، فهنا يصبح الذكاء الاصطناعي حقيقة مرحلة جديدة من مراحل الارتقاء الحضاري للإنسان، أما إذا انفصلت القدرات عن مسؤولية الإنسان، وأصبح امتلاك التقنية وسيلة للهيمنة والصراع والتدمير، فقد تتحول أعظم إنجازات الحضارة إلى أحد أخطر مصادر هشاشتها، وتكوت أكبر إرهاصات نهايتها.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن يصبح أكثر قدرة فحسب، بل أن يصبح، في الوقت نفسه، أكثر حكمة ومسؤولية. فكلما اتسعت قدرتنا على تغيير العالم، اتسعت مسؤوليتنا عن النتائج التي يترتب عليها هذا التغيير، وهذا ما يجب أن يستوعبه الإنسان في ظل امتلاكه قدرات تكنولوجية هائلة في عصر الذكاء الاصطناعي.
بعد استعراض المنافع الكبرى، والأخطار الكبرى أيضا للذكاء الاصطناعي، يجب أن ننحي السؤال حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي مفيدا أم ضارا، لأن استخدامه أصبح واقعا أكيدا يستحيل الحياد عنه في كافة مجالات الحياة المعاصرة كما أوضحنا، إنما السؤال الحقيقي الذي لا بد أن نسأله هو: كيف يستطيع الإنسان أن يصنع قوة تتجاوزه دون أن يتنازل لها عن قيادة نفسه، أي كيف يكون هو السيد المتحكم في هذا النظام وليس الخادم المطيع لأوامره؟!
المراجع:
أولًا: مراجع جن عبقر: الجن والشعر في التراث العربي
1-الجاحظ: كتاب الحيوان
يقدم التصورات العربية القديمة عن الحيوان والجن والعجائب، وطريقة امتزاج الملاحظة الواقعية بالمرويات والأساطير في إطار قصصي فلسفي رائع.
2- أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني
قام بسرد الأخبار المتعلقة بالشعراء والجن والشعر، وننبه على ضرورة التعامل مع الأخبار الواردة فيه بوصفها مادة تراثية لا إثباتًا تاريخيًا لكل ما ترويه، فمن الواضح أن خيال الكاتب قد تدخل ليقدم لنا الأخبار بصورة مشوقة.
ثانيًا: مراجع القرآن والتراث الإسلامي
1- القرآن الكريم
الآيات المتعلقة بـ: الجن، الشياطين، الإلهام، الشعراء، السحر، علاقة الإنسان بعالم الغيب.
ومن أهم المواضع: سورة الجن، سورة الشعراء، سورة سبأ، سورة الأحقاف، سورة الناس، وسورة البقرة.
2- الطبري: جامع البيان
يقدم التفسير التراثي للآيات المتعلقة بالجن والشياطين والشعر معتمدا على التفسير اللغوي اللفظي، وتفسير القرآن بالقرآن، وكذا الاعتماد على ما تواتر من الأحاديث النبوية.
ثالثًا: مراجع تشرح لجوء الإنسان إلى القوى الغيبية الخارقة
1-إرنست كاسيرر An Essay on Ma
يقدم الإنسان بوصفه كائنًا رمزيًا، يبني عالمه من خلال الأسطورة واللغة والدين والرموز، حيث اعتماده الرئيسي على هذه الغيبيات بكل طلاسمها وغموضها في كل ما يطرأ في حياته.
2- ميرسيا إلياده — Myth and Reality
يشرح أهمية وجود الأسطورة في حياة الإنسان، وكيف تستخدم المجتمعات الأسطورة لتفسير العالم ومنح الأحداث معنى، ومن كثرة ترديد الأسطورة يقتنع بها الإنسان وتطفو في حياته كأنها جزء من الواقع.
3- برونيسلاف مالينوفسكي Magic, Science and Religion
يناقش العلاقة بين السحر والدين والعلم، وكيف يلجأ الإنسان إلى وسائل مختلفة عندما تواجهه حدود المعرفة والسيطرة، ورغم أن العلم هو الذي قدم حلولا حقيقية لمشاكل الإنسان، إلا أن السحر والخرافات المنسوبة إلى الدين ما زالت عالقة في خياله.
رابعًا: مراجع فلسفة التقنية
أي فلسفة انتقال الإنسان من اللجوء للقوى الغيبية، إلى القوى التي يصنعها الإنسان بنفسه.
1-. مارتن هايدغر The Question Concerning Technology
مرجع فلسفي مهم جدًا لفهم العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تؤثر على علاقة الإنسان بالعالم، وتغير نظرته إلى الحياة بصفة عامة.
2-لويس ممفورد Technics and Civilization
مفيد جدًا في وضع الذكاء الاصطناعي ضمن التاريخ الطويل لتطور التقنية والحضارة، وكيف أثر في الحضارة الإنسانية إيجابا وسلبا.
خامسًا: مراجع تشرح التأثير السلبي للآلة على الإنسان
1- Nicholas Carr: The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains
كتاب يناقش أثر التكنولوجيا الرقمية على الانتباه والقراءة والتفكير والابداع، وإن كان لا يتناول تأثير الذكاء الاصطناعي الحالي بصورة مباشرة، كما يقدم شرحا وافيا لطبيعة التفكير البشري بصورة عامة، إذ يفضل الاعتماد على الاختصارات الذهنية، التي توفر الشرح الطويل، و يميل إلى قبول إجابة جاهزة بدل بذل جهد معرفي أكبر للبحث عن إجابات.
2-Donald A. Norman: The Design of Everyday Things.
يشرح العلاقة بين الإنسان والأدوات، وكيف يمكن للتصميم الجيد أن يدعم الإنسان ويساعده على التفكير المنطقي المنظم، كما يجعل الإنسان يعتمد على النظام بطريقة منهجية معينة تطور أسلوب حياته وفكره.
سادسًا: مراجع عن مخاطر الذكاء الاصطناعي
1-Stuart Russell: Human Compatible: Artificial Intelligence and the Problem of Control
يشرح كيف كيف يستطيع الإنسان أن يصنع قوة تتجاوزه بمراحل مثل الذكاء الاصطناعي دون أن يتنازل لها عن قيادة نفسه، إذ يحتفظ لنفسه بالقيادة والسيطرة على هذه التكنولوجيا الجبارة، حتى لا يتحول الإنسان من مستخدم للذكاء الاصطناعي إلى تابع له؟ وكيف يمكن أن تظل أنظمة الذكاء الاصطناعي متوافقة مع أهداف الإنسان وقيمه العليا؟
2- Max Tegmark: Life Being, Human in the Age of Artificial Intelligence
يناقش المستقبل المحتمل للذكاء الاصطناعي وتأثيره في العمل والاقتصاد والحرب والحياة الإنسانية، حيث يقدم رؤية توضح الطفرة التي سيحققها الذكاء الاصطناعي، وكذا المخاطر المحتملة التي تنتظر العالم من جراء استخدامه في كافة مجالات الحياة.
3- Nick Bostrom — Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies
مرجع أساسي يتناول سيناريوهات الذكاء الاصطناعي فائق القدرة ومشكلة السيطرة والمخاطر المستقبلية المتوقعة من هذه القدرة الفائقة التي ستجعل من يهيمن عليها يتحكم في مقدرات العالم سواء أكانت دولة واحدة أو مجموعة من الدول تحتكرها.
سابعًا: البطالة ومستقبل العمل في ظل الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي
أهم الجهات التي تم الرجوع إليها:
- منظمة العمل الدولية ILO
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD
- المنتدى الاقتصادي العالمي WEF
- صندوق النقد الدولي IMF
- البنك الدولي World Bank

