كعادتهم كلَّ مساء يلتقي فتية الحي في ذلك المكان المنعزل من الحي يتجاذبون أطراف الحديث.
غالبية أولئك الفتية من أُسَر تقلَّصت فيها مساحة دور الوالدين في تربية الأبناء واتسعت مساحة التواصل عبرالانترنت؛ لذلك يأخذهم الحديث حيث يشاء، منفلتاً من قيوده، دون خبرة أو معرفة ودون ناصح أو موجِّه.
في ذلك المساء دار حديثهم عن المرأة.
قال أحدهم إنَّ المرأة مخلوق غامض وغريب، لا يمكن الثقة به.
فتى آخر وصفها بأنَّها جاهلة يحكمها المزاج، وتفتقر إلى الحكمة.
آخر نعتها بأنَّها شيطان، والآخر بأنَّها تمساح، ولا ينبغي تصديقها حتَّى حين تبكي.
على مقربة منهم كان رجل طاعن في السِّنِّ يسمع بعض ما يدور من حديث.
أزعجه ما قاله أولئك الفتية، فعلَّق من بعيد:
أنتم يا أولادي تتحدثون عن الأمِّ التي حملتكم شهوراً ورعتكم سنين، وعن الأخت التي تربَّت معكم تحت سقف واحد، وعن الحبيبة التي ستسعَون إليها بأقدامكم لتشاركَكم آمالكم وتعينَكم في بناء مستقبلكم.
أتستحقُّ هذه المرأة أن تقولوا فيها ما قلتم؟!
صمتَ الفتية قليلاً ريثما يغادر ذلك الرجل…
ليبدؤوا هذه المرة حديثاً آخر عن كبار السِّنِّ الذين يقطعون على الشباب أحاديثهم وينتهكون خصوصيتهم، فيصفونهم بما يصفون، مما يعلمونه عنهم ولا يعلمون، ولله في خلقه شؤون!

