تمر الأبنية والسيارات والشوارع بجانبها مسرعة، وهي تتابع بدهشة من نافذة السيارة المنطلقة، فتطوي الطريق طياً.. لم تكن تعرف إلى أين ستذهب بها؛ كل شيء يمر بسرعة، والوقت كذلك، والجالسون معها صامتون، مطأطئي الرؤوس.. تعرفهم جيداً، لكن يبدو أن الحزن ودموعهم الملتهبة المنسابة تجعلهم لا يستطيعون الرد على سؤالها..
” إلى أين نحن ذاهبون؟!”
لا يتكلمون؛ أصابها حزن من تجاهلهم المقصود، وعادت تنظر مرة أخرى خارج الشباك للشوارع والطريق المنساب على الجانبين.. وحين توقفت السيارة، نزل الجميع، وأتى البعض منهم وحمل ذلك الصندوق الطويل، والذي بدا ثقيلاً عندما أحمّرت وجوههم ونفرت العروق على جباههم فناءت به أكتافهم..
لا زال الحزن مخيماً على الجميع، فهّمتّ تسرع الخطى من خلفهم، وهم يمشون منكسي الروؤس وقد تحشرجت أصواتهم الملتاعة بالدعاء؛ وفي داخل حفرة مستطيلة، أنزلوا الصندوق وأهالوا عليه التراب، ثم غرسوا بعض الزهور الملونة فوقه، فهمس أحدهم لزوجها الذي لم يلق بالًا لها ولم ينظر حتى إليها
ـ هيا بنا، لا فائدة من الوقوف هنا، هي الآن في مكان أفضل. فليرحم الرب روحها الطاهرة.
ثم أخذ الجميع في الانصراف واحدًا تلو الأخر، وهمت هي لتلحق بهم، لكن جسدها لم يطاوعها، قدماها لا تساعدها على السير رغم أنها لا تشعر بثقل فيهما على الإطلاق؛ شيء ما يكبلها، نادت زوجها الذي كان يمشى حزينًا..
ـ لماذا لا تسمعنى؟! لماذا مشيت؟! هل ستتركني هنا وحدي؟! انتظرني.
لم يسمعها سوى أذناها، رحل الجميع ولازالت عاجزة عن اللحاق بهم أو حتى التقدم بعيداً عن محيط ما فوق الحفرة المردومة لتّوها.. فدارت بعينيها الذاهلتين فيما حولها، لتجد العديد مثلها بأجسام أثيرية شفافة، يجلسون مستسلمين فوق قبورهم..

