إلى بكر محمد، الرسّام
حبسني الرسام القاسي داخل إطار خشبي غليظ أحكم غلقه بخبث مبين.
كان البورتريت مكتظاً بتفاصيل بديعة، حيث لحية الكاتب تكاد تأكل كل الوجه، وشعر رأسه ظهر نازلاً من جهة الصندوق كأنه ضفيرة مربوطة بباب مدرسة إبتدائية.
ثمة ساقيتان تهبطان من جانبي الخشم الكبير وتصبان تحت اللحية البيضاء المزدانة ببقيا شعرات سود يتيمات.
في معرض الوجوه المعلقة على حوائط قاعة المدينة الكبرى، إشترتني امرأة بدت مخيمة على باب السبعين، ووجهها ما زال محتفظاً بوسامة مدهشة.
وضعتني مقمطاً بصندوق سيارتها المرفهة ودارت بي دورة طويلة ومملة حتى بوابة قصرها العظيم.
نمت ليلتها فوق مائدة طعام هائلة ، وعندما صعدت سيدتي إلى غرفة نومها، هبطت عليَّ فكرة تحطيم “البرواز” والهروب بليل نحو مرسم الصعلوك الأمين، حيث كنت أنصت معه إلى أجمل الأغنيات وأراقب بلذة منعشة حركة فرشاته العجيبة وهي تخلق لمة طيبة من الصحب تتكىء جلها على أسافل الحيطان، بعيداً عن عملية التعليق والشنق التي فعلتها شاريتي العاشقة.
منذ سنوات لم أعد أتذكر عديدها الطويل، بقيت مصلوباً على جدار صالة السبعينية، وكلما حاولت كسر مستطيل الخشب، فشلتُ وساح خيط دم جديد على ما تبقى من رقبتي.

