عندما تبحث في معجمات اللُّغة العربيَّة عن الألفاظ المشتقَّة من الجذر (ح ك م) تجد من المعاني ما لم يَعُدْ مستخدماً بدلالته المعجميَّة أو ما غاب عن اللِّسان العربيِّ في زمننا هذا حتَّى آن له أن يرحل إلى المعجم التَّاريخيِّ للُّغة العربيَّة الَّذي يحفظ ذاكرة الكلمات ويسجِّل تاريخها واستخدامها بدلالاتها الأولى وتحوُّلَها عبر العصور. وربَّما تتساءل: كيف صارت الكلمة تخادع معناها؟
نقرأ في المعجم الوسيط أنَّ من معاني (الحُكْمِ) العلم والفِقْه، والحِكْمة، والقضاء بالعدلِ، وأنَّ الحاكم إنَّما قيل له ذلك لأنَّه يمنع الظَّالمَ عن الظُّلم. ولو وضعنا (الحُكْمَ) في جملة مفيدة تصف حكَّام العَرب فلن نستطيع أن نحمِّلها معنى العلم والفِقْه ولا الحكمة ولا القضاء بالعدل. والحاكم اليوم كفزارة الَّذي قال له الشَّاعر:
ومن المظالمِ أن تكونَ على المظالمِ يا فَزارَة!
ونجد في كتابات الأوَّلين وأشعارهم أنَّ (الحكومة) و(الأحكومة) تعني الحُكْم، كما في قول الفرزدق:
ما أنتَ بالحَكَمِ التُرضى حكومتُهُ ولا الأصيلِ ولا ذي الرَّأيِ والجَدَلِ
وقول المتنبِّي:
وإذا القلوبُ أبتْ حكومتَه رضِيَتْ بحُكْمِ سيوفِه القُلَلُ
وقول الحَيْصَ بَيْص:
وإنِّي وإنْ لم تنصفوا في حكومتي وشوَّهتمُ بالظَّنِّ حسنَ ولائي
لَمُثْنٍ عليكم في مَغيبٍ ومَشهَدٍ و أينَ ثناءٌ خالدٌ كثنائي
وتقرأ كلام الأصمعيِّ أنَّ “أصل الحُكومة ردُّ الرَّجلِ عن الظُّلم” فيأخذك العجب وتصيح: كيف يصحُّ هذا والحكوماتُ مثلُ أشواكِ سمٍّ أنبتته أرض الشُّعوب الوخيمة؟1البيت لأحمد الصَّافي النَّجفيِّ: فالحكوماتُ مثلُ أشواك سمٍّ أنبتته أرضُ الشُّعوب الوخيمة
اعلمْ، إذن، أنَّ من سُنَن العرب أن تسمِّيَ الشَّيء بضدِّه من باب الفأل الحسن أو التَّلطُّف، فتقول للملدوغ “سليم” تفاؤلاً بسلامته، وللأعمى “بصير” تلطُّفاً معه. فكأنَّك تتفاءل بأن يُصلِحَ الله الحكومات العربيَّة أو يقتلعها ويأتي بغيرها أقلَّ ظلماً ويصلح أحوال بلادنا و
تقوم فيها بالسَّدادِ حكومةٌ وتزول عنها دولةُ الأوغادِ2البيت لجميل صدقي الزَّهاويِّ من قصيدة مطلعها: أتعودُ بعد تصرُّمٍ ونفادِ أيَّامُ بغدادٍ إلى بغدادِ
أو كأنَّك تترفَّق بشعورك وتتلطَّف مع نفسك وتخفِّف عنها وطأة الغيظ والحنَق والشُّعور بالقهر وأنت ترى جور الحكومات والحكَّام وفجورهم يمتدُّ في البلاد والعباد طولاً وعرضاً.
ومن الألفاظ المهجورة المشتقَّة من (حكم) لفظ (الحَكَمَة) وهي حديدةٌ تُجعَل في فم الفرس تمنع جِماحَه. وفي القاموس المحيط “الحَكَمَةُ من الإِنسانِ مُقَدَّمُ وَجْهِه، ورأسُه، وشأنُه، وأمْرُه”. وفي الحديث الشَّريف بإسنادٍ حسن: “ما من آدميٍّ إلَّا في رأسِه حَكَمَةٌ بيدِ مَلَكٍ فإنْ تواضعَ قيل للمَلَكِ ارفعْ حَكَمَتَه وإذا تكبَّر قيل للمَلَكِ ضَعْ حَكَمَتَه”. وكانت العرب تدعو للرَّجل بالخير فتقول: رفعَ الله حَكَمَتَه، أي رأسَه وشأنَه. فإن شئتَ ألَّا تهجر الكلمة فلكَ أن تدعو على الحاكم المارق أن يضعَ الله حكَمَتَه وينكسَه على رأسه، وما ذلك على الله بعزيز.
- البيت لأحمد الصَّافي النَّجفيِّ:
فالحكوماتُ مثلُ أشواك سمٍّ أنبتته أرضُ الشُّعوب الوخيمة
- البيت لجميل صدقي الزَّهاويِّ من قصيدة مطلعها:
أتعودُ بعد تصرُّمٍ ونفادِ أيَّامُ بغدادٍ إلى بغدادِ

