هذه مكتبة عائليَّة تخصُّ أسرة آل (باش أعيان) تضمُّ مجموعة من الكتب المطبوعة والمخطوطة وعدداً من الدوريات العلمية والأدبية بلغات عدَّة فضلاً عن رسائل ووثائق وصكوك في شتَّى المواضيع والمناسبات. ومن بين الكتب المخطوطة والمطبوعة بعض من أقدم الكتب في العالم وأندرها. تحتلُّ المكتبة العباسية غرفة واسعة في ديوان الدار مجهَّزة بسلسلة من الرفوف الخاصَّة أعدَّتها الأسرة لهذا الغرض منذ عقود.
يرجَّح أن تكون بعض المخطوطات التي نجت من الغزو المغولي لبغداد عام 1258م النواةَ لهذه المكتبة التي يُروى أنَّ بعض الناجين من أمراء بني العبَّاس تمكَّن من نقلها في صناديق خشبية محمَّلة على زوارق نهرية في نهر دجلة من بغداد إلى البصرة. وسواءٌ أصحَّت هذه الرواية أم لم تصحَّ فقد عُرفت الأسرة بولعها في اقتناء النفيس من الكتب وجمعها منذ استيطانها البصرة في أواخر القرن الهجري السادس (الميلادي الثاني عشر). والمكتبة العباسية تضمُّ الآن أكثر من أحد عشر ألف كتاب، منها قرابة ألف مخطوطة والباقي معظمه كتب مطبوعة إلى جانب الدوريات والرسائل العلمية والأدبية بلغات شتَّى كالتركية والهندية والفارسية والإنجليزية. وفي العصر الحديث أضيفت للمكتبة مجموعة قيمة جديدة ورثها عميد الأسرة في زمانه الشيخ (عبد الله ضياء الدين) بن (عبد الواحد الكبير) بن (عبد اللطيف) بن (ياسين باش أعيان) المتوفَّى عام 1922م من جدِّه لوالدته الشيخ (أحمد نور) بن (محمد شريف الحرمي الأنصاريّ) قاضي الشافعية في البصرة المتوفَّى عام 1302ه (1884م).
تضمُّ المكتبة كتباً ومخطوطات تتباين موضوعاتها بين الأدب واللغة وعلوم الدين والتاريخ والفلسفة والتراجم والفلك وعلم العَروض والروايات. ومن أقدم المخطوطات وأهمِّها كتاب “الإيضاح في الوقف والابتداء” الذي خطَّه دون تنقيط الخطَّاط (طاهر) بن (عبدالكريم) بن (الخضر الخضيريّ الأنصاريّ) في (دمشق) وأكمله بتاريخ 3/11/540ه، وهو من تأليف (أبي بكر) بن (محمد) بن (القاسم) بن (الأنباريّ البغداديّ اللُّغويّ) المتوفَّى عام 328ه. ومن الكتب المخطوطة القديمة المهمَّة أيضاً كتاب “العيون والنكت في تفسير القرآن” للماوردي الذي يرجَّح أنَّ خطَّه كان على يد الخطَّاط المشهور في زمانه (ياقوت المستعصميّ) الذي عاش في القرن الهجري الخامس (الميلادي الحادي عشر) وهو من تأليف (أبي الحسن علي) بن (محمد) بن (حبيب البغدادي) المتوفَّى عام 450ه، والنسخة الموجودة في المكتبة العباسية في (البصرة) تحمل ختماً خاصَّاً بأميرة عبَّاسيَّة من أهل بيت آخر خلفاء بني العبَّاس الخليفة السابع والثلاثين (المستعصم بالله العبَّاسيّ). ومن الكتب القيِّمة أيضاً “شاهنامه” لشاعر الفرس (الفردوسيّ) وكتاب “نهج البلاغة” لسيِّدنا الإمام (عليّ بن أبي طالب) كرَّم الله وجهه الذي جمعه (الشريف الرَّضيُّ) المتوفَّى عام 406ه. وهناك أيضاً كتاب “الاكتساب في تلخيص الأنساب” بخطِّ مؤلِّفه (قطب الدين محمد) بن (خضر الخيضريّ الشافعيّ) المتوفَّى عام 894ه، و(ديوان ذي الرُّمَّة) الذي خطَّه بأحرف بارزة وحبر صيني ممتاز ودون تنقيط (غيلان عيضة) بن (بهنس) بن (مسعود) في أوائل القرن الهجري الثامن وأكمل الجزء الأول منه عام 695ه.
وفضلاً عمَّا توالى على العراق عامَّةً والبصرة خاصَّةً من ويلات الحروب والأوبئة وجور الولاة والكوارث الطبيعية عانت المكتبة في العصر الحديث، وما زالت، من مخاطر جسيمة وتهديدات حقيقية لمصيرها، منها ما هو ناجم عن البيئة العامة مثل رطوبة مناخ البصرة المقرونة بشدَّة حرارته خلال أشهر الصيف الطويلة والأتربة الموسمية، وما هو ناجم عن البيئة الداخلية وأخطرُ عناصرها قِدَمُ جدران المنزل والأَرَضة ودود الورق، علاوةً على حادثات الدهر مثل الحروب وشحَّة الموادِّ وشحَّة الطاقة. ونتيجة ذلك كله أصبح وضع هذه المكتبة النفيسة يدعو للقلق الشديد لا سيَّما بعد تآكل رفوفَها الخشبية وتقشُّر طلاءَ خزاناتها الحديدية القديمة فصار لزاماً صيانة دار الأسرة ومكتبتها الأثريَّة، وبعد جهود أصبحت الدَّار في عهدة مديرية الآثار ومحافظة البصرة. وفي مركز المخطوطات والتراث البصريّ التابع لديوان محافظة البصرة عرض تاريخيّ عن الأسرة والمكتبة.
لقد نجحت أسرة (باش أعيان) على مرِّ العصور في إحباط المحاولات الجائرة غير المشروعة للاستيلاء على مكتبتها التاريخية هذه الموقوفة وقفاً ذريَّاً على الرغم من تنوُّع الأساليب والذرائع التي استعملتها جهات مغرضة، رسمية وغير رسمية، بما في ذلك التهديدات والضغوط والعروض المادِّيَّة المغرية والتدليس والاحتيال فقد أصر أفراد الأسرة كلُّهم على مرِّ العصور على التَّمسُّك بهذا التراث الديني والقومي كأمانة في أعناقهم أمام الله والتاريخ وتجاه الأمة، للأجيال القادمة، وإلى ما شاء الله.

