حانت ساعة الصفر التي ظلَّت رقيَّة تتهرَّب من مواجهتها لسنوات عدَّة. استلمتِ الأمر النهائي بالإخلاء العاجل بعد أن وُضعت إشارة حمراء على ركن العمارة إعلاناً صارخاً أنَّها مشمولة في مشروع الإزالة. كم تهرَّبت رقيَّة من هذه اللحظة التي ستجبَر فيها على مغادرة بيت العائلة وراوغت الورثة مرَّات باللطف والكياسة المعهودتين بها ومرَّات أخرى، أكثر من الأولى، بغضب ظاهر كانت توشك معه على الوقوع في خانة التصنيف ” لمَّا وزَّعوا الذوق كانوا فوق!”، إلى أن اضطرَّت إلى شراء نصيب الجميع في ملكية البيت، وإن لم تفلح في شراء قلوبهم وتعاطفهم، فهي من جانبها تفهَّمت بصدر رحب قرار الجميع بالخروج من البيت الكبير بزقاق العمدة إلى حياة أكثر استقلالية في منازل أكبر في أحياء جديدة وإن كانت بعيدة نسبيَّاً عن المسجد الحرام.
أمَّا هي فقد ذابت روحها حبَّاً وصارت سائلاً نورانياً امتزج بصلابة حجارة البيت وأساساته. غالبتها دمعات حارَّة وهي تجمع ملابسها وأشياءها الخاصَّة، وأهمها ألبومات الصور ومعها ذكريات العمر بكل لحظاتها السعيدة والحزينة، وتشرف على نقل قطع الأثاث، أو الشهود الصامتين على ما ارتحل من زمن وأحداث وأحباب غوالي.
“الحمد لله مدام، هذا بيت كمان مو بعيد كثير من حرم”
تبسَّمت رقيَّة وهي تسمع كلمات العاملة وتعجَّبت ممَّا سكبته في نفسها من سلام بالرغم ممَّا كانت تحسُّه من ثقل جاثم كصخرة ثقيلة على قلبها وهي تدخل البيت البديل بالقرب من مسجد الجنّ.
“السلام عليكم دار قوم مؤمنين”. تنهَّدت رقيَّة بزفرة حارَّة وهي تنظر من النافذة بمشاعر متشابكة وذهن مشوَّش إلى المنظر الجديد الذي تطلُّ عليه حجرة نومها.
لا إله إلَّا الله.
“ربَّما كان قراراً خاطئاً أن اخترت هذه الغرفة للنوم وهي تطلُّ على المعلاة، أم تراه اللاشعور اقتادني بلطف وحنان لأقرب نقطة جغرافيَّة لأكون بالقرب من الأحبَّة؟” طمأنت نفسها وأحسَّت ببعض من الأندروفين ينساب رقراقاً في دمها فشرعت في قراءة الفاتحة على أرواح اشتاقت لها شوقاً لو هطلت ديماته على خراب يباب لارتوى وأينع جنَّات معروشات.
مع انتصاف الليل أوت رقيَّة إلى مخدعها بسكينة وهدوء بعد انتهائها من وِرْدِها ولسانُها ما يزال رطباً بذكر الله والصلاة على نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم
” يا واتي تعالي بسرعة!”
ارتعبت العاملة المسكينة وهي تسمع نداء سيَّدتها ونظرت مسرعة إلى ساعة جوَّالها وأسرعت إليها والخوف يملأ قلبها من مكروه قد أصاب السيدة المسنَّة.
” هيَّا بسرعة! أدخِلي العمال، جابوا الكراسي، خليهم يرصوها بترتيب قدام الكوشة، وبعدين تعالي ساعديني نشيل تبسي اللّعابة، ويا حلاه من تبسي! خليها تنبسط هي وفرقتها وتخلي ليتنا زهر كلها طرب.. أنت ما شفت صحون الفوفل واللبان والسكر النبات من أحسن نوع، المرصوصة برستكة وترتيب؟ والا قطع القماش الفخمة من أشهر القماشين هناك.. تحت عمارة الأشراف، وبعدين تعالي شيلي بقش بيت العريس هو وأبوه وإخوانه.. يلا بسرعة أتحركي!”
وقفت العاملة مذهولة من تدفُّق الطلبات وقد استغلق عليها الأمر فهي لم تفهم شيئاً البتَّة سوى أنَّ سيِّدتها تطالبها بفتح باب العمارة في الثالثة صباحاً لعمَّال مجهولين.
” يا بنت تحرَّكي .. الزَّفَّة بدأت.. مو سامعة؟”
أطلقت رقيَّة زغرودة طويلة ثمَّ تهلل وجهها وهي تردِّد بترنُّم وتنغيم وصوت رخيم:
الصلاة على حمى طه محمَّد سيد الخلايق
يا مليح يا ضيا العين الله تعالى يحرسك من العين
يا مليح ويا زين الله تعالى يحرسك من العين
الصلاة والسلام تغشاك يا نور الأعيان
يا بديع الجمال
يا شبيه الهلال
فجأة خفتت أصوات الدفوف وتوارت وجوه الجميع حتى العروسين السعيدين اللَّذين ظلل الحياء ملامحهما الجميلة، وجميع مشاهد الزفاف بتفاصيله الدقيقة.
” هيَّا يا واتي ننزل بسرعة للمقعد. أهل المولد وصلوا والسّتَّات كلهم بيستنوا، يلا يلا..
ولا تنس قوارير الزمزم، ترصيها قدام أهل المولد عشان تحصل البركة إن شاء الله.”
علا صوت السيدة رقيَّة وتهلَّلت أسارير وجهها وانطلق صوتها يعلو بالتدريج وهي تنشد بكلِّ حماس:
صلَّى الله على محمَّد
صلَّى الله عليه وسلَّم
سلامي على طه
سلامي على ياسين
ارتسمت أروع ابتسامة على محيَّاها وهي تهفهف بكلتا يديها الهواءَ المعطر بأجود أنواع البخور نحو وجهها وتقول بلطف بالغ: ” طاب طيبك وعاش حبيبك.”
” مدام أنت لازم نامي.. مدام فين روحي دحين؟”
استولى الخوف والذعر على العاملة وهي ترى سيدتها تلبس عباءتها وطرحتها البيضاوين وتنزل الدرج مهرولة باتجاه الباب ثم أسرعت كغزالة أُطلقت للتو من أَسْرها، وكأنَّها لم تشتكِ يوماً من أيِّ ألم في مفاصلها.
ارتدعت فرائص واتي وهي ترى رقيَّة تتجه نحو المقبرة. كلُّ ما استطاعت فعله في تلك اللحظة الرهيبة العودة إلى البيت وإحضار جوَّالها والمفاتيح ثم الانطلاق للشارع علّها تلحق بالعجوز.
حمدت الله أن أدركتها، لكنَّها وجدتها مسجَّاة في سكون عند باب المعلاة والنور والسلام يشعَّان من وجهها المبلَّل بالدموع.

