قصصٌ قصيرة جدّاً
الشَّجرة
قرَّرتُ صباح اليوم أن أذهب إلى بستان المدينة. الخريف بدأ ينشر ظلَّه على أوراق الشَّجرة الَّتي ألجأ إليها أحياناً.
سألتني الشَّجرة:
-هل ما زلتَ تستمع لأخبار الحروب؟
-وهل ما زلتِ تتذكَّرين؟ كان الأمر قد مضى عليه ثلاثة وثلاثون عاماً. كنتُ هنا وأخبرتكِ عن الحرب الَّتي أبعدتني عن حبيبتي ذات العينين العسليَّتين.
سقطت ورقة صفراء من الشَّجرة. نسيمات الهواء دفعتها بعيداً عنِّي. انحنت أغصان الشَّجرة وداعبت جبهتي. سمعتُ همساً يتردَّد في أذني: حبيبتُك أصبحت قريبة، فهل استوعبت الدَّرس؟
البحيرة
ها أنتَ تداعب حفيدك الصَّغير قرب بحيرة احتلَّ الفنارُ الأبيضُ الجانبَ الأيمنَ منها. تنصتُ باهتمام لخرير نُهَير يصبُّ في السَّواقي القريبة. الحفيد يداعب سنجاباً مذعوراً، وبطَّةٌ جائعةٌ تطارد فتاةً تحمل كيساً مليئاً بالطَّعام. ألتقي بصديقي الَّذي يحبُّ المشي دون رفيق. يسألني عن آخر أخبار الوطن. أصمت للحظات وعيني تتابع حفيدي الَّذي ما زال يطارد الِّسنجاب المذعور.
صوت
إنَّه يشبه معلِّم التَّاريخ في مدرستي البغداديَّة. هذا الرَّجل الخمسينيُّ ذو الشَّعر الأشيب والوجه المحتقن والأنف المدبَّب والجبهة العريضة. كأنَّه هو بعينه. التقيته في مكتبة المدينة اليوم وأنا أبحثُ عن كتاب في الذِّكاء الاصطناعيّ. تذكَّرتُ المعلِّم وهو يسألني يوماً بصوته الأجشِّ: ما نعني بالتاريخ؟ تجسَّدتْ أمام عيني ساحاتُ المعارك وراياتُ جحافل الجيوش، ورأيتُ طاولاتِ مفاوضات وأوراقَ قرارات لا يُعترف بها وتظاهراتِ شعوب حائرة تبحث عن أمل. ما زال الصَّوت يتردَّد في أذني. الرَّجل الخمسينيُّ المتعَب يقترب منِّي والدُّموع تملأ عينيه.

