عن د. سُهيلة أسعد نيازي أستاذة الأدب المقارن في كلِّيَّة الآداب/ جامعة بغداد
بقلم: يقظان نعمان ماهر
مقاماتٌ تهوي وتختفي قممٌ، وتترك لنا السُّفوحُ سنابلَ عطشى وأرضاً تبور.
وعلى الرَّغم من الفراغ الذي تتركه فينا وعلى الرَّغم من الأسى والأسف تزرع شغفاً يجدِّد لنا معنىً للحياة برحلتها، بمسيرتها، بجدواها.
ومن حفيِّ الأقدار والحظّ الوفير أن تصادفك نماذج من البشر تُسرُّ بها وتُسعد بلقائها وتنتفع بعلمها ودرايتها فترى الأشياء لا كما يألفها الناس وتتجلَّى لك سبل المعرفة ببصيرة لا يمتلكها كثيرون.
وكان قدري أن تجمعني علاقة قرابةٍ بالدُّكتورة سهيلة أسعد نيازي صاحبة الأثر المبدع والنقد الرصين للأدب الإنجليزي الثَّرِّ إثر زواجها بخالي العزيز، فكنت محظوظاً بذلك القدَر. كانت تضيء أيَّامنا وتنقل لنا من تجربتها وخزينها وتنوُّع معرفتها وما امتلكته من رصيد في تساؤلات لا تقف وحوارات لا تهدأ.
كنَّا نعدُّها مكتبة متنقِّلة بين الفنِّ والأدب وجمال الروح واللياقة عند الطلب. أنشأت فينا ملَكة ابتكار المعاني والبحث عن الرمز والدلالة في فهم الرواية واختيار التعابير عند السرد وعند النقد وفي الإشارة.
اعتادت هذه الأيقونة أن تستفيق عند الأصباح؛ تستيقظ باكراً لتزاول هواية الرسم فترسم أحبَّ الطيور وأعزَّها لديها، الكناري، لرقيِّه ودقَّته وجمال صورته، وكان هذا الطَّير يحمل رسائلها للأهل والأصدقاء في بطاقات معايدة لوَّنتها بريشتها. ثمَّ إنَّها أعلنت حبَّها (للكناري طائر الجمال والتَّغريد) في كتاب ألَّفته عن أصله ونوعه وتربيته، وزيَّنته برسومها. هذا أوَّل ما ماز مقامها عندي وخلَّدها في ذاكرتي.
بدأت رحلتي معها حينما أنارت بصيرتي بتحليلها وجهَ الموناليزا للعبقري ليوناردو دافنشي مشيرة إلى الحزن الدفين المخفي في ابتسامتها الشهيرة. واستمرَّت برفدي وتغذيتي بما هو نافع طيلة السنوات التي كانت فيها في العراق، فكلَّما شاءت الظروف وسنحت الفرصة سعيت للقائها فكانت تحدِّثني عن اقتفاء الأثر في النقل وفي السرد وعند استقراء الفكرة والإحاطة بالحدث.
حدَّثتني عن (الدكتور فاوست) ملحمة الكاتب والفيلسوف الألماني الشهير غوته الّتي قدَّمها للمسرح الكاتبُ الشهير كريستوفر مارلو. تقول الخالة سهيلة: هذه المأساة لم تنتهِ ولن تنتهيَ بسبب نوازع البشر المضطربة ومركَّب النقص في جملة البشر.
وأظهرت لي البعد النفسي وفضاءه الرومانسي في روايات (مرتفعات وذرنغ) للكاتبة أيميلي برونتي و(جين آير) للروائية شارلوت برونتي و(مأساة مايرلنج) للكاتب بول ريبو.
وزادتني شوقاً لسبر غور فكر حوَّاء عندما ترجمت كتاب (المرأة والتأليف) الذي ضمَّ مجموعة دراسات ومقالات في الأدب الإنجليزي تظهر شفافية التعبير ونبل المعاني التي تعتني بها المرأة. أمَّا ترجمتها القيِّمة لكتاب (محنة الشَّاعر في أزمنة المُدُن) لويستان أودن فقد أظهرت جهدها وبراعتها ووشت باختياراتها المتميِّزة؛ فهذا الكتاب بحث اجتماعي يقرُّ بمنزلة الفنَّان الشاعر في تصدِّيه لحركة المجتمع وتبنِّيه حتميةَ التطور والتغيير واللحاق بمفهوم المعاصرة سعياً إلى إرضاء الحاجات وإطفاء الرغبات دون التَّخلِّي عن مهمَّته الإبداعية. وبالقدر الذي يعطي الكاتب حبكة لقارئهِ تُرضي توقُّعاته وتبرِّر فضوله جاءت ترجمتها الفذَّة لكتاب (فنُّ الإقناع) للمؤلِّف لارس هارتفايت، وهو كتابٌ في النَّقد السَّرديّ، محقِّقة المعادلة بين تلك الصلة وذلك القدر من الإتقان.
وهنا آتي على ذكر الشاعر وليم وردزورث الذي يعدُّ -إلى جانب صاموئيل كوليردج- من أعمدة الشعر الرومانسي في الأدب الإنجليزي. لقد حرَّكت الخالة المبدعة بترجمتها (مرثيَّتَه) جبلاً من المشاعر ووهاداً من شجنٍ وأحيت في نفسي الحسَّ الرومانسي الذي لوَّن بعدها كتاباتي كلَّها.
ثمَّ أصل إلى محطَّة وليم بليك الرَّسَّام والشاعر الفذِّ الذي لم يكن معروفاً في حياته غير أنّه يعدُّ اليوم الشخصية المحورية في تأريخ الشعر والفنون البصرية في العصر الرومانسي. اختارت له الخالة سهيلة قصيدة (أغاني البراءة) لما لها من صلة بواقع الأدب الإنجليزي آنذاك حين ساد مفهوم البحث عن مضامين جديدة بفعل حركة المجتمع إبَّان الثورة الصناعية؛ صوَّرتِ القصيدةُ الطفلَ الذي يكبر في أوج معاناته من الحياة التي كان يعيشها في تنظيف المداخن وخدمة الناس الميسورين وهو لمَّا يستطع النطق بعد. هذه القصيدة ترجمتها الخالة سهيلة ضمن مجموعة قصائد ونصوص أدبيَّة تناولتْها بالنَّقد والتَّحليل ونشرتْها في كتاب (صورة الطِّفل في الأدب الإنجليزيّ).
وبعيداً عن التَّرجمة الأدبيَّة اختارت، بذكاءٍ وحسٍّ إنسانيٍّ عالٍ، أن تترجم كتاب ويني مانديلا (شيءٌ من روحي) الَّذي أظهر سيرة المناضل الشهير نيلسون مانديلا وصوَّر ما عاشته الأغلبيَّة السوداء من أيَّام سوداء قاسية إبَّان الفصل العنصري في جنوب أفريقيا حتَّى نالوا استقلالهم وتحرَّروا من عبودية الاستعمار.
إنَّ ممارسة الدُّكتورة سهيلة أسعد نيازي فنَّ الترجمة لم تكن إلّا شغفاً تحسبه شغف الشعراء وهوىً تظنُّه هوسَ الفنَّانين وروحاً تخالها أحاسيس الموسيقيين. وكيف لا وهي تنحدر من عائلة نبيلة كريمة النسب عشقت العلم والفنَّ والأدب؟
وكان لكرمها المعرفي إضاءاتٌ أنارت لنا السبيل وحسمت اختياراتنا. كانت تصف البعد الإنساني للأعمال الأوبرالية وتحرص على الإضاءة على الجانب الإبداعي لأساطين الموسيقى وبراعتهم في الصياغة والتأليف، فتلفت نظري إلى موزارت العملاق النمساوي الأصل أحد أعمدة الموسيقى الأربعة إذ يبدع موسيقاه مجسِّداً بإداء موسيقيٍّ مذهل عمق الفكرة وجمال التعبير في (أوبرا زواج فيكارو) الشهيرة وفي (أوبرا دون جيوفاني/ دون جوان) التي ألهمت الشاعر البريطاني الكبير بايرون في تأليف ملحمته الشهيرة في أوائل القرن التاسع عشر.
شُغِفَت الخالة سهيلة بالسِّيَر الذاتية لشهيرات هوليود مثل بيتي آرلن وبيتي ديفز وبيير أنجلي ومارثا هاير وروزانا بودستا وجينا لولو بريجيدا وريتا هيوارث وسوزان هيوارث وغريتا غاربو والألمانية انجريد بريجمان وآفا غاردنر ولانا تيرنر وإليزابث تايلور، وغيرهنَّ كثر. وكم كان الكلام يحلو حينما كانت تسهب في تحليل شخصية جريس كيلي التي هجرت التمثيل لتتزوَّج بأمير موناكو. ولا أنسى تحليلها النَّاقد بحقِّ صوفيا لورين وأدائها الفذِّ في فيلم (امرأتان)، وشذراتٍ أطلقتها في وصف عفويَّة شيرلي تيمبل وبراعتها وأفكار شيرلي ماكلين واقتدارها ومكانة السير لورنس أوليفييه في المسرح وبيتر أوتول وريتشارد بيرتون في أدائهما المذهل في الفيلم الشهير (باكيت) وآخرين تزدحم بهم الكلمات. ولا أنسى عمق الحوار الذي دار بيننا عن أداء الممثل الإنكليزي تيرنس ستامب وانفعالاته المذهلة في فيلم (الجامع/جامع الفراشات) في ستينيات القرن الماضي، قالت: “على الفنَّان الّا يقف عند حدود موهبته بل يتعدَّاها ويتخطَّى مقدرته كي يكتشف مواهب الآخرين.”
لقد كانت سهيلة نيازي أستاذة الأدب المقارن غاية في التميّز ومثابة في التمييز يندر وجودها عند مَنْ يتخصَّصون بعمل واحد. تركتنا وما تركناها. تركتْنا وتركتْ فينا بصمتها الَّتي أضحت حافزاً لنا فيما نسعى إليه ونجتهد لفهمه أو تحقيقه. إنّها سِفْرٌ لا يشيخ وإرثٌ لا يبلى.
حينما كانت رسائل الخالة سُهَيلة تصلني من لندن كنت أُرَدِّدُ بيتَي اليازجيّ:
رســالةُ فـاضلٍ وَرَدتْ فـكانـتْ أحــبَّ إلـيَّ مـن تُـحَفِ الــهدايـا
أبانتْ عــن مــودَّتِــهِ صريـحاً وعـمَّا فـيهِ مـن كَــرَمِ السَّـجـايـا

