Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

ثورة

أحمد فرج الخليفة

جاءتني في المساء كعادتها تمشي كأنَّها تركت الظلام من توِّها، ترمش عيناها ثم تفتحهما على وجهي. 

قالت: أما زلت كما أنت تجمع طوابع البريد التي قصصتها من رسائلك التي لم ترسلها؟

⁃لم نكن صغاراً حين أرسلتُ روحي فيك وآنست احتلال روحك. 

⁃نعم، ولم يغب عنِّي لحظة أنَّنا كنَّا في وعي قلوبنا، ولم أنس كيف احتملت مراهناتك على بقائي. كنت محتلَّاً لم يحسن سياسة خريطته، ونسيتَ أنَّ البلاد تلفظ حكامها. 

⁃كنت مغروراً بكِ. ولم أعتد الحروب. واكتفيت بعرشٍ بنيناه سوياً حتَّى ابتلعتْني قهقهات الزمن وأنت ممسكة بكلمات علَّقتها في جيدك رأيتها تتبخَّر وأنت تسيرين بعيداً عنِّي وأنا أظنُّك تقتربين، كعادة دموعك المعانقة لضحكات كانت تذوب في بكاء لم أره. 

⁃أضعتَنا.

⁃بل انتصرتِ وحدك وبنيتِ تاريخاً جديداً وخارطة كثيرة الألوان والبلدان وحدوداً لم أرها من قبل. 

⁃هل شفاك الندم أم أشقاك؟

⁃أدخلني في هوَّة الحقد على زعماء العالم الذين ربحوا البلاد بلا حرب.  

⁃ما زال صوتك يربكني لذلك لم أعد أحتمله. عيناك الممتلئتان بالماء يصعب فهمهما. تظنُّ أنَّني سأعود وأنت تعلم أنَّ الحياة لن تعطيَك ما تريد، وقد أعطتني ما أريد. أحلامك سنٌّ مغروس في أضلعي، فارفقْ ولا تنادِني. 

وأردفت قائلةً: أخافك. 

⁃اقتليني

⁃فعلتها الأيام بك كثيراً. أشفقُ على ماضٍ كرهته. 

⁃سلي روحكِ عني. 

⁃لم تعد معي. 

⁃سليني عنك. 

⁃أعرفك، وأكره حديثك الذي زرع القوَّة داخلي فغيَّرني. 

⁃تشتاقين لضعفك؟

⁃أشتاق لنفسي القديمة دونَك. 

⁃تكرهينني؟

⁃ما فعلتها مع غيرك، فكيف أفعلها معك؟

⁃مازالت روحك تهواني؟

⁃أنت لا هنا ولا هناك، فاكتفِ بأحلامك والبكاء الذي لا يشفي. 

⁃لم يتبقَّ منِّي شيء سوى اسم اعتدته منك وحقيبة أخبِّئ أشياءك فيها وأماكن أزورها كلَّما تمنَّيت أن أراني. 

 اختلطت الأصوات؛ صراخ الثُّوَّار، وضجيج المغادرين، وغبارٌ أحاط فلم أعد أرى سوى جسد يدَّعي خيانة روحه. 

Exit mobile version