Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

مذكِّراتي بهيئة صور متحرّكة

Christmas at home with grandma

أمل (أمِيلي) بورتر

 1-قبل البداية 

  وجدت نفسي في عائلة مختلفة عن المعتاد عليه في بيئتنا الاجتماعية، عائلة متعدِّدة الثقافات والأصول ساهم  تعدُّدها في ازدياد غناها مع وضوح التناقضات، فلكلِّ  مقوِّم من  مقوِّمات هذه العائلة مشاربه وتطلُّعاته وأحكامه. في مسيرة حياة عائلتي حكايات مذهلة. أسرةٌ رافقها التوفيق أو الفشل، السهولة أو الصعوبة. في صوري المتحرِّكة كلُّ هذه الحكاية. 

قد تتناقض العائلة فيما بينها في نقاط وتلتقي في أخرى، كان هناك صراع أجيال مقرون بتزاوج أو عدمه بين حضارات متنوِّعة  داخل السور العائلي وخارج الأسوار. الصراع تنوَّع واختلف وكان الحلُّ الأمثلُ الانغمارَ في تلك التنوُّعات المتجذِّرة العميقة، وقطافها وفير جداً. كنت أحاصر نفسي كي لا أفقد التنوع وتعتريني، أحياناً، غصَّة لاختيار المناسب أو فهم ما جرى اختياره فأغادر بعيداً لألتقط الأنفاس. لكنَّ البعد لم ينفع ولم يسهِّل عليَّ الفهم فكان لا بدَّ من العودة للأصل والانغمار في الموجود لأفهم الصعب السهل الممتع والممتنع. لم أجد مأوى لأفكاري سوى اللجوء -على قدر إمكانياتي المعرفية- إلى سبر غور تاريخ الحضارات والعهود التي مرَّت على تشكيل مقوِّمات المجتمع المحيط بي الذي  له خصائصه، قد يساعدني ذلك على فهمه وربَّما فهم نفسي كذلك.

لا بدَّ إذن من توسيع المعرفة فحينها قد أفهم المنطق الذي يتحكَّم  في سيرورة الحياة التي تحيطني.

اخترت الحضارات الماضية باختلافها وتنوُّعها لتكون دليلي أو مداراً واسعاً يحتويني ونجماً يقودني إلى فهمي الذي يؤدِّي إلى سكوني ورضاي للتأقلُّم مع ما يعصى عليَّ. 

في مساري هذا تحوَّلت إلى عاشقة للحضارات كلِّها بخاصَّةٍ العراقية القديمة إذ غمرتني حالة شغف لنتاجات تلك الحضارات من الموضوعات الثقافية، فنية وأدبية، ممَّا نحتوا أو كتبوا على الحجارة والطين وكلِّ ما انتجوا من فنون بصيغ  وأساليب ومواد مختلفة وما ملأوا من مساحات بأشكال تصوُّر العوالم المرمَّزة والحدسية ودلالاتها المليئة بالمتناقضات والصعوبات والألغاز، نتاجات جليلة مهيبة تزخر بالمواضيع الفنية والأدبية في رسوم وجداريات وتماثيل  بأحجام هائلة أو أختام أسطوانية لا تتعدَّى سنتمترات عدَّة تدهش بالحركات التي تملؤها سواء أكانت لشخوص آدمية أو لما يحيطها من المكوِّنات الأخرى في البيئة أو للنصوص الأسطورية والملحمية وبالخيال الغنيّ الخصب. تلك النتاجات وتجريداتها أو واقعيتها منحتني الشعور بأنَّ الأنسانَ قويُّ الكيان غيرُ قابل للتَّصدُّع وليس فريسة قابلة للاصطياد بل إنَّه مستعدٌّ للتَّجدُّد والاكتشاف وفهم المستعصي ليواجه أمامه عوالم يجب أن يقتحمها ليعرفها، لذا عليَّ أن أعرف وأن أتعلَّم الكثير عمَّا اخترت. إنَّها الفنون والنصوص التي وقعتُ في هواها وأريد أن أقتحم أغوار ما أهوى وما أعشق واستمرَّ بالانغمار بعواطف تشمل حتَّى ما يعصى عليَّ تقبُّله وفهمه وأنا في قارب يخوض أمواج الحياة. 

في مسيرتي المتواضعة هذه سأعود إلى ما عرفت  عنه من الحضارات القديمة التي نبعَتْ هنا في أرض الرافدين وسأكون مجاملةً ومقلَّةً  فيما أختار لكي لا أصدِّعكم بالحديث الطويل عن عشقي وسأمرُّ بمراحل عشتها منذ طفولتي لأحكي عنها وأستند فيها ليس على ذاكرتي فحسب ولكن على ما احتفظت به وما جمعته العائلة من مدوَّنات وصور ونقاشات وقصاصات من صحف ومجلَّات  وما سجَّلت في أوراقي حينها، أيضاً، وما كتبت  بنزيف عال وروح مكدومة منكوءة أو بفرحة وضحكة عميقة. أرجو ألَّا يكون السير معي في هذه المسيرة  كالنَّظر إلى أحفورة داخل كتلة من قطعة أثرية بل مشاركة تفاصيل حياة فيها قصص وحكايات أثَّر فيها الزمان والمكان الذي بزغت فيهما وكما عشت ثمارها بكرم وغنى وفيض أو شحَّة وقحط.                                                                                                                        

في هذه االسطور سأحكي أوَّلاً عن الآثار والتاريخ وعن بغداد حيث ولدت وترعرعت.

 أوَّل من قام بالتنقيب في العراق كان الأجانب ومن بينهم جاك ريسلر الذي قال: ” وكانت بغداد مدينة قديمة بابلية على الشاطئ الغربي من نهر دجلة” ويقول أوليري: “إنَّ بغداد مدينة عريقة في القدم، كانت تُعرف زمن البابليين ببجدادا”. ويقول المستشرق لسترانج:”ويُستدلُّ من التنقيبات الأثرية التي قام بها السير رولنسون في سنة 1848 أثناء انخفاض الماء في فصل جفاف أكثر من مستواه العادي على أنَّ هذا المكان كان موقعاً لمدينة موغلة في القدم، بدليل الواجهة الواسعة المشيَّدة من الآجُرِّ البابلي التي ما زالت تحاذي ضفَّة دجلة الغربية عند بغداد. وكلُّ قطعة من الآجُرِّ مختومة باسم نبوخذ نصر وألقابه. وقد وجد منذ ذلك الوقت أيضاً اسم قريب الشبه ببغداد في الكشوف الجغرافية الآشورية في عهد سردنابالس، ولعلَّه يشير إلى المدينة التي كانت موجودة حينذاك في الموضع الذي أصبح فيما بعد عاصمة الخلفاء العبَّاسيِّين.

لقد ورد اسم بغداد صريحاً في الألواح المكتشفة حديثاً التي يرقى تاريخها إلى أزمنة موغلة في القدم يعود بعضها إلى العصر البابلي ومن أهمِّها وأبرزها النَّصُّ الصريح الوارد في لوح سبار المكتشف في تل أبي حبَّة الذي يبعد عن شمال غربي بابل (50) خمسين كيلو متراً، فقد ورد اسم بغداد فيه صريحاً هكذا: ” بجدادا “. ويرجع تاريخ هذا اللوح إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد أي أنَّه من زمن (الملك البابلي حمورابي الذي دُوِّنت قوانينه في المسلَّة المعروفة باسمه مسلَّة قوانين حمورابي  المشهورة). وورد ذكر اسم بغداد أيضاً في لوح آخر يعود تاريخه إلى الأعوام 1341 ـ 1316 قبل الميلاد مكتوب فيه “بكدادي” وفي لوح آخر كُتب اسم بغداد ” بجدادو” ويعود تاريخ هذا اللوح إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وورد اسمها أيضاً مكتوباً “بكدادو” في وثيقة تاريخية يرقى عهدها إلى سنة 728 قبل الميلاد إبَّان حكم الملك الآشوري (تجلات فلاسر). 

إذن (بغداد أو العراق) – فكلاهما مكمِّل وجزء من الآخر-  قاما منذ قيام الحضارة وتمتَّعت بهما الحضارات التي نبعت من أرضهما ومرَّا بأيَّام صعبة قاسية أو رخيَّة هنيَّة، ذبُلت فيها الحياة أو انتعشت وأينعت خلال تاريخها الطويل فمثلاً في القرن السادس الهجري في عصر ظهور الواسطي  كانت في حالة تقدم وتطور واضحة مليئة بالنشاطات الثقافية ولم تنتج تلك النشاطات وتزدهرإلَّا بالرخاء الاقتصادي والسلام – ولو المؤقَّت- والحرية النسبية التي نجدها في لوحات الواسطي التي تُحدِّثنا عن مجتمع متفتِّح نسبياً يعيش بسلام مع نفسه.

تمرُّ السنوات والعقود والقرون بما تمنح من خير أو تفرض من قوانين وسلطات جائرة فتنكمش “بغداد- العراق” و ترزح تحت جور الحكم العثماني قرابة أربعة عقود فتُهمَّش الروح البغدادية العراقية بفعل ما عانت بغداد من انقسامات وشرذمات، وارتضى أهلوها بالقليل المتوفِّر واحتملوا البؤس الذي خيَّم عليهم بكلِّ ضراوة وقسوة. لم يعد هناك تواصل اجتماعي أو تقدُّم معرفي. كانت اللقمة هي الهدف والمنتهى. لم يعد للثقافة بصيغها وأشكالها وتنوُّعها حضور في أيَّة ساحة بل كادت أن تختفي. ولم تترك  لنا تلك الحقبة تراكمات تكون خزيناً معرفيَّاً للمستقبل نغرف منه ونطوِّره. 

 لقد أُهملت مواقع مليئة بالآثار وعُتِّمَ عليها وجرى تجاهلها ولم يخطر ببال أحد أن يبحث عن  نصوص سجَّلت على الطين والحجر والفخار نتاج الحضارات المتعدِّدة والمتنوِّعة في العراق. 

 عندما استعاد العراق بعض عافيته اكتُشِفتْ مواقع مهمَّة من فترة  طور حسونة 7500  ق م ومن  فترة  سامراء التي امتدت من 5500 ق م  فقد عُثِرَ على فخاريات امتازت برقَّتها وتصاميمها المدهشة ومفرداتها الفنية. تلك النتاجات قدَّمت عبر تصاميمها وزخارفها وأشكالها من الرسومات الفنية المتنوِّعة التوثيقَ الواضح لأفكار تلك الحقبة التاريخية “قبل الكتابية” وتطلُّعاتها ومجرياتها وكشفت الكثيرَ ممَّا قدَّمه إنسان تلك الحقبة من إرث حضاري للبشرية عجزت عن تقديمه مناطق العالم الأخرى.

 ولا بدَّ من الإشارة إلى مواقع تعود إلى سبعة آلاف سنة ق . م وإلى ستة آلاف سنة ق . م مثل تلِّ الصَّوَّان بالقرب من سامرَّاء ومشاعة جرمو قرب كركوك التي تعدُّ أوَّل قرية زراعية في العالم بنظامها المتقدِّم الذي طوَّر أسلوبَ مشاعي للحياة اليومية بشكل مميَّز ممَّا يدلُّ على تفكير واقعيّ منطقيّ. 

يرجع تأريخ  جرمو إلى 7000/ 6000 ق.م واكتشف الموقع من قِبل دائرة الآثار العراقية في عام 1940م. جرى بعد ذلك إبلاغ عالم الآثار روبرت بريدوود (1907 – 2003) من جامعة تشيكاغو الذي كان يبحث عن مواقع مناسبة للتنقيب عن آثار العصر الحجري وكان موقع جرمو أفضل موقع  يواصل فيه التحري والتنقيب. 

أثبتت التنقيبات أنَّ قرية جرمو كانت محاطة  بغابات الفستق والبلُّوط وفيها خمسة وعشرون بيتاً بُنيت جدرانها من طين اللبن وسقوفها من الطين المجفَّف بالشمس وأساساتها من الحجر وسكنَ فيها قرابة المائة وخمسين شخصاً، كانت أغلب أدواتهم مصنوعة من الحجر ومن العظام في فترات. زرع سكَّان قرية جرمو الحنطةَ وخزنوها لهم ولحيواناتهم ودجَّنوا المواشي. ووجدت في القرية آثار للأواني الفخارية ممَّا يدلُّ على تطوُّر تقنيّ متقدِّم.

من خلال التنقيبات في مواقع وتواريخ مختلفة  لوحظ تواصل عضوي واضح  بين التراث من الحقبة ما قبل الكتابية (من الألف السابع ق . م) والحقبة ما بعد الكتابية (الألف الرابع ق . م )، ويبدو أنَّ هذا التواصل استُثمِر وتجذَّر فيما تطوَّر من حضارات لاحقاً. إنَّ ما دُوِّن  من علوم وآداب وفنون ارتكز على  تلك التراكمات  الغنية من الحقب غير الكتابية واستوحيت منه نتاجات متنوِّعة مدهشة قامت عليها لاحقاً حضاراتٌ أغنت الدنيا. 

 في الوقت الحاضر هناك دعوات لإعادة  النظر في دراسة نتاجات الحقب ما قبل الكتابية التي لم تلقَ الاهتمام الكافي بها في أغلب الدراسات  السابقة ولم يُتَعمَّق في تاثيراتها بل رُكِنت جانباً. وقد تكشَّفت الدراسات الحالية لها عن أسرار وأفكار وأنظمة  صيرورة حضارة بقيت خفيَّةً. من هذه التوجُّهات الجديدة المهمَّة عن الحقبة قبل الكتابية، على سبيل المثال،  كتاب:

The Down of Every Thing by David Grabber and David Wingo

  وهو مصدر مهمٌّ جدَّاً لهذا السبيل الجديد في البحث  للكشف عن أهمَّيَّة تلك الحقبة.

ونتيجة للبحث والكشف عن تلك الحضارات وجدنا ما نهلَ منها علماً ومعرفة في نتاجات الحقبة الكتابية التي سطَّرتها وحكتها لنا عبر ما كُتِب على الطين فعرفنا كيف فكَّر أهلها وانتجوا وعبدوا وعاشوا وتكاثروا وطوَّروا وغيَّروا الحياة البسيطة إلى عالم يحكي عن حساب الزمن والوقت، وكيف انتجوا محاصيل الحنطة وزرعوا التمر لتثمر العثوق ليخمِّروا ويشربوا كوؤس البيرة التي اندلقت في أفواه العمَّال بعد يوم عمل شاقٍّ، وكيف قدَّموا الخرائط والعجلة والأشرعة وبنوا المعابد والبيوت ونظموا الأشعار وسطَّروا الملاحم، بتفاصيل دقيقة، عن غابات الأرز وعن الأفعى وعن الفُلك الذي بنوه وعن التجارة بأحجار ثمينة. وهذا تاجر يكتب رسالةً على الطين ويرسلها من أفغانستان إلى زوجته في أور يسألها عمَّا تريد من الأحجار الثمينة لتبيعها للمتعبِّدين من زوَّار زقُّورة أور. نتيجة  لتلك الممارسات والنشاطات والتفكير والسعي الجادِّ المتميِّز قدَّم سكَّان العراق ما عجزت عنه مواقع أخرى في هذه الكرة الأرضية، وهكذا واصلت  بقية شعوب العالم التقدُّم والتَّنوُّر والازدهار اعتماداً على تلك العطاءات والأفكار النَّيِّرة التي نبعت من أرض العراق.

على الرَّغم من محاولات التتريك العثمانية فإنَّ اللغة لم تختفِ بل بقيت شاخصة مسيطرة، فليس هناك من ينازع لغة مقدَّسة نزل بها الوحي على نبيٍّ عربيٍّ. بقيت العربية السلاحَ الوحيد وضاعت الفنون الأخرى في تيهان البحث عن الحياة والديمومة والاستمرار. 

 وها هي السنوات والحقب تسير، وتستعر الحرب العالمية الأولى بين الحلفاء ودول المحور فتتفكَّك إمبراطوريات وتنقسم إلى دول وحدود وتنهض قوميات وشعوب مستضعفة  تطالب بحقِّها في العيش بكرامة وبالاستقلال. وهنا تولد حملة لتأسيس نظام حديث في العراق يماشي العصر، فالعراق قائم منذ دهور ودهور وما تَّم ليس خلق العراق بل خلق نظام يحكم العراق. ونظراً لنجاح الحلفاء وفوزهم على محور ألمانيا – تركيا  جرى تأسيس الحكم بصيغته الملكية بموافقة الحلفاء وبدعم شديد من بريطانيا الملكية وتردُّد واضح من فرنسا الجمهورية لتك الصيغة في الحكم. هنا  في كتابي هذا سأمرُّ على إنجازات عهود العراق الحديث وتداعياتها كما رأيتها أنا، سرت فيها، ومررت بها من أيام مثمرة أو عجفاء. 

Exit mobile version