الخِيانَةُ والغَدرُ، كلمتان مَقيتتان تُثيران الغضب والاشمئزاز من دون سابق إنذار، عميقتا الجُذور في التَّاريخ الإنساني، عُمق الأساطير. فأورانوس إلهُ السَّماء الذي كرِه أبناءه من “غايا” جعل ابنَه كرونوس يتمرَّدُ عليه ويخونُه حتى خصاه، واستولى على أُلوهيَّة الزمن وأصبح سيِّدَ الكَون الجديد. كذلك في الديانة المصرية القديمة، غار الإله “ست” من الإله أوزوريس فغَدَر به وقتله ثم قطَّع جسدَه أجزاءَ.
مع حقيقتهما المُرّة (الخِيانَة والغَدر) أصبح استخدامهما سهلًا، جزافًا لا يحمل مسؤوليَّة الجُرم. الزوجان الّلذان يعانيان من مشاكل اجتماعيَّة ومنزليَّة يتَّهمان بعضهما البعض بالخِيانَة من دون أدلَّة واضحة، كما أصبح كلّ معارض لوجه سياسي خائنًا غدّارًا. من هنا لا نستطيع الخوض بتفاصيل الخِيانَة والغَدر على أرض الواقِع الحالي حيث تتأرجحُ المعاني بجديَّتها مع كثرة التَّفاهات والدلالات المشبوهة، ككلمة المُقدّس التي أخافت “المُقدّس” من فُقدان قدسيَّتِه.
يمكننا تعريفُ كلمةِ الخِيانَة على أنها نقضُ العهدِ أو الأمانة، أو الثقةِ، وتدلُّ على تصرُّف غير أخلاقي يقوم به شخصٌ تجاه من وضع ثقتَه به. تتَّخذُ الخِيانَةُ أشكالًا متعددّة، من عاطفيَّة، واجتماعيَّة، ومهنيَّة وسياسيَّة، مما يسبب جُرحًا عميقًا، شعورًا بالخِذلان، إضافة إلى اضطرابات نفسيَّة شخصيَّة، أو تعقيدات دوليَة قد يؤدي بعضُها إلى كوارث.
ويمكنُنا تعريفُ الغَدر بأنه خِيانَةٌ ماكرةٌ، فيها عنصُر المُفاجأة والخديعة. عادة ما يكون الغَدرُ أكثرَ قسوةً من الخِيانَة، متعمدًا. يحمل الغَدرُ طابَع المَكر والخِداع لتحقيق مكاسبَ شخصيَّةٍ.
بما أن التعريفين لا يحملان وصفًا دقيقًا، كالقتل والسرقة، يصعُب تحديد الخِيانَة أو الغَدر بناء على توجيه التُّهم فحسب، فما يُعتبر خِيانَة، خاصّة اجتماعيَّة في مُجتمع ما يكون حدثًا عاديًّا في مُجتمع آخر. لذلك ننشُد كلَّ الحذر في توجيه التُّهمة لأن العواقبَ وخيمة على من تثبُت عليه إحدى التُّهمتين، خاصة عندما يكون الاتهام وطنيًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا. كذلك، لا ننسى أن للخِيانَةَ والغَدرَ أنواعًا عدّة مُختلفة في آثارها، بعضها شخصي ومحلّي، وبعضها شامل، غامر، بتأثير مُختلف. يحمِل كلاهما أسبابًاعاطفيَّة، اجتماعيَّة، مهنيَّة، وطنيَّة، سياسيَّة، إنسانيَّة، وكلاهما له آثار مدمّرة على هذه الصُّعُد.
وحتى لا أشطح في إرخاء زِمام القلم أتساءل إن كان الغَدرُ أو الخِيانَةُ جزءًا من كينونة الإنسان كالحُبّ والكراهيَّة، الأمل واليأس، الخير والشرّ. هل في داخل كلّ منّا خائن وغدّار لا يريان النور إلا عندما تتهيَّأ الظُّروف فتفكّكهما من البنية النفسيَّة والأخلاقيَّة التي نشأ عليها الفرد وتربّى، على غرار الحاكِم الطاغية، مثلًا، الذي يصل إلى الحُكم بقدُراته القياديَّة وأخلاقه الجذّابة وكريزما مُسيطرة، وما أن يشعُر بقوَّة سُلطانه حتى يخونَ العُهود، ويتخلَّص ممن وثقوا به من دون رادع؟
بعضُ الفلاسفة مثل شوبنهاور يرون أن الإنسانَ أسيرُ غرائزه، وقد يخونُ بدافع الأنانيَّة الطبيعيَّة، بينما يرى كانط، أن الخِيانَة انتهاكٌ للواجب الأخلاقي، لأنها تُعامل الناس كوسيلة لا غاية. أما سارتر فيرى أن الإنسان “محكوم عليه بالحريَّة”، والخِيانَة قد تكون مُحاولة للهروب من المسؤوليَّة أو إثبات الذات على الآخر.
ربما الخِيانَة، بحسب الفلاسفة، ليست مُجرّد خطيئة، بل اشكاليَّة تكشِف تناقُضات الطبيعة البشريَّة. بما أنَّ الخِيانَة هادئة وخبيثة ومُستترة، قد لا تلحظُها الضحيَّة إلا بعد فوات الأوان، ما يزيد من احتمال أن تكون من تناقُضات الطبيعة البشريَّة. أما الغَدر، فعادة ما يكون مفاجئًا، صادمًا سريعًا يدمّر ما حوله ويقلب الطاولة رأسًا على عقب.
لقد ذمّت الأديان بوضوح الخِيانَة والغَدر، وبما أن الغَدر يجمع بين الخِيانَة والمكر. قال الله تعالى في سورة الأنفال، آية 58 (إن الله لا يحب الخائنين).
جاء في انجيل متّى (يقول المسيح عن يهوذا: ويل لذلك الرجل الذي يُسلّم ابن الإنسان! كان خيرًا له لو لم يولد).
من يقرّر تُهمة الخطيئة إذًا؟ هل يكفي الإدّعاء ووشم أحدهم بالخِيانَة لمُحاسبته خاصّة مع واقعنا الحالي في العالم الموازي؟ هناك سُبل عدّة مخوّلة بدَمغ “التُّهمة أو البراءة”. لكن المُخيفَ أن التبرئة لا تغسِل المتّهم، إلّا قانونيًّا، لكن اجتماعيًّا، تبقى النَّدبةُ ظاهرةً، مؤرقةً تؤدِّي إلى نبذ اجتماعي.
في الدين، الله يحدّد الخطيئة من خلال الشَّرائع السماويَّة.
في الأخلاق، الضمير الإنساني، والعُرف الاجتماعي، والحِكمة الإنسانيَّة.
في القانون: تحدّد المواد القانونيَّة ماهيَّة الخِيانَة والغَدر، وليس بالضرورة أن يُجرّم القانون كلّ حالات الخِيانَة أو الغَدر.
هناك أمثلة شهيرة في الأديان حول الخِيانَة والغَدر، نشير إلى أشهرها في المسيحيَّة، قصَّة يهوذا الأسخريوطي الذي خان الأمانة وسلّم المسيح لليهود مُقابل مال.
وفي السياسة، غَدر المغول بالخليفة العباسي، المستعصم بالله، الذي أعطاه المغول الأمان للخُروج سالمًا، فلما خرج قبضوا عليه وقتلوه بوحشيَّة.
هناك مئات، بل آلاف الأمثلة التي تعُجُّ بها الكُتب والصُّحف، والشَّبكة العنكبوتيَّة حول الخيانات العاطفيَّة، والمهنيَّة ولا مجال للخوض بها في هذا المقال. أدَّت خيانات الشركات العملاقة والغَدر بها إلى خسائر ماديَّة تجاوزت مئات الملايين في الشركة الواحدة وشرّدت آلاف الأُسر. أما الغَدر والخيانات بين الدول فنراها تُهدّد، بين الفينة والأخرى، أمن دول، وتضعنا في خضمّ حروب تزهَق أرواح بشر، وتغيّر ديمغرافيَّات كثيرة.
هل من علاج؟ أو مفرّ؟
الصراع مُحتدم في ضمير الإنسان حول دعم القيم والمُحافظة على المناقب، لكننا في عصر زهد بالضمائر السليمة التي لا يهتم بها الأهل والمُجتمع كما في الماضي، حين كان الضمير بيضة قبّان الإنسان، فأصبح، اليوم، هامشًا تتنادرُ به الأُمسيات.
بما أنه لم يثبُت طبيًّا أن أيًا منهما مرض يعالَج بنجاح بيّن، أو اختلال نفسي يُشفى منه، ولم يثبُت كذلك أن العقاب الشديد والسُّجون تشفي الخائن والغدّار من أنانيَّته وسوء أفعاله، فما ينفع مع هذا لا ينفع مع ذاك، ومن شُفي اليوم قد ينتكس غدًا. لذلك أرى أن العدالة بين الأطفال فعلًا وليس قولًا، والحثّ على أهمية الأخلاق والوفاء، كل ذلك قد يقوي ضمير الطفل ويُغذيه ليتغلبَ على الوحش الكامِن داخل النفس. أليس في حنايانا كائنان يولدان معنا، هما خير وشرّ؟ أحدهما يصبح ملاكًا والثاني ضبعًا مفترسًا، والذي نعتني به أكثر سيحكُمنا ويوجّه حياتنا وسُلوكنا.

