تعدّ رواية ليل ينتظر النهار من روايات السيّر الذاتية، لكنها خرجت عن مفهوم السرد التقليدي للأحداث، هي سرد استكشاف الذات لكينونتها، منذ الطفولة حتى الكهولة مرورا بريعان الشباب.
مرحلة الطفولة المبكرة، يتلمّس الكاتب ناظم عبد الوهاب المناصير ذاته عبر حوارية فريدة، حيث تحاور ذاته الناضجة ذاته الفتية، تذكرها بكل شيء ادركته حواسه، واستشعرته هواجسه، كل شيء يؤثر فيها، ظل شجرة، مغيب الشمس، عصافير السماء ،تراب الدروب وطينها وقت المطر، حب الأم، زرعها الطيبة والثقة داخل النفس، خذلان الأب المبكر
(ثم تعود إلى البيت ،وفي قلبك لوعة وأسى، أه، ياأبي…تركتنا نستقبل الفقر، يحيطنا العوز والجوع المشقة والتعب).
ليعلمك أن عالم الطفولة عالمٍ وفيرٍ وثري بالمتحسسات التي تتلمس كل ما حولها من شخوص وأماكن، تتشكل وفقا لها فيما بعد شخصيته الفريدة من نوعها.
(ربما تستقر الذات على كل شيء معقول أو غير معقول, أو تنام دون أن تتوقع ماذا سيحدث لك في نهارات القرية البعيدة).
اختيار مبكر لفلسفة الحياة، حصيلته الإعتداد بالنفس، مستمدة من عالمه الصغير الذي خلقه من حوله ليتوافق مع ما تتوق إليه روحه، تماثيل من طين رسومات ملونة، شعور بالفخر، حين يعي دوره الفاعل في تغيير مجرى قدر الصيصان ومنحهم حياة جديدة، حنوه على اخيه الصغير ، إنه الوعي المبكر للذات، يستقرأ الطبيعة من حوله
(تجلس وعيناك متلهفتان، أن ترى حتى حبّات التراب، وقد تشكلت بلونها الأخضر… )
يستنبط أفكاره من الطبيعة
( النهر الذي يفيض كجزء منك في احشائك الماضية، يريد منك أن تبتسم، فلا تتعجل من ساعات يومك في ليله ونهاره، تهيأ لأفكار طائشة كالطفل الذي أضاع دموعه بلا سبب).
يستمر سرد الحوادث التي تركت أثرا معتقاً من المشاعر داخل النفس على لسان الذات الناضجة، وهي تذكر الذات الفتية الباحثة المتعطشة للحياة و كل ما يسمو بها نحو الرفعة والنبل البشري الفطري، هذا الشغف ربما يودي بها إلى الهلاك، كما حصل في قصة شغفه بالموسيقى التي أوصلته مع صديقه لسرقة شعيرات ذيل حصان قابع داخل بستان من أجل صنع آلة موسيقية
( في دقائق، خرجتما متألمين، آثار الضرب، بقيت على ظهريكما أو على ايديكما وأرجلكما).
قسوة الأم التي تندرج ضمن مناهج التربية الرصينة
(أمك أذاقتك أوجع الضربات، لكنك كنتَ لا تحسبها قاسية، كانت ضرباتها كقبلاتها لك في يوم عيد)
تجربة مشاعر جديدة من القلق والخوف الناجم من بيئة تربوية داعمة ومعززة لبناء الذات الإنسانية المتطلعة للرفعة والسمو، تكون فيها (المعرفة وزرع الثقة في النفوس هما واجبان يتحدان في مسيرةٍ ظامئةٍ إلى المستقبل في وضوحٍ تام)
بعد أن أُشبِعت ذاته من اكتشافات الطبيعة واستسلمت روحه لثوابتها الكونية، أراد أن ينطلق نحوها بكل عنفوان مع الفتية من أصحابه، حتى ظهر له ما ليس يبدو للعيان ، إنها العادات والتقاليد، كأنها أتت من عالم آخر لم يعرفه من قبل بالجيد منها والسيء، عليه أن ينصاع لكلّها، حتى استهوته شموع التمني فألقى فيها بالنهر مع أصحابه ما تسبب بحريق لتأكل النار بعض من أشجار البستان، فيهرب مع أصحابه، ويناموا ليلهم خائفين افتضاح أمرهم ، هنا كانت المفارقة.. أتت النتائج معاكسة لما تمنوا، تتكرر التجربة, فيكتشف أن الأمور لا تأتي أكلها كما نتوقع دائما.
(الحياة شبه معادلة…ينمو الذي تنقصه الحركة ويموت الذي تتمنى أن ترى فيه الحياة كاملة).
هنالك بعد آخر لا يقل سحرا وغرابة على من يكتشفه لأول وهلة، أنه الفن الذي جمع كل أنواعه على خشبة المسرح ، فكانت الدهشة والمتعة في آن واحد.
يأخذه الزهو، عصبة من الأصدقاء، تجعل الذئب الذين يخافونه يهابهم، تدفعهم القوة للتنكيل بأنثى ابن أوى وأفراخها، والتخلص من نظراتها القاسية، فيختبر مشاعر الإحباط والقلق والشعور بالذنب، يفاجأ بانتصار الأم وافراخها
(ابن أوى معروف بضعفه وجبنه، لكنه يملك المكر والحيلة والدهاء).
يختبر الخرافة، تنتصر على العلم في لحظة ما, لكنها تبقى خرافة مهما بدت ثابتة متماسكة، فيركن كل ما هو خير وجميل لرحمة الله.
الصراع من أجل البقاء، أول معركة يواجهها الانسان تدفعه الغريزة ليسلك كل السبل المتاحة، لا تضييع للفرص، مهما بدت صغيرة، لكن يجب أن لا ننسى، ربما ترتب ظلماً على الآخر، علينا كبح جماح النفس
(فالصراع يبدأ مع النفس، ثم ينتهي إلى انحدار في السلوك، كن كما رضيت أن تكون، ولا تبخس أشياء لمن طمع في الحياة العادلة…)
تتنامى القدرات الجسدية والعقلية, لكن شعورا بظلم الأب يزداد تجذراً، تبقى الأم وعائلتها هي الحاضن والراعِي، تجربة فراق المسكن الأول إضافة أخرى لتجارب الحياة، تميل الروح لنزعة الخير، لكن دائما
(يوجد هناك من يفكر في دوامات الباطل الخاسرة، وهو الخراب الهائل)
تتوسع دائرة الإدراك، يستنفر العقل أفكاره فتزدحم الأسئلة في رأسه
(- رباه كيف انقذ قومي من الجهل والعمى والتعصب وقول الباطل في إطار من الحماقة….)
حمل هموم الناس، مرحلة متقدمة من الإحساس بألم الأخرين وعذاباتهم، يعاني منها كل أنسان يملك كماً هائلاً من الأحاسيس
(- ولم أهدأ، وهل أنا كالحجارة الصماء، أنا لدي أحساس فوق ما تتوقع)
فيأتي الذي تَعرّف عليه من قبل، أنه الفن، حلاً مناسباً ليفرغ تلك الطاقات المكبوتة ليعيد المعادلة لتوازنها الطبيعي.
في الوقت الذي يتخل الأب عن دوره ودعمه المادي والعاطفي والمعنوي, تضحي الأم بكل ما تملك تهب عواطفها وكل ما تدخره وأن كان شيء يسيرا, تبتهل بالدعاء من أجل إسعاد ابنها، فيكون الوفاء رداً لنهر العطاء الذي لا ينضب، والرحمة للأب الذي لم يرحمه يوم.
تتفتح أزهاير المحبة، يحين وقت الإقتران بمن تكتمل الحياة معها، لكن القدر يفرض كلمته، ليتجرع الألم والحسرة
(- اتذكرين لمّا قلتِ لي، يوم كنا صغيرين: لماذا وجهك حزيناً؟ فهذا هو الحزن، الذي سألتِ عنه، وكما قلت لكِ: إن الحياة صعبة فهذه هي الصعوبة)
(تباً للوحوش الكاسرة)…
للحياة طريق لا يستقييم إلا باجتياز العقبات، كألعاب الفديو…عقبات على شكل وحوش, أناس دنيئي الذمة، تلغي وجودك تحارب كيانك تدمر بلدك ..ابتداءّ من
( والدك الذي لم تجد منه إلا صفعات تلو الصفعات، ربما عطلت فيك بعض خلايا الانسجام مع الحياة)
إخوتك الذين اغتصبوا حقك المنقوص من الأساس، مروراً بِحُساد النِعم، انتهاءً بطائرات العدو وهي تحرق
(بيوتا عن بِكرة أبيها، ذهب جراءها عوائل من أطفال ونساء وكبار السن إلى القبور كأشلاء محروقة)
مع ذلك تبقى تعمل بما أوصى به الجدّ
(كن عزيز النفس، ولا تترك ضميرك يصغر أو يبطئ في تلبية متطلبات ما يهم البشر)
تأتي ثمار التربية أكُلها، منعطف آخر من اختبارات الحياة، بحوادثٍ مرسومة بدقة متناهية تناسب ما هُيأت لأجله، لتصدر شهادة الأخلاق بمرتبة الشرف.
ليل ينتظر النهار رواية ثرية مليئة بالعبر والمفارقات وبالدروس المستقاة من الشخوص والحوادث، استحكم السارد فيها على جوانب كثيرة من الحياة، وبمنظاره الدقيق اخترق زوايا دقيقة ومظلمة داخل النفس البشرية، ليضع بين يدي القارئ تجربة فريدة وممتعة بخطاب انساني محض، بعيد عن المهاترات الدينية والآديولجيات الفكرية والتيارات الحزبية، أو الأنظمة الشمولية والآمبريالية العالمية.
افترش المؤلف أرضية تأملية، ممهدا للمتلقي طريقه لسرد الأحداث، بلغة محببة ومفردة منتقاة، بعيدة عن التكلف قريبة لفطرة الأنسان، بهذا الأسلوب المتأني، كأنه يريد أن يوقظ شيئا ما داخل النفس البشرية، ليعود بها إلى فطرتها السليمة, يذكرها لما خلقت من أجله، وهي أن تكون انسانا يليق بالدور الذي أُسند اليه، وعليه أن يختار السبل التي تكفل له وصوله لتحقيق هذا الدور، وأن الحياة تجربة عميقة تحتاج وقفة للتأمل مع كل حدث يمر بنا، أو أي علاقة نخوضها، وأن التشكيك بكل ثوابتها أمر لا بد منه لإعادة صياغة أفكارنا لتكون أكثر مرونة وفق متغيراتها المستمرة، وأن القوة تكمن بالمرونة لا بالتصلب, وأن الصبر والزمن مفتاحان لكل معضلة فيها، وإلى أن تتحقق امنياتك بعالم خالٍ من الظلم والفقر والحرمان تبقى الحياة ليلاً ينتظر نهاراً يسوده العدل

