«أحببْ صديقك حبًا ما
عسى أن يكون عدوك يومًا ما
وأبغضْ عدوك بغضًا ما
عسى أن يكون صديقك يومًا ما»
مقدّمة
وما غير الثنائيات المتلازمة والمتقابلة والمتضادة، يتحكّم بالكون وبالحياة ومَن فيهما؟
مذ بداية التكوين، عملت الإرادة الإلهية على خلق النور ليرافق الظلمة ويقهرها، والليل ليعقب النهار ويمسحه، والتوحيد ليلازم الشرك ويلغيه، والموت ليصاحب الحياة وينهيها، والجنّة وجهنّم لتطبيق مبدأ الثواب والعقاب.
هي الدنيا التي لا تقوم على وجه الجمال وحده ولا على وجه القبح وحده، ولا على فضل الخير والمحبة والغنى والفرح والوفاء…كما لا على ويلات الشرور والبغضاء والفقر والحزن والعقوق.
فلا عجب أن تكون هذه الثنائيات، جزءًا أصيلًا في الكينونة الإنسانية التي لا تحيا إلا بوجودها، ولا تتكامل إلّا بصراعها المستمر للسيطرة وتسييد النقيض، وربما ما كان متاحًا لهذه الكينونة أن تنتعش، لولا هذا التضادّ المستبد، وقديمًا قال الشاعر أبو فراس الحمداني: «وفي الليلة الظلماء يفتقد البدرُ.»
كما قيل:
«ضدّان لما استجمعا حَسُنا والضدُّ يُظهر حسنه الضدّ.»
من هذه الأساسية التكوينية، نتناول ثنائية الصديق العدو، ليس بكونها استثناء مستغربًا، ولا شذوذًا ولا غريبًا طارئًا على مناهج حياتنا وخصالنا، إنما كشأن حتميّ الوجود، لا فكاك من حدوثه ومرافقته لشؤون ما يعارضه ويتنافى معه، على الرغم مما يحدثه – كما سائر المضادّات – من نتائج وآثار.
في مفهوم الصداقة:
الصداقة: رمز إنساني وحاجة نفسية واجتماعية.
الصداقة مطلب إنساني، وعنصر أساسي من مكوّنات الذاكرة والهوية. ويعتبر شعورنا بالانتماء جزءًا من الاستجابة لمجموعة الذكريات التي شكّلها الأصدقاء في الطفولة والمدرسة والعمل والمجتمع.
والصداقة حاجة اجتماعية، يتبلور عبرها تحقيق الصفة الاجتماعية للإنسان، كما يتمّ عن طريقها إشباع رغبة المرء ونزعته للاجتماع والاختلاط، والارتياح إلى قبوله وانضمامه إلى الآخرين، والحوار وتبادل الأفكار معهم.
والصداقة حاجة نفسية وصحية، تنمّي الجانب العاطفي، وتقدّم دعمًا نفسيًا مهمًّا، نظرًا لما توفّره من شعور بالاطمئنان والسعادة والأمان العاطفي والراحة النفسية، الناتجة عن اليقين بوجود وقاية معنوية ومادية، عند مواجهة ضغوط الحياة وتحدّياتها.
وحاجتنا إلى الأصدقاء لا تكاد تقلّ عن حاجتنا إلى الهواء والماء، ولعلّ من أكرم ما يجود به الزمان على المرء، أن يمنحه صديقًا صدوقًا وفيًا، يشاركه ويقاسمه الأفراح والأتراح، ويسنده ويدعمه ويقيل عثرته، ويزيل همّه ويفرّج عنه، ويمدّه بالرأي والنصيحة. فهو بلسم للجراح، ومفرّج للكرب، وموئل للأسرار.
ومن مأثور ما ورد في تراثنا:
«سَلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها صديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوعدِ مُنصِفا.»
كما قال المتنبي: «شرّ البلاد مكان لا صديقَ بهِ.»
في مفهوم العداوة
أما العداوة فهي الوجه الآخر القاتم والمناقض للصداقة، فهي تجسّد كل نوازع البغضاء والكراهية والحسد والخداع…بين طرفين، والهادفة إلى الإيقاع بالطرف الآخر والانتقام منه، بوسائل شتى، إلى حدود القضاء عليه.
وعلى الرغم مما يقدّمه عنصر العداء أحيانًا – في حال اكتشافه – من بعض المنافع، المتمثلّة في اتباع الحيطة والحذر، والتنبّه للعيوب ومناطق الضعف والاستهداف، والحثّ على التحصين والمناعة الذاتية، كما قد يكون دافعًا إيجابيًا لتحسين علاقتنا بالصديق أو فهمه بشكل أفضل، إلّا أن ذلك لا يقلّل أبدًا من الأخطار الكامنة في هذا العنصر، ومن النتائج الوخيمة والخسائر الفادحة المترتّبة عليه، على مختلف المستويات الشخصية والاجتماعية والاقتصادية.
وكم كان صادقًا شاعر الحكمة والفروسية أبو الطيّب المتنبي حين قال:
«ومن العداوة ما ينالك نفعُه ومن الصداقة ما يضرّ ويؤلم.»
الصديق العدو
يمثّل هذا النموذج الأسود، خطرًا وتهديدًا للإنسان يفوق كثيرًا ما تحمله العداوة المكشوفة.
فالعدو الظاهر يكشف لك عداءه صريحًا، ويكون أكثر وضوحًا. تعرف من هو، وتعلم كيف تتعامل معه. العدو المكشوف قد لا يكون قادرًا على التسلّل إلى حياتك، والوقوف على خباياك ومكنوناتك، كما أنه لا يخفي نواياه أو مشاعره. وبذلك يكون التعامل مع الأعداء الظاهرين أسهل من ناحية التوقّع والتأهّب.
أما العدو الصديق فهو العميل المزدوج، الذي يظهر لك الودّ والصداقة في العلن، ويبطن الغدر ويضمر الخيانة في صدره، ويخطّط ضدّك في الخفاء والسرّ.
الصديق العدو، هو الذي يحمل الوجهين معًا، الأسود والأبيض، هو الداء المقنّع بالدواء، وهو اللص المتخفّي في عقر الدار، والحيّة الرقطاء المندسّة في الزوايا الحميمة والنافثة سمومها على مقربة بين الضلوع، وهو الخصم اللدود المتأبط شرًا، والمتدثّر بأثواب العفة والمحبة والوفاء…
وهو الذي يرافقك كصديق، ويخدعك بطيب معشره وحديثه ومعاملته، ثم لا يلبث في موقف خاطف، أن يقلب لك ظهر المجنّ، ويكشّر عن أنيابه، ليحطّم سمعتك ومصالحك وموقعك، وينهش لحمك وعظامك.
يتّصف الصديق العدو بالخبث والرياء والخيانة…
فهو النمّام والظنّان والغدّار، والذئب المتلحّف بجلد الحمل الوديع، يساير ويحايل ويداهن ويلاطف ويتمسّح بالأعتاب، ليكتشف ثغرة الانقضاض، ويقتنص ويتربّص ليداهم وينقضّ على فريسته، بعد أن يخدّرها بمعسول خطابه وسلوكه ومواقفه، ليشفي غليل مآربه وأطماعه.
والصديق العدو متلازمة رافقت البشرية منذ التكوين وعبر مسيرتها التاريخية الطويلة.
فهو الشيطان الذي يغوي الإنسان ويغريه، ويتبدّى له صديقًا حميمًا حريصًا على مصالحه ومكاسبه، ويزيّن له معارج السعادة والفوز، ويَعدِهُ بكل ما يثير ويشبع شهواته وغرائزه، ليزرع فيه التشكيك والفاحشة والمعاصي، تمهيدًا لإهلاكه والتخلّص منه.
قال تعالى في قرآنه الكريم، على لسان إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. [الحجر: 39]
وقال محذّرًا:
﴿قُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾. [الإسراء: 53]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾. [الحجرات: 12]
وهو يوضاس (يهوذا الإسخريوطي)، الذي خان معلّمه السيد المسيح عليه السلام، وباعه بثلاثين من الفضة، وسلّمه إلى أعدائه. وذهبت قُبلته لسيّده، التي سدّدها كالطعنة ليدلّ الأعداء عليه، مثلًا ساطعًا للخيانة والغدر، حيث يقال: «أخبث من قبلة يوضاس.»
وهو المتمثّل بصورة «الإخوة الأعداء»، وليس الصديق العدو فقط، في قصة يوسف، كما وردت في سورة يوسف في القرآن الكريم، والتي تُعدُّ نموذجًا وعبرة لمن يعقل ويتفكّر في شأن انقلاب المحبة والأخوة إلى البغض والحسد والعداوة. فقد كان يوسف يحظى بحب كبير من أبيه يعقوب، وقد لاحظ إخوته مكانته عند أبيهم، فأخذ منهم الحسد كل مأخذ، واعتصرت قلوبهم الغيرة منه والحقد عليه. ووسوس لهم الشيطان، فاتفقوا عليه وغدروا به وألقوه في بئر عميقة، وادّعوا أن الذئب أكله.
وهو المتجلّي أيضًا في الأسطورة الإغريقية، التي تعرض خطف الأميرة الفينيقية الشابّة أوروبا من قِبل الإله اليوناني زيوس، الذي سحره جمالها، وقرّر التقرّب منها، فتحوّل إلى ثور أبيض، وجلس عند قدميها بخضوع ووداعة، ولما اقتربت الفتاة منه وراحت تداعب عنقه، تابع زيوس إغراءها إلى أن جلست الأميرة على ظهره، وسرعان ما اختطفها وركض بها نحو البحر.
وهو بروتوس، الذي سدّد طعنته الأخيرة القاتلة، إلى صدر صديق عمره الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر، فيما كان يتوجّه نحوه راجيًا الحماية والإنقاذ من الطعنات الأخرى التي تلقاها في جسده من كل من وثق بهم، وصاح قبل أن يسقط: «حتى انت يا بروتوس؟!» كما وردت في الفصل الثالث من مسرحية يوليوس قيصر، للكاتب البريطاني الشهير وليم شكسبير. وكانت طعنة بروتوس هي الطعنه المشينة الغادرة، التي تمّ تصنيفها بأنها من أبشع الطعنات وأقبح عملية اغتيال في التاريخ، فهو لم يطعن صديقه في جسده فحسب، بل في شخصه وثقته وأماله.
وفي مثل هذه الخيانات والعداوات المتأتية من أقرب الناس، قال جبران خليل جبران: «عندما أصابت الرصاصة قلبي لم أمت…لكنني متّ لما رأيت مطلقَها.»
ولا تقتصر عداوة الصداقة على العلاقات الشخصية فقط، إنما تطال أيضًا الروابط الأسرية والاجتماعية، والشراكات التجارية، والتحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين الدول.
ويزخر تراث العالم التاريخي والأدبي، بالأحداث والوقائع والقصص والروايات والأعمال الفنية، التي تتناول ظاهرة الصداقة اللدودة، وتعرض دوافعها وأسبابها وآثارها المدمّرة على النفس وعلى المجتمع، وتقدّم أمثلة ودروسًا إنسانية بالغة التأثير.
كما يزدحم معجمنا العربي بالحِكَم والمواعظ الداعية إلى التنبّه والتريّث في عقد الصداقات والإفراط في منح الثقة والبوح بالمكنونات والأسرار.
وفي ذلك يقول الشعراء وأهل الحكمة:
«احذر عدوّك مرّة واحذر صديقك ألف مرّة
فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرّة.»
و:
«أعلّمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علّمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني.»
وقال الشاعر العباسي صالح عبد القدوس:
«لا خير في وُدِّ امرِئٍ متملقٍ حلْوِ اللسانِ وقلبُهُ يتلَهَّبُ
يلقاك يحلف أنه بك واثقٌ وإذا توارى عنك فهو العقربُ
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغُ الثعلبُ.»
ومن روافد هذه الثنائية، لا بدّ أن نعرّج على حالة تعتبر أيضًا من أشدّ الحالات إيلامًا وقسوة، ومن اقّذع ما يقضّ مضاجع المرء ويثير لديه المخاوف والقلق والقهر والإحباط، وهي الحالة التي يجد فيها المرء نفسه مضطرًا للتعايش مع عدو له، لا يملك مقاومته ولا تغييره ولا الابتعاد عنه، وقد يكون من أحد أعضاء الاسرة أو الرفاق أو النظام السياسي أو السلطة الحاكمة. وهو ما عبّر عنه المتنبي بقوله:
«ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدوًا له ما من صداقته بدُّ.»
وقبل أن نخرج من هذا الجانب العدواني، المادّي والمعنوي، المظلم والمؤلم، نرى من الملحّ والمهمّ أن نشير إلى صديق عدو مستحدث، لا يرتدي ثياب القوم ولا يتمنطق بجلدهم ودمهم، إنما يأتي بالكلمة والصورة والصوت واللون، متجمّلًا بكل أنواع السحر والإثارة، ويملأ الفضاء بالأخبار والآراء، الغثّة والسمينة، على مدار الساعة، وأعني بذلك تلك الطفرة التي تكتسح حياتنا المعاصرة، والمعروفة بـ«العالم الافتراضي»، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، التي تصاحبنا ليلًا ونهارًا، ولا تفارق حضورنا في مختلف الأماكن والجلسات، والتي استعبدتنا والتصقت بأعمق دخائلنا، وأغوتنا بما تقدّمه لنا من خدمات ومزايا، فيما هي تحصي علينا أنفاسنا، وترصّد تحرّكاتنا، وتكشف أدقّ التفاصيل عن حياتنا وأفكارنا وانتماءاتنا وتوجهاتنا، لتوظّفها في خدمة استراتيجيات القوى المتهافتة على تصنيعها وتطويرها، بغية السيادة والهيمنة، وتسيير العالم ضمن نمطية حياتية جديدة، تخرج عن كل ما أسّسته حضارات التاريخ وقيم الأديان وأخلاقياتها.
الخلاصة:
إلى جانب العنقاء والغول، صنّف العرب في حكمتهم، «الخلّ الوفي» من ثالث المستحيلات في الوجود، للدلالة على تقلّب القلوب والأهواء وعدم ثباتها، وتضارب المصالح والغايات.
وأمام هذه الاستحالة بالعثور على «الخلّ الوفي»، كيف يمكن للإنسان، هذا الكائن الاجتماعي بتكوينه، أن يعيش السأم والملل وحيدًا في صحراء قاحلة، من دون أصدقاء وأصحاب؟
فالوحدة قاتلة بحق، لكنها أرحم من جليس السوء ومعشر السفهاء الأعداء.
وأمام هذا الواقع، ليس بوسع المرء إلّا أن يكون متوازنًا في علاقاته، متأنيًا في اختيار أصدقاء عمره، فطِنًا ذكيًا في انتقاء الصحبة التي يأمن إليها ويطمئن، غير متسرّع ومتلهّف لعقد الصداقات وربط العلاقات عند اللقاءات العابرة والظرفية. فالمعرفة لا تغني عن المعاشرة لاكتشاف السرائر وما تخفيه، ولا بدّ من التفكّر عميقًا، والتروّي والتمحيص، ومراجعة المواقف والسلوك والآراء، حتى يتيقّن المرء من توثيق علاقاته مع الآخرين، ويتجنّب الوقوع في الشرك والمجهول. فليس المهم تكديس الأصدقاء، بقدر ما هو مهم الشعور بالطمأنينة والراحة النفسية معهم.
كما أن من حسن الفطن أيضًا، عدم التسرّع في الأحكام، وعدم اللجوء إلى فضّ التواصل وقطع العلاقات بسرعة وتهوّر، فكم من عداوة تحوّلت إلى صداقة متينة؟ وكم من الأصدقاء خسرنا بسبب نزوة أو ظنّ بالسوء، أو الأخذ بنميمة ووشاية ظالمة وغير بريئة؟
فالحياة لا تحلو ولا تنمو ولا تغتني إلا بالأصدقاء، ولا تطيب المجالس والمحادثات إلا مع فريق متجانس ومتقارب ولا يحمل أحدهم في نفسه غلًّا ولا خداعًا.

