photo credit: https://tanguay.info (Goethe and Eckermann)
ترجمة: عبد الكريم الناصري
مقدمة المترجم:
(وصف “نيتشة” كتاب اكرمان “أحاديث مع غيته” بقوله “إنه أحسن كتاب في الألمانية ” وبذلك يكون الفيلسوف الكبير قد وضع هذا الكتاب – الذي سجل فيه شاب لا شأن له ولا موهبة في الظاهر، أحاديث غيته – لا فوق كل ماكتب في الألمانية من فلسفة وأدب وعلم حسب، بل وفوق كل ما أنتجه الشاعر العظيم نفسه من روائع الآثار خلال نصف قرن.
|
|
وقد كان اكرمان شاباً معدماً مغموراً في الحادي والثلاثين من عمره حين اتصل بالشاعر في ربيع سنة 1823 وكان “غيته” في الرابعة والسبعين، وفي أوج مجده الأدبي. أما مناسبة هذه الصلة بين رجلين لا يربطهما رابط من ثقافة أو شهرة أو مركز اجتماعي، فهي أن اكرمان اراد ان يساعده – غيته- على نشر مجموعة شعرية له عند ناشره، ولكن غيته أنس في الشاب صفات أعجبته، فاستبقاه في “فايمار” ليشرف على تنظيم مخطوطاته واعدادها للنشر، وعامله معاملة الصديق لا المستخدم. ومن هذه الصداقة – التي استمرت حتى وفاة الشاعر في 1832 – انبعثت الأحاديث الشهيرة التي رفعت “اكرمان” من وهدة الخمول الى مصاف الخالدين.
وقد نقلت هذا الحديث عن الترجمة الإنكليزية لجون اوكسنفورد(*) توخيت في الترجمة الدقة والامانة قبل كل شيء ولم التفت الى أي اعتبار وراء ذلك إلا عرضا.- المترجم (مقدمة الترجمة في عالم الغد)
+++
|
|
الخميس 2 نيسان 1829
قال “غيته” اليوم على الغداء:
“سأبوح لك بسر لن يلبث عاجلا أو آجلا أن يعلن للناس. إن “كابوديستريا”1 الكونت جيفاني انتونيو كابوديستريا – رئيس الجمهورية اليونانية الانقلابية لذلك العهد- المترجم OK Cancel لن يبقى طويلا على رأس الحكم في اليونان، لأنه يفتقر الى صفة لايستغنى عنها من يكون في مثل مركزه: إنه ليس بجندي، ولم يسبق قط أن استطاع سياسي محض تنظيم دولة ثورية، واخضاع الجيش وقادته لسلطانه.
قد يستطيع الرجل بيده السيف، وتحت إمرته الجيش، أن يأمر ويشرع، واثقا من طاعة الناس له، فأما من دون ذلك فالمحاولة محفوفة بالأخطار. ولو لم يكن نابليون جنديا لما وسعه أن يبلغ السلطة العليا. ومن أجل هذا فإنّ كابوديستريا لن يحتفظ بالمكان الأول طويلا، وإنما مصيره أن يلعب دورا ثانويا عما قريب. إني اقول لك هذا من الآن وسوف تراه يقع. إنه شيء مستقر في طبيعة الأشياء ولا مفر من حدوثه.”
وبعد ذلك تحدث “غيته” كثيرا عن الفرنسيين، ولا سيما، (كوزان) و(فيلمان) و(غيزو) ومما قاله2 كان غيته كثيرا ما يقرن بين هؤلاء النوابغ الثلاثة في أحاديثه: الأول (فكتور كوزان) هو مؤسس الفلسفة الروحية الوفاقية في فرنسا، والثاني (آبيل فرانسوا فيلمان) ناقد أدبي، والثالث (فرانسوا بييرغيوم غيزو) مؤرخ معروف – المترجم OK Cancel:
“إن هؤلاء الرجال ينظرون في الغرض subject من الأغراض، ومن خلاله، ومن حوله، بنجاح عظيم، إنهم ليجمعون بين المعرفة الكاملة بالماضي وبين روح القرن التاسع عشر، والنتيجة مدهشة”
ثم تطرقنا الى أحدث شعراء فرنسا والى معنى كلمتي “كلاسيكي” و “رومنسي” فقال:
“لقد خطر في بالي تعبير جديد يحدد الوضع تحديدا غير سىء. إني أدعو الكلاسيكي بالصحيح والرومنسي بالمريض، وعلى هذا تكون قصيدة الـ Nibelungenlied كلاسيكية كالألياذة3 أي “انشودة النيبلنغيين” وهي ملحمة ألمانية قديمة يعتز بها الألمان وهي عندهم كالألياذة عند اليونان.- المترجم OK Cancel إذ كتلاهما قوية، صحيحة، ومعظم المنتجات الحديثة رومنسية، لا لإنها جديدة، بل لأنها ضعيفة، سقيمة، معتلة. والآثار القديمة كلاسيكية، لا لإنها قديمة، بل لأنها قوية، غضة، فرحة، سليمة.
وإذا نحن ميزنا بين الكلاسيكي والرومنسي بهذه الصفات، سهل علينا أن نرى طريقنا.”
وبعد ذلك دار الحديث على حبس “بيرانجيه” فقال غيتة:
“حسنا فعلوا به! فإن قصائده الأخيرة منافية لكل نظام. وقد استحق عقوبته تماما، بما أساء الى الملك والدولة وواجبات المواطنة الهادئة، وقد كانت قصائده الأولى، على الضد من ذلك، قصائد مبهجة غير مؤذية، وكانت ملائمة لإشاعة المسرة والسعادة في نفوس الناس، وهذا في الواقع هو خير مايمكن ان توصف به “الأغاني”.
قلت:” من المحقق عندي أن المجتمع الذي يعيش فيه قد أثر فيه تأثيرا سيئا، وأنه لأجل أن يرضي أصدقاءه الثوريين، راح يقول أشياء ماكان ليقولها لولا ذاك. إنه لينبغي، يا صاحب السعادة، أن تحقق ما كنت انتويته من كتابة فصل عن (التأثيرات). إن هذا الموضوع يزداد أهمية وغنى ما أطلنا الفكرة فيه؟”
قال غيته:”بل هو مفرط الخصب والغنى. إذ الحق أن كل شيء تأثير(مؤثر)، إلا أنفسنا”
قلت:”ماعلينا إلا أن نتبين التأثير من التأثيرات، هل هو نافع أم ضار – هل هو ملائم لطبيعتنا أم ناف لها”
فقال:”تلك هي المشكلة حقا. ولكن موطن الصعوبة أن يثبت الجانب الخير من طبيعتنا بعزم وقوة، ويحافظ على كيانه، ولا يبيح للشياطين demons فوق ماينبغي لهم.”
وعندما قدمت الفاكهة والحلوى، وضع على المائدة أمامنا – بأمر من غيته- غصن غار، وافر الزهر، ونبتة يابانية. فأشرت الى ما تبعثه النبتتان في النفس من مشاعر متباينة: فمرأى الغار يحدث حالة نفسية مستبشرة، منطلقة، وديعة، مطمئنة. أما مرأى النبتة اليابانية فيثير في النفس حالة اكتئاب بربري.
قال غيتة:”لستَ مخطئا في هذا. ومن أجل ذلك اعترف للنباتات التي تنمو في بلد ما بتأثير كبير في سكانه. ومن المحقق أن الذي ينفق حياته محاطا بأشجار السنديان الباسقة الوقور لابد من أن يكون إنسانا مختلفا عمن يعيش بين أشجار التبولا الطلقة الرشيقة..
ولكن لنذكر أن الناس على العموم ليس لهم مثل مالنا من طبائع حساسة، وإنما هم يواصلون مسيرتهم في الحياة من غير تلكؤ، ومن غير أن يدعوا للانطباعات الخارجية كبير سلطان عليهم. ومع ذلك فليس من شك في هذا: وهو أن خلق الشعب من الشعوب لا يتكون من خصائص العنصر الفطرية فقط، وإنما يتكون أيضا من اجتماع عوامل التربة والمناخ والقوت والحرفة. يضاف الى ذلك أن الأقوام البدائية كانت في أغلب الأحوال تستولي على الأرض التي تروق لها. ومن هنا كان الإقليم الذي يقع منسجما من البداية مع شخصيتها الفطرية٠”
ثم قال: “… وراءك على المكتب ورقة أحب أن تنظر فيها٠”
قلت:”هذا الظرف الأزرق؟”
قال:” نعم. ماقولك في الخط؟ ألا تراه خط رجل كان يحس في قرار نفسه بالنبل والحرية، وهو يكتب العنوان؟ من هو في رأيك صاحب هذا الخط؟”
وقد استرعت الورقة انتباهي، إذ كان الخط طليقا جليلا حقا.
قلت:”إن (ميرك)4 لعله يشير الى ارنست ميرك رجل أعمال وسياسي ألماني Freiherr Ernst Merck (20 November 1811 – 6 July 1863) OK Cancel كان خليقا أن يكتب هكذا..
فقال:”كلا! إنه لم يكن نبيلا وإيجابيا الى هذا الحد. إنها من تسيلتر5 لعله يشير الى كارل فريدرك تسيلتر- موسيقار ومعلم موسيقى الماني مشهور Carl Friedrich Zelter (11 December، 1758 – 15 May 1832) .- OK Cancel. وقد وفق – في كتابة هذا الغلاف – الى قلم وورق ملائمين، حتى اصبحت الكتابة تعبر عن خلقه العظيم أتم تعبير. إني سأضيف هذه الورقة الى مجموعتي من التوقيعات الخطية..”
+++
هوامش
(1) الكونت جيفاني انتونيو كابوديستريا – رئيس الجمهورية اليونانية الانقلابية لذلك العهد- المترجم
(2) كان غيته كثيرا ما يقرن بين هؤلاء النوابغ الثلاثة في أحاديثه: الأول (فكتور كوزان) هو مؤسس الفلسفة الروحية الوفاقية في فرنسا، والثاني (آبيل فرانسوا فيلمان) ناقد أدبي، والثالث (فرانسوا بييرغيوم غيزو) مؤرخ معروف – المترجم
(3) أي “انشودة النيبلنغيين” وهي ملحمة ألمانية قديمة يعتز بها الألمان وهي عندهم كالألياذة عند اليونان.- المترجم
(4) لعله يشير الى ارنست ميرك رجل أعمال وسياسي ألماني
Freiherr Ernst Merck (20 November 1811 – 6 July 1863) –
(5) لعله يشير الى كارل فريدرك تسيلتر- موسيقار ومعلم موسيقى الماني مشهور
Carl Friedrich Zelter (11 December، 1758 – 15 May 1832) .-

