لفظُ الصَّديق
ينقل أبو حيَّانَ التَّوحيديُّ في “رسالة الصَّداقة والصَّديق” عن الأندلسيِّ1 هو النَّحويّ الشَّاعر عبدُ الله بن حمُّود الزُّبيديُّ الإشبيليُّ الأندلسيُّ. OK Cancelأنَّ لفظَ الصَّديق مأخوذٌ من الصِّدْق، وهو خلاف الكذب، و من الصَّدْق لأنَّه يقال: رُمْحٌ صَدْقٌ أي صُلْب. وعلى الوجهين، الصَّديقُ يصدُقُ إذا قال، ويكون صَدْقاً إذا عمل. وصدَقةُ المرأة وصَدَاقها وصُدقتها كلُّه منتزعٌ من الصِّدْق والصَّدْق، وكذلك الصَّادق والصِّدِّيق والصَّدوق والصَّدقة والمتصدِّق والمصدِّق، كلُّ هذا متواخٍ2 أي متناسب. OK Cancel.
طبقات الأصدقاء
يصنِّف أبو حيَّانَ التَّوحيديُّ النَّاسَ من حيثُ حفظهم عهد الصَّداقة إلى: الملوك والأمراء، وأتباعهم، والمزارعين، والتُّجَّار، ورجال الدِّين، والكتَّاب وأهل العلم، ثم الرَّعاع والسُّوَقة، يقول: (وأمَّا الملوك فقد جلُّوا عن الصَّداقة، ولذلك لا تصحُّ لهم أحكامها ولا توفي بعهودها، وإنَّما أمورهم جارية على القدرة والقهر والهوى والشَّائق والاستحلاء والاستخفاف. وأمَّا خدمهم وأولياؤهم فعلى غاية الشَّبه بهم ونهاية المشاكلة لهم لانتشابهم بهم وانتسابهم إليهم وولوع طورهم بما يصدر عنهم ويرد عليهم. وأمَّا التُّنَّاء وأصحاب الضِّياع فليسوا من هذا الحديث في عير ولا نفير. وأمَّا التُّجَّار فكسب الدَّوانيق سدٌّ بينهم وبين كلِّ مروءة وحاجزٌ لهم عن كلِّ ما يتعلَّق بالفتوَّة. وأمَّا أصحاب الدِّين والورع فعلى قِلَّتهم ربَّما خلصت لهم الصَّداقـة لبنائهم إيَّاها على التَّقوى وتأسيسها على أحكام الحرج وطلب سلامة العقبى. وأمَّا الكُتَّاب وأهل العلم فإنَّهم إذا خلوا من التَّنافس والتَّحـاســد والتَّماري والتَّماحك فربَّما صحَّت لهم الصَّداقة وظهر منهم الوفاء وذلك قليل، وهذا القليل من الأصل القليل. وأمَّا أصحاب المذاب والتَّطفيف فإنهم رجرجة بين الناس، لا محاسنَ لهم فتُذكَر ولا مخازي فتُنشَر).
إنَّ هذا التَّصنيف لا يخلو من التَّجنِّي والمبالغة، ولا شكَّ أنَّ التَّوحيديَّ قد وضعه بحسب ما رآه من أهل عصره وما خبره من كبارهم وصغارهم.
التَّلوُّن في الوداد
يقول أبو حاتم محمَّد بن حِبَّانَ البُستيُّ في كتاب “روضةالعقلاء و نزهة الفضلاء”: (العاقل لا يصادق المتلوِّن ولا يؤاخي المتقلِّب، ولا يُظهر من الوداد إلَّا مثل ما يُضمِر ولا يُضمِر إلَّا فوق ما يظهر، ولا يكون في النَّوائب عند القيام بها إلَّا ككونه قبل إحداثها والدُّخول فيها لأنَّه لا يُحمَد من الإخاء ما لم يكن كذلك). و(العاقل لا يقصر في تعاهد الوداد، ولا يكون ذا لونين وذا قلبين، بل يوافق سرُّه علانيتَه وقولُه فعلَه. ولا خير في متآخيَين ينمو بينهما الخلل ويزيد في حاليهما الدَّغَل).
وأنشدَ المنتصر بن بلال الأنصاريُّ:
وكمْ مِنْ صَديقٍ ودُّهُ بلسانِهِ خَؤونٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ لا يتندَّمُ
يُضاحكُني كُرْهاً لكيما أَوَدُّهُ وتَتْبَعُني منْهُ إذا غِبْتُ أَسْهُمُ
وأنشد رجلٌ من خزاعة:
وليسَ أخي مَنْ وَدَّنِي بلسانِهِ ولكنْ أخي مَنْ وَدَّني في النَّوائبِ
ومَنْ مالُهُ مالي إذا كنتُ مُعْدِماً وماليْ لهُ إِنْ عَضَّ دَهْرٌ بِغاربِ
فلا تَحمَدَنْ عندَ الرَّخاءِ مُؤاخياً فقدْ تُنْكَرُ الإِخوانُ عندَ المصائبِ
وما هُوَ إلَّا كيفَ أَنتَ ومَرْحَبا وبالبيضِ رَوَّاغُ كَرَوْغِ الثَّعالبِ
نصفُ صديق
قيلَ لأعرابيٍّ: ألكَ صديقٌ؟ قال: أمَّا صديقٌ فلا، ولكنْ نصفُ صديقٍ، قيل: فكيفَ انتفاعُكَ به؟ قال: انتفاعُ العُريانِ بالثَّوبِ البالي.
رُبَّ لَحْظٍ أصدقُ من لفظ
قالتِ العرب: (رُبَّ لحْظٍ أصدقُ من لفْظ). وقالتِ الرُّوم (العينُ نافذةُ الرُّوح)3 هذه المقولة نُسبت إلى شيشرون وإلى ليوناردو دافينشي وإلى ويليام شكسبير. OK Cancel.
ما برح النَّاس منشغلين بالحثِّ على الحرص على الصَّديق الحميم والتَّجاوز عن زلَّته مثلما حذَّروا من الصَّديق المتلوِّن، فالنَّفس تتوق إلى خلٍّ صافي الودِّ غير خوَّان. ولعلَّ خير ما استدلُّوا به على صحَّة الوداد وصدق العاطفة نظرةُ العين فإنَّها لا تكاد تبدي إلَّا ما يضمر القلب من الودِّ ولا تكاد تخفي ما يُجِنُّه الضَّميرُ من الصَّدِّ. وفي هذا يقول ابنُ الزَّيَّات الوزير:
رُبَّ لَحْظٍ يكونُ أَبينَ من لفْظٍ وأبدى لِمُضمَراتِ القُلوبِ
ويُنسَبُ لعليٍّ بن أبي طالب:
والعَينُ تَعلمُ مِن عينَي مُحدِّثِها إن كانَ مِن حِزبِها أو مَن يُعاديها4 ورُويَ: مِن أعاديها. OK Cancel
عيناكَ قَد دَلَّتا عَينيَّ منكَ على أشياءَ لولاهما ما كُنتَ تُبديها
وفي ديوان الشِّعر العربيِّ الكثيرُ من الشَّواهد الشِّعريَّة على أنَّ العينَ أبينُ شهادةً على ما في القلبِ من اللِّسان. قالَ إمام اللُّغة ابنُ الأعرابيِّ:
الْعَيْنُ تُبْدِي الَّذي في نَفْسِ صاحِبِها مِـــــنَ الشَّـــــــناءةِ أَوْ وُدٍّ إذا كانـــا
إنَّ الْبَغيــــــــضَ لَهُ عَـــــــيْنٌ يَصُـــــــدُّ بها لا يستطيعُ لِمَا في الصَّدْرِ كِتمانا
فَالعَيْنُ تَنْطِقُ والأَفْوَاهُ ساكتةٌ حتَّى تَرىٰ مِنْ ضَميرِ القَلبِ تِبْيانا
وأنشدَ عبدُ العزيز بنُ سليمانَ الأبرش:
لحا اللهُ مَنْ لا يَنفعُ الودُّ عِندَهُ وَمَنْ حَبْلُهُ إنْ مُدَّ غَيْرُ مَتينِ
وَمَنْ هُوَ ذو لَونَينِ لَيسَ بِدائمٍ على الوَصْلِ خَوَّانٌ لكُلِّ أَمينِ
وَمَنْ هُــــوَ ذُو قَلْـــــبَينِ أمَّا لــــقاؤُهُ فَـخِـلْوٌ وَأَمَّــا غَــيْبُـهُ فَـظَــــنينُ5 في البيت إقواء. والظَّنينُ المتَّهمُ. OK Cancel
وَمَنْ هو إنْ تُحدِثْ لَهُ الْعَيْنُ نَظْرَةً يُقَطِّعْ بها أسبابَ كُلِّ قَرينِ
وقالَ بعضُهم:
وما أُحِبُّ إذَا أَحببتُ مُكتَتِماً يُبدِي العَداوةَ أحياناً ويُخفيها
تَظَلُّ في قَلبِهِ البَغْضاءُ كامنةً فالقَلبُ يَكتُمُها والعَينُ تُبْديها
وشذَّ آخرُ بالرَّأي فقالَ:
لَيسَ المُسيءُ إذا تغيَّبَ سَوءُهُ عــنِّي بــمَنزلةِ المُــسيءِ المُعْلِــنِ
مَنْ كانَ يُظْهِرُ مَا أُحِبُّ فإنَّهُ عِنْدي بمنْزِلةِ الأمينِ المُحْسِنِ
واللَّهُ أَعلَمُ بالقُلُوبِ وإِنَّما لَكَ ما بَدا لكَ مِنهُمُ بالألسُـنِ
ولقد يُقالُ خِلافُ ذلكَ إنَّمَا لَكَ ما بدا لَكَ مِنهُمُ بالأعــيُنِ
بين الخليفةِ المطيع لله العبَّاسيِّ وابنِ المرزبان الكاتب وهايدر
في عام ١٩٤٦ وضع عالم النَّفس الاجتماعيُّ فريتز هايدر (نظريَّة التَّوازن) الَّتي تفترض أنَّ الأفراد يسعون للحفاظ على الانسجام أو التَّوازن النَّفسيِّ والاجتماعيِّ في علاقاتهم مع الآخرين. تقوم هذه النَّظريَّة على أربع قواعد أساسيَّة تعبِّر عن طبيعة العلاقات بين الأشخاص هي: صديقُ صديقي صديقي، عدوُّ صديقي عدوِّي، صديقُ عدوِّي عدوِّي، عدوُّ عدوِّي صديقي. غير أنَّ البحث العلميَّ لم يتمكَّن من تطبيق هذه النظريَّة عمليَّاً حتَّى وقت قريب بسبب صعوبة تمثيل العلاقات الاجتماعيَّة المعقَّدة في نماذج كمِّيَّة دقيقة. وفي أيار من عام ٢٠٢٤ نشر فريق من جامعة نورث وسترن الأميركيَّة ورقةً بحثيَّة لدراسةٍ استخدَم فيها أساليب الفيزياء النَّظريَّة الإحصائيَّة لإثبات صحَّة مبادئ نظريَّة هايدر من خلال تمثيل العلاقات الاجتماعيَّة بنماذج رياضيَّة تشبه تلك المستخدمة في تحليل الأنظمة الفيزيائيَّة المعقَّدة.6https://phys.org/news/2024-05-statistical-physics-corroborate-1940s-social.html?utm
وقبل هايدر بألفِ سنةٍ، نقل ابنُ المرزبانِ الكاتبُ أنَّ الخليفةَ المطيعَ لله العبَّاسيَّ قال: صديقُك صديقُك، وصديقُ صديقِك صديقُك ، وعدوُّك عدوُّك ، وصديقُ عدوِّك عدوُّك ، وعدوُّ صديقِك عدوُّك ، وعدوُّ عدوِّك صديقُك.
فهل اطَّلع هايدر على كلام الخليفة العبَّاسيِّ فطوَّر نظريَّته أم أنَّ الحافر وقع على الحافر؟
هوامش:
* البيت للشَّاعر نعمان ماهر الكنعانيّ
1. هو النَّحويّ الشَّاعر عبدُ الله بن حمُّود الزُّبيديُّ الإشبيليُّ الأندلسيُّ.
2. أي متناسب.
3. هذه المقولة نُسبت إلى شيشرون وإلى ليوناردو دافينشي وإلى ويليام شكسبير.
4. ورُويَ: مِن أعاديها.
5. في البيت إقواء. والظَّنينُ المتَّهمُ.
6. https://phys.org/news/2024-05-statistical-physics-corroborate-1940s-social.html?utm

