Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

Friendship, a Modern but Ancient Topic ~ الصَّداقةُ عنوانٌ قديمٌ متجدِّدٌ

Basil Younis Thanoon

Abstract

Friendship is an ancient concept that has been renewed in every era. It is a human value as old as humanity, and human existence has been linked to it since the dawn of history. Ancient Greek philosophers discussed the concept of “friendship,” and Aristotle defined it as “a mutual concern for the happiness of another person, not for personal interest or benefit.” Mathematics graduate David Constant*, who holds a master’s and doctorate in Greek and Latin literature, also discussed the topic of friendship in his book (Friendship in the Classical World). At the same time, friendship remains a modern and renewable topic, constantly addressed by social and psychological research and studies, and interacting with various societal and cultural changes.

باسل يونس ذنُّون الخيَّاط

الملخَّص

الصداقة عنوان قديم متجدد في كل عصر، وهي قيمة إنسانية قديمة قِدم البشرية، وقد ارتبط وجود الإنسان بها منذ فجر التاريخ. تناول الفلاسفة اليونانيون في العصور القديمة مفهوم “الصداقة”، وعرَّفها أرسطو بأنها “اهتمام متبادل بالسعادة لذات شخص آخر، وليس لمصلحة أو منفعة”. وناقش موضوع الصداقة خريج الرياضيات ديفيد كونستان الحاصل على الماجستير والدكتوراه في الأدب الإغريقي واللاتيني في كتابه (الصداقة في العصور القديمة Friendship in the classical world). وتظل الصداقة موضوعاً حديثاً متجدداً تتناوله الأبحاث والدراسات الاجتماعية والنفسية باستمرار وتتفاعل معه التغيرات المجتمعية والثقافية المختلفة.

مقدِّمة:

الصداقة عنوان قديم متجدد في كل العصور، وقد عرّف أرسطو الكائن البشري وميزه عن باقي الحيوانات فقال مقولته الشهيرة: “الإنسان حيوان اجتماعي”. 

نعيش في عالمنا المعاصر حياة متشابكة بالغة التعقيد مما يستوجب بناء علاقات إيجابية والتعاون مع الآخرين للتغلب على الصعاب. فهذه الحياة عامة، لا نجاة فيها ولا نجاح إلَّا بالتعاون على الخير ووضع اليد في اليد لتيسير كل عسير. قال إبراهيم الموصلي (742-828م):

إذا العِبْءُ الثقيلُ توَزَّعَتْهُ       أَكُفُّ القومِ خفَّ على الرِّقابِ

الصداقة من الأواصر الإيجابية بين كيانين أو أكثر، تُشتقُّ في العربية من (الصدق Honesty) فهي علاقة إنسانية متبادلة مبنية على مجموعة من الأسس المتينة كالصدق، والمحبة، والتعاون، والإخلاص، والتفاهم، والثقة المتبادلة.

ومن التعريفات الحديثة للصداقة أنها علاقة اجتماعية وثيقة تقوم على مشاعر الحب والجاذبية المتبادلة بين شخصين أو أكثر، وتميزها خصائص عدة منها الدوام النسبي والاستقرار والتقارب العمري في معظم الحالات، مع توافر قدر من التماثل فيما يتعلق بسمات الشخصية والقدرات والاهتمامات والظروف الاجتماعية.

تتنوع أنواع الأصدقاء في حياتنا، ويمكن تصنيفهم إلى فئات بناءً على طبيعة العلاقة ومدى قربها. من بين هذه الأنواع: الأصدقاء المقرَّبون (أصدقاء العمر)، والأصدقاء العاديون (زملاء العمل أو الدراسة)، والأصدقاء المُساعدون، والأصدقاء السامون، والأصدقاء المَرِحون، والأصدقاء الحكماء، والأصدقاء المخلصون، والأصدقاء المغامرون، والأصدقاء الصادقون، والأصدقاء المستشارون.

وثمَّةَ نوع من (الأصدقاء) يُشبَّه بالعقارب، ويكون الواحد منهم ذا وجهين: وجه زاهٍ جذاب يُظهر المحبة، ووجه قاتم ينفث السّم ثم يتصرف ويتكلم بطريقة مختلفة مع فئة أخرى بهدف النفاق والمصلحة الشخصية، وقد نبَّه عليه النبي (صلى الله عليه وسلم): “إنَّ من شر الناس يوم القيامة عند الله ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه”.

 صديقنا وصديقهم:

لقد تطور مصطلح الصداقة تاريخياً. وبشكل عام فإنَّ آصرة الصداقة قد خفتت في العصر الحديث عما كانت عليه سابقاً بسبب زيادة تعقيدات الحياة. ومع ولادة وسائل التواصل الاجتماعي استُعير مصطلح (صديق Friend) للذين يربطهم تواصل اجتماعي، وغالباً ما تكون هذه الصداقة شكلية إلى أبعد الحدود وتختلف كثيراً عن مفهوم الصداقة الحقيقية. 

لقد أخذت فاعلية مصطلح “صديق” تخفُّ حتى أصبح يُطلق على الأشخاص الذين يتابعون مواقع خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي. ومنذ مطلع القرن العشرين اُستخدم مصطلح صديق Friend في المجتمعات الغربية للدلالة على العلاقات الحميمة بين الذكور والإناث بعد أن تسبقه كلمة Boy أو كلمة .Girl

في المجتمعات الغربية يكاد مصطلح “صديق” أن يكون لا محل له من الإعراب، فالعلاقات علاقات عمل ومصالح مُجردة على عكس العلاقات في المجتمعات الشرقية المبنية على المحبة والتضحية غالباً. 

أذكر في الثمانينيات عندما كنتُ في مدرسة اللغة في مانشستر كان أحد مُدرِّسينا يداوم يوماً ويغيب يوماً. في أحد الأيام سألته عن سبب ذلك، فابتسم وقال: نتناوب أنا وزوجتي في حضانة الطفل. فعندما أراد الزوج أن يكون له طفل قالت الزوجة: أنا غير مستعدة للتضحية بوظيفتي. فاتفقا على أن يتناوبا على رعاية الطفل فيقتسما أيام الأسبوع لرعايته.. رحم الله أمهاتنا! 

أكدت دراسة أمريكية أجريت عام 2006 تراجع عدد الصداقات عند الأمريكيين وتبدُّل نوعيتها ،  وأظهرت أن 25% من الأمريكيين ليس عندهم أصدقاء مقربون يثقون بهم، وأنَّ متوسط عدد الأصدقاء للشخص تراجع إلى اثنين فقط.

في العام 2011 أقرَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو/تموز (يوماً عالميّاً للصّداقة) للاحتفال به كل عام لبناء الجسور بين المُجتمعات ومُواجهة أيَّة صور نمطيّة مغلوطة والمحافظة على الروابط الإنسانيّة واحترام التنوُّع الثقافيّ.

الصّديق في الثَّقافة العربيَّة:

للصديق مكانة مرموقة في الثقافة العربية، ويُمثَّل الصديق بالأخ حتى قيل في الأمثال (رُبَّ أخٍ لم تلده أمُّك). ولهذا المثل قصة مفادها أن لقمان الحكيم مرَّ ذات يومٍ بخيمة تُجالس فيها امرأة رجلًا، فطلب أن يشرب فسقته المرأة.
 وبينما هو يشرب لاحظ وجود طفل يبكي دون أن يهتم لأمره أحد  منهما، فسأل المرأة: لمن الطفل؟ ولماذا يبكي؟ فقالت: إنَّه لهانئ. وهانئ هذا زوجها، ولم يكن بالخيمة حينها، فسألها لقمان عن الشاب الذي تجالسه فقالت: هذا أخي. فقال لقمان حينها حكمته الشهيرة (رُبَّ أخٍ لم تلده أمُّك)، وكان يقصد بذلك أنَّه فطِن إلى أنَّ الرجل الذي يجالسها ليس أخاها! وعند المساء رأى لقمان الحكيم رجلًا يسوق غنمه متجهاً نحو الخيمة التي لجأ إليها صباحاً ليشرب، فلما مرّ به لقمان دعاه الرجل لضيافته فشكره وقال له إنه استسقى امرأته صباحًا فسقته، وكان معها رجل تدَّعي أنه أخوها، فسأله الرجل: وما أدراك أنه ليس أخاها؟  فقال لقمان الحكيم: لو كان من يجالسها أخاها لما جعلها تجيبني نيابة عنه. وبعد أن تأكَّد هانئ من صدق قول لقمان فيما حدَّثه به انتقم لشرفه. ومن وقتها أُطلق هذا المثل على الصديق الذي يجالس صديقه دائماً ويكون له الأخ الذي لا يتأخَّر عن مساندة أخيه.

 وممَّا حفظه لنا التراث العربي ما قاله مسكين الدارمي وهو من شعراء العصر الأموي:

أَخاكَ أَخاكَ إِنَّ من لا أَخاً لَه      كساعٍ الى الهيجا بغير سلاحِ

وهو قول مأثور يحثُّ على التمسك بالأخ والصحبة، ويُشبِّه من لا أخ له بمن يذهب إلى الحرب دون سلاح.

إنَّ  الصديق الحقيقي يظهر وقت الشدائد والمحن ويُقدّم الدعم والمساعدة لصديقه في أوقات الحاجة. والصداقة الحقيقية لا تقتصر على الأوقات السعيدة بل تمتد لتشمل الأوقات الصعبة كذلك لأن الأوقات الصعبة هي المَحَكُّ الحقيقي.

من المقولات التي تعلمناها منذ نعومة أضفارنا: “الصَّديق وقت الضيق“، وهي مقولة سليمة لأن الكثيرين يدّعون الصداقة ولكن لا يمكن التحقق من مصداقية هذا الادعاء إلاَّ بالاختبار الواقعي وفي وقت الشدّة. 

ومن الأقوال المأثورة للإمام الشافعي رحمه الله :

لا خير فـي ودِّ امرىءٍ مُتلـوّنٍ    إذا الريحُ مالت مالَ حيث تميلُ

وما أكثرَ الإخوانَ حين تعدّهم          ولكنَّهم في النائبات قليلُ
 

 وهذا يعني أنَّ الصَّديق الحقيقي يظهر وقت الشدائد والمحن، وهو الذي يقف إلى جانبك ويدعمك في أوقات حاجتك وصعوبتك. هذا المثل يؤكد أهمية وجود الأصدقاء المخلصين الذين يقدمون المساعدة والعون وقت الأزمات، وأنَّ هذا هو الاختبار الحقيقي للصداقة وليس مجرد قضاء الأوقات السعيدة.

الصَّديق والعدوُّ وفق (نظريَّة التَّوازن):

هناك علاقات متعدِّية (Transitive Relations) في الرياضيات والمنطق الرياضي، فإذا كان العنصر الأول مرتبطاً بالعنصر الثاني والعنصر الثاني مرتبطاً بالعنصر الثالث فإنَّ العنصر الأول يكون مرتبطاً أيضاً بالعنصر الثالث.

وبتطبيق هذه القاعدة الرياضية النظرية على آصرَتي: (صديق) و (عدوّ)، نحصل على العبارات الآتية التي تكون سليمة من الناحية النظرية وفق المنطق الرياضي:

صديق صديقي صديقي، صديق عدوّي عدوّي
عدوّ صديقي عدوّي، عدوّ عدوّي صديقي 

فهل يتوافق هذا المنطق الرياضي النظري مع الحياة الواقعية؟

لو تأمَّلنا مقولة: “صديق عدوّي عدوّي” نجدها مبنية على مبدأ في العلاقات الإنسانية، فقد يتعاون طرفان ضد عدو مشترك، حتى لو لم يكونا صديقين. قال الإمام علي بن أبي طالب (ر):

صَديقُ عَدُوّي داخِلٌ في عَداوَتي    وَإِنّي لِمَن وَدَّ الصَّديقَ وَدودُ

فَلا تَقرَبا مِنِّي وَأَنتَ صَديقُهُ       فَإِنَّ الَّذي بَينَ القُلوبِ بَعيدُ

في العام 1946  طوَّر عالم النفس الاجتماعي النمساوي فريتز هايدر “نظرية التوازن Balance Theory” لشرح أنماط العلاقات بين الناس، وقد تمكَّن علماء الفيزياء والإحصاء من تأكيد صحتها. فإذا كان هناك شخصان أو أكثر يتشاركان أفكاراً متشابهة عن شيء ما فمن غير المحتمل أن يكون هناك أي توتر أو تعقيد يحيط بهذه العلاقة. ويقترح هايدر في نظريته أن التوازن في العلاقات يشتمل على أربع قواعد هي:

صديق صديقي صديقي، عدوُّ صديقي عدوّي، صديق عدوّي عدوّي، عدوُّ عدوّي صديقي.

وهذا النموذج المكوّن من علاقة بين ثلاثة أفراد (صديقي وعدوّي وأنا) يمكن إعمامه -بحسب هايدر- على كل أشكال العلاقات في المجتمع حتى يتحقق الانسجام النهائي بين أفراده. وعلى الرغم من أنَّ دراسات لا حصر لها حاولت تأكيد هذه النظرية فإنَّها باءت بالفشل لأنها لم تتمكن من استيعاب التعقيدات داخل العلاقات الإنسانية التي تؤثر في التوازن الاجتماعي بشكل كامل، مما يؤدي إلى نتائج غير متَّسقة. 

وباستخدام الفيزياء النظرية الإحصائية نجح مؤخَّراً فريق من جامعة “نورث وسترن” الأميركية في دمج القطع الأساسية التي تجعل إطار عمل “هايدر” الاجتماعي ناجحاً في الحياة الواقعية. ومع تشغيل النماذج التي ابتكروها خرجت النتائج إيجابية ومتَّسقة1https://www.aljazeera.net/science/2024/5/13/%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D8%A4%D9%83%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D8%AF%D9%88-%D8%B9%D8%AF%D9%88%D9%8A.

ويشير باحثون إلى أن الأنظمة الاجتماعية تُظهر أحياناً إحباطات مماثلة، فيمكن للعلاقات أو المواقف المتضاربة بين الأشخاص أن تخلق حالة من عدم التوازن أو التوتر داخل الشبكة الاجتماعية. وبحسب تلك الدراسة، يمكن لهذا النموذج الفيزيائي الجديد أن يساعد الباحثين على فهم أفضل للديناميكيات الاجتماعية بما في ذلك الاستقطاب السياسي والعلاقات الدولية وصولاً إلى سلوك البشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

قصَّة واقعيَّة:

في سنة 1980 سافرتُ إلى مانشستر لإكمال دراستي العليا وسافر معي زميل مع عائلته الكريمة للغرض ذاته. راتبنا الشهري كان مائتي باون؛ وهو يكاد لا يسد الرمق ويكفي متطلبات المعيشة. تولع زميلي بآلات القمار Gambling Machines وأخذ يرتادها باستمرار، وأخذت نقوده تتناقص على نحوٍ سريع، وأصبح راتبه لا يكفيه ولا يكفي متطلبات عائلته، فبدأ يستلف مني وأنا أعطيه، ثم جاءني يوماً وهو في وضع مضطرب وطلب مني شراء ذهب زوجته فرفضتُ وقلتُ له: اتقِ الله في عائلتك فأنت مسؤول عنها أمام الله تعالى.
جاءني في اليوم التالي وهو مُصِرٌّ على بيع الذهب وقال لي: إذا لم تشترِ الذهب فسأبيعه للهنود بنصف قيمته الحقيقية! وفعلاً باع الذهب -وهو من عيار ثقيل (عيار 22)- بثمن بخس. واستمر بولعه  في معاشرة مكائن القمار! 

ثم جاءني في يوم سبت وطلب مني نقوداً مجدداً، فاعتذرتُ وقلتُ له: بقي أسبوع على استلام الراتب ولم يبقَ لديَّ سوى مبلغ بسيط أعيش به حتى استلام الراتب، وأخرجتُ له محفظة نقودي لكي يتأكد من صدق كلام. عندها مدَّ يده وسحب المحفظة من يدي وقال لي: أولادي جياع وما عندهم طعام! وهكذا نفذت نقودي وبقيتُ أسبوعاً كاملاً لا أقدر أن أشتري شيئاً وأعيش على المواد التي كنت قد خزنتها سابقاً. 

بقيت علاقتي بزميلي طيبة. ولم يمكث في مانشستر سوى ثلاثة أشهر عاد بعدها إلى العراق مع عائلته ونقل خدماته من التعليم العالي إلى وزارة التربية. وعند عودتي إلى العراق اشتريت له ساعة يدوية هدية تطييباً لخاطره.
عاش بعدها زميلي عيشة طيبة وربَّى أولاده أحسن تربية. ثم أصيب بمرض عضال فنقله أولاده إلى تركيا للعلاج. وفي أحد الأيام وردتني مكالمة هاتفية من تركيا؛ اتصل بي أحد أولاده وقال لي إنَّ والده في المستشفى ويريد أن يكلّمني، فكانت المكالمة الوداعية مع ذلك الزميل الذي حوّلت الظروف الصعبة زمالتي له إلى صداقة متينة بالرغم من عمرها القصير؛ رحمه الله بواسع الرحمات.

المصادر:
– ديفيد كونستان، ” الصداقة في العصور القديمة”، 1997.

– د. ياسين أقطاي، ” الصداقة.. أزمة تتطلب نهجاً جديداً في التحليلات السياسية والاجتماعية”، 2023.

– شادي عبد الحافظ، “علماء فيزياء يؤكّدون صحَّة نظرية (عدوّ عدوّي صديقي)”، 2024.

– الجزيرة https://www.aljazeera.net/science/2024/5/13/علماء-فيزياء-يؤكدون-صحة-نظرية-عدو-عدوي

Exit mobile version