Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

الصُّدفةُ: حينَ يُعيدُ حدثٌ عابرٌ تشكيلَ مصيرِ العالمِ

صورة تخطيط للانفجار الكونيّ

زرياف المقداد 

في كلِّ مرَّةٍ نصفُ فيها حدثاً كبيراً بأنَّه *مجرَّد صدفة* فنحن في الحقيقة نعترف بحدود فهمنا لسلسلة الأسباب التي قادت إليه. لكنَّ التاريخ، عند فحصه بعمق، يكشف أنَّ الصدفة لم تكن يوماً تفصيلاً هامشياً بل كثيراً ما شكَّلت نقطة انعطاف غيَّرت مصير أمم، وأعادت توجيه حياة أشخاص، وأطلقت ثورات علمية لم تكن في الحسبان. فهل الصدفة قوة مستقلَّة أم أنَّها اسمٌ آخرُ للقدر؟ أم هي ببساطة التقاء غير متوقَّع بين ظرفٍ طارئ وعقلٍ مستعدٍّ؟

كيفَ نقرأُ الصُّدفةَ تاريخيَّاً؟

لفهم دور الصدفة لا يكفي سرد الحكاية بل يجب أن نستخدم منهج التحقيق الاستقصائي ونطرح أسئلة محدَّدة: ما الحدث العارض الذي وقع دون تخطيط؟ وما السياق السياسي أو العلمي أو الاجتماعي الذي سمح بتضخيم أثره؟ ومن الذي التقط اللحظة وكيف تصرَّف؟ وهل كان الأثر حتمياً أم أنَّ قرارات البشر بعد “الصدفة” هي التي صنعت النتيجة؟

بهذا المنهج تصبح الصدفة بداية السلسلة لا نهايتها.

كنت أحاول أن أفهم الحركة التي يجري بها بيع الأسهم العالمية. المسألة ليست صدفة. تمعَّنت بالأمر لأدرك ماذا حدث وماذا يحدث؟ 

الصُّدفة الَّتي أشعلت حرباً عالمية

في الثامن والعشرين من حزيران/ يونيو عام ١٩١٤، لم يكن العالم يتوقَّع أنَّ انحراف سيارة ولي عهد النمسا-المجر عن مسارها في سراييفو سيقود إلى حرب عالمية. محاولة الاغتيال الأولى فشلت وعُدَّت الخطَّة منتهية، لكنَّ سلسلة من الأخطاء التنظيمية وسوء الاتِّصال جعلت السيارة تتوقَّف صدفة أمام أحد المتآمرين فأطلق النار ونشبت الحرب.

التحقيق في هذه الحادثة كشف حقيقة مهمة؛ الاغتيال لم يُنشئ التوتر الأوروبي لكنَّه فعَّل شبكة جاهزة للانفجار. فالشبكة مستعدِّة وما عليهم سوى اختيار الوقت. وربَّما تكون الصدفة هنا هي  “الشرارة”، أمَّا الحرب فكانت نتيجة قرارات سياسية لاحقة رأت في التصعيد خياراً لا رجعة فيه.

إذن، فالصدفة لا تصنع الكارثة وحدها لكنَّها تمنح صنَّاع القرار ذريعةً تاريخية للفعل.

صُدفة مَخبريَّة أنقذت ملايين الأرواح

بحكم تخصُّصي في العلوم الحيوية الكيمائية حاولت كثيراً وأنا في مخبر المشريات والفطريات في كلية العلوم بجامعة دمشق وأثناء استنبات سلالات فطرية أن افهم  كيف حدثت الصدفة التي أنقدت ملايين الأرواح حول العالم. 

ففي العام ١٩٢٨، عاد عالم الأحياء ألكسندر فليمنغ إلى مختبره ليجد طبقاً بكتيرياً ملوَّثاً بالعفن. في العادة، يُرمى مثل هذا الطبق فوراً. لكنَّ فليمنغ لاحظ أن البكتيريا اختفت حول العفن. الحدث في ذاته عادي، الجديد هو الانتباه.
هكذا وُلد البنسلين ثم عصر المضادات الحيوية الذي ضاعف متوسط العمر وغيَّر مسار الطب الحديث جذرياً.

فالصدفة تُنتج “إشارةً” لكنَّ الاكتشاف يحتاج عقلاً يرفض تجاهلها.

ضجيجٌ في هوائيٍّ صارَ أصلَ الكون

في ستينيات القرن العشرين حاول عالمان التخلص من ضجيج غامض في جهاز رصد. فشل كلُّ تفسير تقني. ولم يكن الضجيج عيباً بل رسالة: إشعاع متبقٍ من ولادة الكون. هذا الاكتشاف لم يكن ضمن أهداف البحث لكنَّه أصبح أحد أقوى الأدلَّة على نظرية الانفجار العظيم.

فالدلالة الاستقصائية تقودنا إلى أنَّ  بعض الصدف العلمية لا تأتي كحل بل كمشكلة مزعجة، ومن يصرّ على فهم المشكلة قد يعيد تعريف الكون.

والقصة كما قرأتها فيها ما يدهش حقَّاً؛ فالضجيج الثابت دفع  كلَّاً من آرنو بنزياس وروبرت ويلسون إلى البحث عن مصدره وسبب ثباته في الاتجاهات والفصول جميعاً. وفي الوقت ذاته كان فريقٌ بحثيٌّ آخر  يقوده روبرت ديكي  يسعى إلى إيجاد الاشعاع المتبقي من بداية الانفجار الكوني الأول. وعندما تبادل الفريقان المعلومات كانت المفاجأة: “هذا ليس خطأً في جهازكم. هذا ما كنَّا نبحث عنه،. قال فريق روبرت ديكي.

إنَّه صوت الصدى الحراري المتبقّي من الانفجار العظيم، ما زال يصل بعد ١٣٫٨ مليار سنة من بدايته.

هكذا تحوَّلت نظرية الانفجار العظيم من فرضية رياضية إلى حقيقة مدعومة بالرصد. وحصل آرنو بنزياس وروبرت ويلسون على جائزة نوبل في الفيزياء في العام ١٩٧٨، لا لأنَّهما كانا يبحثان عن الانفجار العظيم بل لأنَّهما لم يتجاهلا الضجيج.

حينَ تغيِّرُ الصُّدفةَ مصيرَ فردٍ وتفتحُ بابَ علمٍ جديدٍ

حادث “فِينِس غيج” في القرن التاسع عشر لم يكن تجربة علمية بل كارثة شخصية. نجا الرجل من اختراق قضيب حديدي لجمجمته لكنَّ شخصيته تغيَّرت جذرياً. وحدا ذلك بالأطباء إلى إعادة التفكير في علاقة الدماغ بالسلوك والأخلاق. 

هذه المأساة الفردية غيَّرت وجهة النظر المعرفية. 

لقد عادت هذه الحادثة بالمعطيات المعرفية النفسية والسلوكية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر إذ كان يعتقد أنّ: 

العقل = الروح،   الأخلاق = إرادة حرَّة غير مادِّيَّة،  الدماغ = أداة عامة لا مناطق متخصِّصة.

ولأوَّل مرة بدا واضحاً أنَّ الفصَّ الجبهي هو المسؤول عن ضبط السلوك واتخاذ القرار والحكم الأخلاقي والتحكم بالاندفاع. 

يكتسب الربط بين حادثة فينِس غيج وما توصَّل إليه علم الأعصاب الحديث عمقاً دلالياً آخر عند استحضار قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ۝ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (العلق: ١٥-١٦). فاللافت في الآية ليس ذكر الناصية بوصفها مقدَّم الرأس فحسب بل إسناد الكذب والخطيئة إليها مباشرة، في إشارة رمزية دقيقة إلى موضع التوجيه والضبط السلوكي. ويُظهر علم الأعصاب اليوم أنَّ الفص الجبهي، الواقع خلف الجبهة مباشرة، هو المسؤول عن اتخاذ القرار والتحكم في الاندفاع والحكم الأخلاقي، وهي الوظائف التي اختلّت لدى غيج بعد تضرّر هذا الفص. وبهذا لا تأتي الآية بوصفها تفسيراً علمياً تشريحياً بل بوصفها تعبيراً عميقاً عن مركز القيادة الأخلاقية في الإنسان بما ينسجم، دون تكلّف، مع ما كشفه العلم لاحقاً عن العلاقة بين الدماغ والسلوك.

إذن، من يصنع المصير؟

بعد تتبع الحروب والاكتشافات والحوادث الفردية يظهر نمط واضح: الصدفةُ تفتح البابَ والظروفُ تحدِّد حجمَ التأثيرِ والإنسانُ يقرِّر الاتجاه. الصدفة ليست نقيض القدر بل ربما هي اللغة التي يظهر بها القدر لمن لا يرى الصورة كاملةً.  وهي ليست عذراً لإلغاء المسؤولية لأنَّ التاريخ لا يتغيَّر بالحادث وحده بل بما نفعله بعده.

𖣔𖣔𖣔

المراجع:

القرآن الكريم

Encyclopaedia Britannica. (n.d.). Assassination of Archduke Franz Ferdinand; Retrieved from https://www.britannica.com

R. Gaynes, “The Discovery of Penicillin—New Insights After More Than 75 Years,” Clinical .Microbiology Reviews

Penzias, A. A., & Wilson, R. W. (1965) A Measurement of Excess Antenna Temperature at 4080 Mc/s. The Astrophysical Journal, 142, 419–421.

Harlow, J. M. (1868) Recovery from the Passage of an Iron Bar through the Head.
Publications of the Massachusetts Medical Society.

Damasio, A. et al. (1994) The Return of Phineas Gage: Clues About the Brain from the Skull of a Famous Patient. Science, Vol. 264, pp. 1102–1105.

 

Exit mobile version