Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

الضوء الأول

قلم: ميّ باسم الفخري

ريشة مناسة مصطفى (٨ أعوام)

عندما تمسكُ يدُ الطِّفلِ القلمَ لا تبدأُ رسمة… بل يبدأُ كونٌ كامل.

خطٌّ صغيرٌ يتحوّلُ إلى طريق، ودائرةٌ بريئةٌ تُصبحُ شمسًا تُضيء ما لا يُرى، ولونٌ عفويٌّ ينسابُ كاعترافٍ صامتٍ بما يعجزُ عنه الكلام. الرسمُ ليس ترفًا في طفولةٍ نقيّة، بل هو الحاجةُ الأولى لروحٍ تتعلّم كيف تُبصر ذاتها.

في المقابل، تقفُ الشاشاتُ كمدنٍ مُغلقة، تمنحُ الطفلَ عوالمَ جاهزةً لا يملكُ فيها إلا التلقّي. تسرقُ دهشتهُ ببطء، وتستبدلُ خيالهُ بصورٍ مُكرّرة، وتعلّمهُ أن يكونَ متفرّجًا لا خالقًا. هناك، لا يُخطئ الطفل، لكنهُ أيضًا لا يكتشف. لا يبتكر، بل يعبرُ الوقتَ بلا أثر.

أما حين يرسم، فإنهُ يُخطيء ويُعيد، ويتعلّم أن الجمال لا يُولد كاملًا بل يُصنعُ بصبر. يتصالحُ مع فوضاه ويحوّلها إلى شكلٍ يُشبهه. يكبرُ وهو يدركُ أنَّ في داخله عالمًا يستحق أن يُروى لا أن يُستهلك.

الفنّ لا يعلّم الطفل كيف يرسم فقط بل كيف يشعر وكيف ينتبه للتفاصيل الصغيرة وكيف يرى ما وراء الأشياء. الفنّ يمنحهُ قلبًا أوسع من شاشة، وخيالًا لا تحدّهُ حدود.

فكلُّ طفلٍ يُمسكُ فرشاةً إنما يُمسكُ بمستقبلهِ بطريقةٍ أكثر إنسانيةً وأكثر إشراقاً.

 

Exit mobile version