Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

برامج الذكاء الاصطناعي بين الفوائد والتحديات

تحقيق: أحمد الحاجّ

تُسابقُ المراكزُ والمؤسسات الثقافية العراقية الزمنَ، ومثلها المعاهد والكليات والجامعات العراقية، الأهلية منها والحكومية، منذ عامين على إلقاء المحاضرات وعقد الندوات وتنظيم المؤتمرات وإقامة ورش العمل لتعزيز الوعي بمفاهيم الذكاء الاصطناعي وإرساء قواعد الأمن السيبراني في ظل التحولات الرقمية المتسارعة في مشاريع الأتمتة والبحث العلمي، ومناقشة آليات التحصن من الهجمات الإلكترونية وحماية المستخدمين من مخاطرها وتداعياتها، فضلاً عن  تقديم التوصيات الكفيلة بحل الإشكالات والتحديات الأخلاقية والقانونية المرتبطة باستخدام هذه التقنيات المتسارعة باطراد والمترتبة عليها.

ومن الدورات المهمة التي حَظيتُ بشرف تغطيتها إعلامياً دورةٌ تناولت أهمية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنياته في تطوير مهارات الترجمة من اللغة الإنجليزية وإليها باستخدام الأدوات الحديثة، والحرص على تمكين المشاركين من تحرير النصوص وترجمتها بدقة وسرعة مشفوعة بإدماج هذه الأدوات في إعداد البحوث والتقارير والمراسلات العلمية بما يسهم في الارتقاء بمستوى الأداء الأكاديمي والإداري.

وغنيٌّ عن البيان أنَّ المؤسسات التربوية والتعليمية ليست وحدها من تخوض غمار هذا المضمار، فدُور الطباعة والنشر والتوزيع بمعية الكتاب والباحثين والمؤلفين منخرطون في ذلك أيضاً، فقد شهدتْ مكتباتُ ومعارض الكتب في العاصمة العراقية بغداد وغيرِها من المحافظات انتشارَ عدد غير قليل من المصنَّفات والمؤلَّفات المهمة التي تدور في فلك الذكاء الاصطناعي وبرامجه وآثاره السلبية والايجابية، ولعل من أبرزها كتاب (الذكاء الاصطناعي في الصحافة والإعلام والعلاقات العامة) لمؤلفه الدكتور نجم العيساوي، وهو في 614 صفحة وقد عالج معظم علوم الإعلام والاتصال والفنون وانعكاسات توظيف الذكاء الاصطناعي فيها مراعياً تخصصات الإعلام المختلفة فجاء مرجعاً شاملاً للباحثين والمهتمين، ويليه كتاب (الإفتاء الافتراضي عبر تقنية الذكاء الاصطناعي) للدكتور طه أحمد الزيدي، وقد أفاض المؤلف في مقدمته وفصوله ومباحثه المتنوعة في استعراض تفاصيل الموضوع وأحاط بجميع جوانبه بما يغني المهتمين والقراء عن عناء البحث ويجيب عن معظم تساؤلاتهم ذات العلاقة بالموضوع مناط البحث.

ثمَّ يأتي الكتاب الثالث وعنوانه (الإعلام الرقمي وتحديات الذكاء الاصطناعي) للدكتور عبد الكريم علي الدبيسي فيجيب على تساؤلات مهمة عن الإعلام الرقمي وتحديات الذكاء الاصطناعي حاضراً ومستقبلاً.

 وأمَّا المحاضرات فهي أكبر من العد والحصر. وحسبي أن أذكر منها المحاضرة القيمة المعنونة بـ( دور الذكاء الاصطناعي في تطوير الخطاب الديني ) للأستاذ الدكتور عماد محمد فرحان التي ألقاها ضمن سلسلة الدورات التدريبية المهارية الموسومة بـ (منبر الجمعة في العصر الرقمي) التي أطلقتها مؤسسة البصيرة المعنية بالدراسات الشرعية والوسطية والاعتدال.

يأتي ذلك كلُّه في وقت يتوقع فيه خبراء دوليون أن تستحوذ أجهزة الروبوت الآلي الذكي على عشرين مليون وظيفة في أنحاء العالم بحلول عام 2030 وفقاً لمؤسسة (أكسفورد إيكونوميكس) وهو ما يضع الجميع في حالة تترنح بين الحذر والانبهار.

 الإعلام والتَّحدِّيات الرَّقميَّة

لتعرُّف تحديات الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي وغرف الأخبار سألنا الأستاذ صهيب الفلاحي خبير التقنيات والقطاع الرقمي في كثير من الفضائيات العربية عن أبرز الوظائف الإعلامية التي يهدِّدها اعتماد برامج الذكاء الاصطناعي، فأجابنا:

– من المهم أن نتفق على نقطة جوهرية عند الحديث عن الذكاء الصناعي هي أن هذا الذكاء مساعد ومساند للإنسان وليس بديلاً عنه أبداً. فإذا استطعنا إدراك ذلك والتعامل بمقتضاه حينها ستتوقف وستحل مشكلة الخوف من اعتماده مسانداً للوظائف وفي مختلف المجالات.

المهم أن يجيد المجتمع التعامل مع الذكاء الصناعي بالشكل الصحيح والأمثل، فالممرضة فلورانس، مثلاً، التي تقدم خدمات إنسانية كبيرة للمجتمع إذا ما استطاعت أن تؤتمت عملها المكرر بكل لغات العالم من خلال الذكاء الصناعي فهذا يعني أنها ستقدم خدمة عظيمة للمجتمع لم تكن لنتخيلها قبل سنوات قليلة خلت، وأنَّ آلاف الأطباء ممن يستعينون بالذكاء الصناعي سوف يساعدهم ذلك على دقة تشخيصهم بعيداً عمَّا يعانيه الطبيب من حالات إنسانية يتعرَّض لها كالتعب والإرهاق والمرض وتشتت الفكر. ولا بدَّ من أن يُحسن المجتمع ما يسمى (هندسة الأوامر) ليُخرِج من هذا الذكاء الصناعي أفضل ما عنده وأحسن ما فيه.

* برأيكم، هل سيبحث المحرِّرون والمقوِّمون اللغويون ومصمِّمو الصحف والمجلات ورسَّامو الكاريكاتير وغيرهم – كما يشاع- عن مهن أخرى بعد دخول برامج الذكاء الاصطناعي منافساً جدِّيَّاً لهم؟

-هؤلاء وغيرهم من أصحاب المهن المختلفة سيجدون العشرات من برامج الذكاء الصناعي التي تخدم عملهم إذا أدركوا أن أدواته إنَّما هي جزء من الحل ونوع من المساعدة تمكِّنهم من التفرغ للتفكير في الحلول الإبداعية أو، ربَّما، تطوير أجوبة وأدوات الذكاء الصناعي ذاته، الأمر الذي يعني أنَّ إنتاجهم سيتضاعف بشكل لم يكونوا يتوقعونه.

ومن المهم جداً أن نتجاوز مراحل الانبهار بالذكاء الصناعي، ومن ثم ندرك أن الخوف منه إنَّما يمثل عائقاً في طريق زيادة إنتاجنا، لننطلق ونتعامل معه بذكاء، ممَّا سيتمخض عنه إيجاد فرص لعشرات المهن الجديدة المرتبطة بالذكاء الصناعي وفي جميع المجالات. من سيفقد عمله نتيجة الذكاء الصناعي هو ذلك الشخص الذي سيُصر على عدم التعامل معه. ومثله من يرى في هذا الذكاء عدواً له ومهدِّداً لمهنته، وهو في الحقيقة وسيط مساعد ومساند للجميع.

 * وماذا عن توظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، وأنتم من العاملين في هذا المجال الحيوي؟

الحديث عن فوائد استخدام الذكاء الاصطناعي وسلبياته في غرف الأخبار يحتاج إلى مقالة موسعة أو بحث شامل، ولكن عملياً يمكننا تلخيصها بنقاط:

•لقد زاد من إنتاجية الصحفي بشكل ممتاز من حيث السرعة والجودة.

• قدَّم نتيجة جيدة جداً وبكفاءة عالية.

• قلَّل الجهد المبذول في العمل.

• ساعد في خلوِّ النص من الأخطاء اللغوية إلى حد كبير.

• ساعد في الإنتاج بلغات متعددة حتى لو لم يكن الصحفي يتقن لغة العمل.

 لكن يبقى دور الصحفي أو المشرف على العمل مهماً جداً في ضبط إيقاع السياسة التحريرية. ويبقى (تشات جي بي تي) غير قادر على إعداد تقارير معمقة أو تحليلية إلا إذا أتقن الصحفي (هندسة الأوامر) معه بالشكل الأمثل، ويحتاج ذلك إلى مهارات جديدة يجب أن يُتقنها الصحفي. وأرى أنَّ التلكؤ والتأخير في تبنّي الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار له تأثيرات سلبية على العمل بشكل كبير، كما أن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي يُضعف قلم الصحفي. وهذا الموضوع فيه الكثير من الآراء والنقاش.

 مهن مهدَّدة بالتَّلاشي والانقراض

وفقاً لموقع (عالم التقنية) فإنَّ 950 تطبيقاً تحمل اسم (الذكاء الاصطناعي)، تحقِّق إيرادات كبيرة، منها مليون دولار يومياً  (لشات جي بي تي) وحده. ووفقاً لهيأة (بي بي سي) فإنَّ إقحام الروبوتات في مجال الإنتاج نتج عنه بروز ما بات يعرف (بالنزوح الوظيفي). وتزداد المطالبات بتطوير التشريعات وتفعيل القوانين النقابية وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

سألنا الباحث الأكاديمي الدكتور عامر ممدوح عن أبرز مخاوف المختصين بهذا الصدد فأجاب بالقول:

– لا شكَّ في أنَّ تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي سيؤثر على مجالات عمل واسعة، ولكن هذا الأمر ينطوي على شقين:

الأول: إنَّ التوظيف الأكبر والتأثير الأشمل سيكون في المجتمعات المتقدمة صناعياً وتكنولوجياً. وسيتأخر وصول ترددات ذلك إلى المجتمعات المتأخرة نسبياً لضعف أدواتها، بل على العكس فلربما تُحرَم من كثير منها عمداً كي لا تأخذ طريق التقدم مثل غيرها.

الثاني: ستبقى هناك مهارات يعجز عنها هذا الذكاء الموجَّه فهو يتعامل آلياً وفق ما يُغذَّى به. وسنَّة الله تعالى في خلقه أن التفاوت بين الأفراد وامتلاك المهارات سيظل قائماً لا ينتهي، وأنَّ ثمَّة موضعاً في الإنسان فيه مكمن يميزه لن يصل إليه أحد ومنه ينبع الإبداع ذاتياً دون تكلُّف.

 * معلوم أنَّ الفنون التشكيلية برمَّتها وبالأخص فن الخط والزخرفة والتصميم والجرافيتي والكولاج والفنون التطبيقية باتت مهدَّدة، فهل تراها مخاوف مبررة أم أنها تنطوي على كثير من المبالغة والتهويل؟

– يبقى الذكاء الاصطناعي تقليداً وليس أصلاً. والمخاوف الكبرى قد يكون مردُّها الى أنَّ هذا الذكاء يسير بالعالم كله إلى هاوية الآلية وانعدام المشاعر وطرح البعد المصلحي بشكل صارم يفسح المجال لأصحاب رؤوس الأموال للمزيد من الكسب ويسحق المحرومين من دون رحمة.

إنَّ تفاقم هذا الأمر ـ إذا وضعنا معه تأثيراته في حرمان الكثيرين من وظائفهم والإمعان في التعامل معهم بقسوة بالغة ـ سيكون منتهاه ثورة إنسانية ترفض ذلك المسخ الجديد بينهم. والدورات الحضارية لا بدَّ لها من تحدٍّ عظيم يحفِّزها على الاستجابة المتوائمة والمتماهية معه.

 * وهل هناك مخاوف من سوء استخدامه في كتابة بحوث التخرج الأولية ورسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه؟ وهل يمكن اكتشاف هذا النوع من الاتِّكاء المريح على الذكاء الاصطناعي، إن لم يكن التحايل على الهيئات التدريسية؟

– هي ليست مخاوف فحسب بل إحساس واضح بذلك الاستخدام الذي يوفره أيضاً، حتَّى غدا – بلا مبالغة – مُتَّكأً للكسالى والعاجزين. وقد بدت بوادر ذلك، وكشفُها يحتاج إلى الاستاذ الحاذق الذي يدرك أن زمن المعجزات قد انتهى وأن الطلبة الذين خبر مستواهم لن يتمكنوا من تقديم مثل هذا النتاج المبهر بين عشية وضحاها .

 شخصيا أشعر أحياناً بأن الدقة المتناهية في المُنجَز دليل واضح على ذلك الانتحال الذي يتقاطع مع الاعتبارات العلمية والأخلاقية والمهنية. ولا شك في أنَّ لبرامج كشف الاستلال دوراً في معالجة جانب من تلك المعضلة ولكن التحدي الأكبر يكمن في انتحال أساليب الغير وأفكارهم.

ومن اللافت أنَّ هذا الذكاء سيولِّد غباءً تراكمياً لاحقاً مثلما أنَّ تيسير العلوم قد أحدث كسلاً معرفياً له ما بعده. وربما سيجد أصحاب الأفكار والأعمال الأصيلة أنفسهم ـ ما لم يتخذوا الإجراءات الوقائية والدفاعية ـ منعزلين وحدهم وكأنهم حُبسوا في جزيرة منقطعة وهم وسط هذا الفضاء مترامي الأطراف.

  العلاقات العامَّة على المحكِّ

توجَّهنا إلى المهندس عمر المشهداني خبير التنمية البشرية واختصاصي العلاقات العامة للحديث عن المخاطر الحالية والمستقبلية المحتملة لبرامج الذكاء الاصطناعي في هذا المجال الحيوي، مجال التنمية البشرية والعلاقات العامَّة، المعني ببناء جسور من العلاقات البنَّاءة والمتينة بين المؤسسات المختلفة فأجابنا بالقول:

 – أولى المخاطر من وجهة نظري هي تلك التي تحوم حول اللغة العربية الفصحى. صحيح أنَّ كفاءة الترجمة عبر الذكاء الصناعي هي أعلى بكثير من برامج الترجمة السابقة لكن في المقابل تفتقر الأغلبية الساحقة من المنتجات الفديوية المقروءة عبر الذكاء الصناعي إلى التشكيل الصحيح من حيث ضبط الحركات. ولعل أحد الأسباب هو ضخامة المخزون اللغوي(العامِّيّ) الذي يُضَخُّ إلى الشبكة العنكبوتية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والذي زاحم المؤلفات والمنشورات العربية الرصينة. وهذا المخزون اللغوي هو المادة الرئيسة التي يستند إليها الذكاء الصناعي.

أما الخطورة الثانية فتتمثل بحالة الكسل المعرفي التي بدأت تتسلل إلى النفوس، فصار هناك اعتماد شبه كامل على ما ينتجه الذكاء الصناعي من نصوص دون مراجعة علمية أو تدقيق، ليجري التعامل معه على أنه حقيقة ثابتة مع أنَّ التطبيقات ذاتها تدعو المستخدم إلى التأكد من المعلومات وعدم الاعتماد على الذكاء الصناعي بشكل مطلق.

 * كثرت في الآونة الأخيرة التسريبات الصوتية المعمولة بالذكاء الصناعي، وانتشرت الصور والمقاطع الفيديوية المركَّبة والمفبركة، فكيف يتسنَّى لعامَّة الناس التفريق بين ما هو مفبرك وما هو حقيقي؟

-الأمر يزداد صعوبة يوماً بعد يوم، وحتى مهارات الذكاء الاصطناعي في الرسوم والأصوات بات من الصعب التفريق بين الحقيقي منها والمزيف.

 على المستوى التقني يمكن تمييز المقاطع الأصيلة عن المقاطع المزيفة لكن ليس بمقدور الجميع امتلاك مثل هذه التقنية، لذا فإنَّ عامَّة الناس ومستهلكي وسائل التواصل الاجتماعي قد يتداولون هذه الملفات أو التسريبات ثقة بها.

أما سبل التعامل مع هذه المشكلة فهي الوسائل ذاتها التي طرحت في مسألة التعامل مع الأخبار الزائفة

 وهي أن يمتلك الشخص عقلية نقدية متقدمة، وألَّا يجعل سعة الانتشار دليلاً على صحة المقطع أو التسريب أو المعلومة، وأن يعتمد على مصادر موثوقة في التحقق من هذه المقاطع أو التسريبات قبل اعتمادها.

 

Exit mobile version