Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

تسليم الراية

 محمد إقبال حرب

تطوُّرنا البشري الذي نعيشه الآن، بخيره وشرّه، ما هو إلا نتيجة تراكُم معلومات خضعت، مع كلّ جيل، إلى تحسين وتطوير، بفضل عوامل حيوية من بينها: تطوُّر حجم الدماغ، انفصال الإبهام عن السبّابة، وانتصاب القامة. لكن السبب الأهمّ كان قُدرة الإنسان على توارُث المعلومات ونقلِها من جيل إلى آخر. هذا الأمر له سلبياته، إذ يتوجب، لنقل المعلومة من جيل إلى جيل، أن يتكلم الجيلان اللُّغة نفسها، أن يرغب صاحب المعرفة من إفشاء سرّه لأحد ما،  لكن لا يوجد ضمان ببقاء وارث المعلومات حيًا حتى ينقلها لغيره، لذلك نرى أن التطوُّر البشري عبر 3.2 مليون سنة وحتى بضعة آلاف سنة لم يغيّر الكثير قياسًا مع طول المدّة. ما حصل هو أدوات بدائية، أديان بدائية، أدّت إلى تجمُّعات بشريَّة محدودة تبعتها حروب متناحرة. 

لكن القفزة الكبرى حصلت بعد اختراع الأبجديَّة والقدرة على تدوينها حوالى سنة 1500 قبل الميلاد، عندها بدأ حفظ المعلومات وتوارثها جيلًا بعد جيل،  بل ما زال  كثير من تلك النقوش شاهدّا على تلك الحقبة التي غيّرت وجه البشرية، وأصبحت المعلومة مُلكًا لبني البشر من دون استثناء. بالطبع، يُحاول البعض إخفاء المعلومة ردحًا من الزمن لأسباب جيو- اقتصاديَّة، واحتكار المعرفة، لكن سُرعان ما تُصبح ملكًا بشريًا عامًا. خلال الستة آلاف سنة الأخيرة، منذ أن تمّ نقش أول معلومة على الصخر في أوغاريت، تطوَّرت البشريَّة أكثر مما تطوَّرت خلال 3.2 مليون سنة سابقة.

إذن هما العِلم والمعرفة، بلا أدنى شك. لكن هل كلّ العلوم جيّدة؟

بالتأكيد، كلّ العلوم جيِّدة، ويتوقَّف ما يسمى خيرها أو شرّها على طريقة استخدام المعرفة، وهذا عِلم بحدّ ذاته، من هنا يرتسم السؤال: لماذا يُصنَّف  عُلماء “خيّرين” وآخرون “شريرين”، عِلمًا أن نسبة الخير أعلى بكثير من الشرّ، لكن عملًا شريرًا واحدًا يقضُّ مضاجِع الخيّرين ويوصِم أصحابَ ذاك العِلم بالشرير. تعود الأسباب إلى نشأة كلّ منهم وكيفية تلقيه علومَه من خلال التربية التي تعلمّه التصنيف الصحيح للخير والشرّ. في الحقيقة، يولد كلٌّ منّا كجهاز نقي خرج لتوّه من المصنع، وتحدِّد كيفية برمجته وجهة استخدامه، فجهاز الكومبيوتر الذي بحوزة عالِم الرياضيات غير الذي عند الكاتِب، وغير الذي يمتلكُه تاجر مخدّرات أو شاب مولع بالألعاب الرقمية. تحدّد البرامج التي تزوّد بها جهازك النتائج الممكن توقعها، وفرضية تعرّضه لفيروسات تدمّره أو على الأقل تدمّر بعض برامجه.

من هنا ندرك أن اللَّبِنة الأولى في المعرفة، هي كيفيَّة برمجة تصنيفِها في عُقول الجيل الجديد، وهي تتشكل وتبني خوارزميَّتها الخاصة بها، وهذا بالضبط ما قام به برنامج “اِفتح يا سمسم” وغيره من البرامج الهادفة، والمدهش أنه حصل قبل الثورة الرقمية، ما  يدل على الوعي المعرفي عند د.علي حرب وفريقه، خلال  إنتاج البرنامج الذي حصد حُبّ الأطفال والكبار في آن.  في تلك الفترة كنت أقيم في الرياض، ولم يكن فيها إلا محطة تلفزيونية واحدة كنّا نسمّيها “غصب واحد”. أذكُر أننا كنّا نجلس أمام جهاز التلفاز مع العائلة لننعم بـ “اِفتح يا سمسم”. لا أجامل د. علي حرب بتاتًا، بل أشهدُ على الحقيقة عندما أقول إنَّ محتويات “اِفتح يا سمسم” أثرّت ايجابيًا على أطفالي من حيث التربية، واللُّغة واللياقة الاجتماعَّية. أعجبتُ ببعض الأفكار وطريقة عرضها، وما زلتُ أذكر حرفيًا حلقة بعنوان “هنا وهناك” لِما فيها من إبداع لغوي وحثّ الطِّفل على التفكير كبالِغ يبحثُ عن الحقيقة.

من خلال دراسة واعية حول “اِفتح يا سمسم”، أشير إلى ماهيّة هذا البرنامج الذي لم يكُن ترفيهيًا بالتعريف العام، بل له أهداف وإيجابيات:

  1. التعليم المُبكّر من خلال ما يُسمى “التعلُّم عبر اللَّعب”.
  2. تعليم الحُروف والأرقام بأُسلوب قصصي غنائي.
  3.  ربط المفاهيم البسيطة، العامّة، بحياة الطِّفل اليوميَّة.
  4.  تقديم المعرفة والتدريس من دون أن يدرك الطِّفل أنه يتلقى درسًا.

يكمُن الشِقّ الآخر في إرساء القيَم والسُّلوك من خلال نماذج سلوكيَّة يتعلَّم منها الطِّفل بالمُحاكاة.
1- الصِّدق والتعاون مع الآخرين.
2- احترام الآخر بغضّ النظر عن اللون والدين والإثنية.

3- تقبُّل الآخر كما هو.

4-إدارة مشاعِر الخوف والغضب والفرح.

يبدو، كذلك، أنَّ فكرة دعم الذكاء العاطفي التي عبَّر عنها البرنامج، سبقت اعتبار الذكاء العاطفي جانبًا أساسيًّا من التربية الحديثة.

  1. تعليمُ الطِّفل تسمية مشاعره وفهمها.
  2.  توضيحُ أن الخطأ طبيعي ويجب التعلُّم منه.
  3.  تعزيزُ الثقة بالنفس.

قد يقال إنَّ فكرة البرنامج واسمه التجاري مستوحيان من برنامج ٍSesame Street، لكن الفارق كبير، في الحقيقة، فالنسخة العربية لم تأخذ إلا الاسم وشكل الشخصيات الكرتونيَّة. استخدم “اِفتح يا سمسم” اللغة العربية الفصحى، ما عكَس البيئة العربيَّة وثقافتها، وقدّم محتواه بما يتناسب مع الطِّفل العربي نفسيًّا واجتماعيًّا. ولا ننسى أن البرنامج عمل  على إشراك الطِّفل من خلفيات متعدّدة، ورسَم عالمه كأنه يرى نفسه. 

قدّم برنامج “اِفتح يا سمسم” خدمات اجتماعيَّة على مستوى العالم العربي كما لم يفعل أي برنامج إعلامي أو توعوي.

بعد تجربة “اِفتح يا سمسم” وغيرها من التجارب حول العالم، هل يُمكن اعتبار أن البرامج الكرتونيَّة هي ذات فائدة وضرورة اجتماعيَّة؟

في الماضي، كانت أفلام الكرتون للأطفال إما للتسلية أو للتعليم، لكن في العقود الأخيرة، دخل العُنف وتسييس أفلام الطفولة مما أنذر بمرحلة خطيرة، نشهد نتائجها الآن. في البداية ركزت الأفلام على تنمية الخيال والإبداع والسفر بالطِّفل إلى عوالم مُختلفة، تفتح له آفاقًا تُثير الخيال والإبداع، وعلى تحصين القيم والأخلاق وتقويتها من خلال برامج حول  الوفاء والصداقة والأمانة. لا ننسى الشقين اللُّغوي والعلمي وتأثيرهما على حُبّ المعرفة والمُطالعة الخلّاقة.

بدأ الوجه الآخر لشركات الإنتاج وسياسات الدول ابتكار برامج مُمنهجة، تحثُّ على العُنف والتمرُّد، وقد أفضت سهولة الحصول عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى حالات إدمان تسرق من الطِّفل ساعات تُبعده عن الحركة والتفاعل الاجتماعي. كذلك أثّرت على السُّلوك الذي حدا بالأطفال إلى تقليد المشاهد العنيفة والتصرفات الشاذّة، وعلى صحَّتهم وأدّت إلى إجهاد العين مع قلة النوم والخمول البدني. أسفرت المشاهِد المُرعبة التي تحتويها بعض أفلام الكرتون عن خوف داخلي ورُعب متستر ما يشرح أمراض الأطفال النفسيَّة التي أودت بحياة كثير منهم نتيجة إدمانهم على ألعاب معينة مثل الحوت الأزرق Blue Whale Challenge  و تحدّي مومو The Momo Challange وروبلوكس Roblix  ذات طابع جنسي استغلالي ومبتز. قد لا تكون هذه الألعاب السبب المباشر للانتحار، لكنها تستغلّ أو تُفاقم حالات نفسيَّة معيَّنة.

يمكن تجاوز هذه السلبيَّات، من خلال مُراقبة دقيقة وقوانين منزلية صارمة: مُشاهدة أفلام الكرتون مع الطِّفل، وفتح حوار حول المحتوى. تحديد مدّة المشاهدة بما لا يزيد عن ساعة في اليوم. لا شك في أنّ العمل على اختيار البرامج التي يُسمح للطفل بمشاهدتها وتحديد المدّة، يشكلان خط دفاع رئيسيًّا في كينونة الطِّفل.

في العودة إلى بداية هذا المقال، لا بدّ من الاعتراف بأنّ أهم مدماك حضارة لاستمرار البشريَّة في نهج إنساني يتصف بالخير أكثر من الشرّ، هو بناء الطِّفل، ذاك المدماك الأساس، بناء سليمًا. يشكّل توارث المعلومات ونقلها أساس عمليَّة تسليم الراية من جيل إلى جيل. من يتسلّم راية حضاريَّة ما، ولا يدرك قيمتها وعمق تأثيرها وفلسفتها، سيُسيء استخدامها أو سيفرّط بها.

 ما يخيفني، أكثر من أي وقت، هو برامج تسعى إلى تدمير البشريَّة من خلال تشويه المعرفة التي تستهدف أطفالنا، برامج تستهدف أطفال العالم جميعًا، لكنها تتخذ منحى تدميريًا في الدول النامية حيث يقف الجهل حاجزًا في صدّ حتى البرامج البدائية.  يمكننا ملاحظة تأثير تلك البرامج من خلال تصرفات الجيل الجديد الذي يتّسم بقلّة احترام الجيل الأكبر منه، ضحالة المعلومات الاجتماعيَّة، التمرّد على القيَم بفراغ مستهدف، والابتعاد عن المُطالعة والأعمال التي تشحذ الفكر. برأيي،  أفلام الكرتون حاليًا تزرع مبادئ مختلفة عن برنامج  “اِفتح يا سمسم” وما عاصره، شرقًا وغربًا. 

نحن في عصر يتشابك فيه الخير والشر، وبالتالي أصبح الطِّفل هدفًا، لأن العالم أدرك أنَّ نوعية طفل اليوم يحدّد مكانة وطن بكامله، لذلك نرى أن القنوات الموجّهة إلى بلاد معينة تقدم أفلام كرتون ممنهجة بقاموس من الكراهية والعُنف مدعومًا بالتفرقة الدينيَّة تحت شعارات المحبَّة والسّلام والتديُّن. 

إنه جرس إنذار ولو متأخر، إذا لم تتّخذ الجهات المسؤولة تدابير تمنع هذه البرامج التي تنشر الرذيلة تحت شعار التحرّر والديمقراطية والسّلام. حاليًا، نشهد، على مستوى العالم، خاصّة بلادنا، نجاح خطة تتفيه الإنسانيّة وهتك المناقب. نشهد انفصال الجيل الجديد عن أُصوله الإنسانيَّة ولوذ الجيل الجديد بالعزلة حتى عن أترابه. 

سيأتي يوم نعجز فيه عن تأمين من نأمنه تسلُّم الراية، لكن، للأسف، سنُدرك ذلك في وقت متأخّر.

Exit mobile version