السهل الممتنع في عالم الأفلام القصيرة للمخرج علي طالب
سبعة أفلام قصيرة تكثّف المشاعر وتحوّل اللحظة العابرة إلى صرخة تسكن الذاكرة.
حضرتُ المهرجان الأول للفلم العربي القصير في أوسلو، وبين عرض وآخر كانت ذكريات طفولتي ومراحل حياتي كلّها تتسلل إليّ مشبَّعة بأصوات الغارات والرهبة التي عاشها كل من عرف الحرب، كأنها ترافقني حتى هذه اللحظة.
وأنا أشاهد الأفلام بدأت أرسم في مخيلتي لوحة بالكلمات أتمتمها بدل الألوان. لحظات موجزة لكنها تظل مشتعلة في الذاكرة. لقد نجح علي طالب في التقاط لحظة لاتُنسى. استطاع أن يختزل الألم الإنساني العميق في لقطات مقتضبة صامتة لكنها صاخبة في تأثيرها توقظ شيئًا دفينًا في دواخلنا.
في زمن يمرّ بسرعة خاطفة يختار طالب لحظة واحدة فقط ليحوّلها إلى صرخة مدوّية تختصر الألم والإنسانية معًا.
تأتي الدورة الأولى من مهرجان أوسلو للفلم العربي القصير تحت شعار (كفانا حروباً) لتكون منصة للأصوات العربية ومساحة لتجسيد التجارب الإنسانية التي تركت أثرها في المجتمع. وقد خُصّصت هذه الدورة لتكريم المخرج العراقي علي طالب تقديرًا لمسيرته ورؤيته التي تجمع الحسّ الإنساني والعمق الجمالي.
يُعدّ علي طالب أحد الأسماء البارزة في عالم الإخراج وقد رسم بصمته الخاصة بثبات بين المسرح والسينما. تخرّج في معهد الفنون الجميلة – قسم المسرح عام 1997، ثم واصل دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة – فرع الإخراج المسرحي.
أسّس فرقة “مردوخ” المتخصصة بلغة الجسد والدراما الحركية، وقدّم من خلالها ثلاث مسرحيات بارزة شكّلت بصمة واضحة في تجربته الإخراجية: نار من السماء (2002)، زو: إله الحرب (2002)، وعطيل (2003). وقد عُرضت هذه الأعمال في مهرجان دولي بكوريا الجنوبية وأسهمت في تقديمه إلى الساحة الدولية. وصقلت تجربته الصحفية في عمّان رؤيته البصرية وتركَت أثرًا واضحًا في سردياته السينمائية.
وفي عام 2008 شارك بفلم قصير في تروبفست Tropfest في نيويورك وفي 2016 فاز بالجائزة الأولى في برنامج قمرة عن مجموعة MBC عن فلم “حلمٌ جميل”
كما نال جائزة أفضل مخرج في باريس 2017 عن فلم “صرخات صامتة”، والجائزة البرونزية في مهرجان بغداد السينمائي 2018 عن فلم “الدمية”.
بعد أن أخذتنا أفلامه في رحلة عبر لحظات موجعة وإنسانية، نفتح الآن باب الأسئلة لنغوص في عمق رؤيته حيث وثَّقت عينه هذه الصرخة المختزلة.
أولًا: لحظة الاختزال والفلم القصير
زينب عبد الكريم: سبعة أفلام قصيرة تركت أثرًا كبيرًا، فكيف تختار اللحظة الجوهرية التي يُبنى عليها فلمك؟ هل تنطلق من مشهد يستوقفك أم فكرة تنضج تدريجيًا؟ وهل يتشكل أسلوبك البصري الموجز من خلفيتك المسرحية أم تجربتك الصحفية؟
علي طالب: للمسرح أثر بالغ في إثراء مخيلتي بمجموعة وفيرة من الومضات الإنسانية التي أستلهم منها ملاحظاتي اليومية. أحاول الاحتفاظ بها في ذاكرتي لأوظّفها لاحقًا وفق رؤيتي الخاصة بأسلوب يجمع بين الواقعية المفعمة بالحياة والفنتازيا الدقيقة التي تغوص في عمق التجربة الإنسانية.
ثانيًا: الرؤية والإلهام
زينب عبد الكريم: ما اللحظة الأولى التي دفعتك إلى عالم الفيلم القصير؟ ولماذا اخترت هذه المساحة التعبيرية دون غيرها؟
علي طالب: اللحظة الفارقة كانت عام 2016 حين اتصل بي أخي الصغير محمد -رحمه الله- وأخبرني عن مسابقة كبرى يشرف عليها الإعلامي أحمد الشقيري ضمن برنامج (قمرة) في شهر رمضان. كانت تلك المنصة مهرجاناً يمنح صُنّاع الأفلام القصيرة فرصة لعرض أعمالهم بأبهى صورة.
عندها قررت أن أتناول موضوع هجرة الأطفال. في لحظات خاطفة تحوّلت الصالة التي أجلس فيها إلى ما يشبه الغابة، وبدأ حوار الفلم يتردّد في أذني بين طفل وأمّه. من تلك الشرارة وُلد فلم (حلم جميل) الذي فاز بالجائزة الأولى من بين أحد عشر ألف فيلم مشارك.
من تلك اللحظة بدأت رحلتي الحقيقية مع الشاشة السوداء.
زينب عبد الكريم: كيف طوّرت أسلوب اختزال الوجع الإنساني ليصبح علامة خاصة باسمك؟ وهل ترى أن الفلم القصير هو اللغة الأنسب للصرخة قبل أن تتحول إلى رواية طويلة؟
علي طالب: ربَّما حتى في اختزال الوجع الإنساني تكمن أبعاد واسعة يمكن للمشاهد إدراكها، بخاصّةٍ إذا سبق له أن ذاق من الكأس ذاته.
ثالثًا: الأسلوب والاقتناص
زينب عبد الكريم: لقطاتك لا تشرح كثيرًا لكنها تفتح بابًا للروح. كيف تعرف أن اللحظة اكتملت؟ وهل تصنع بعض المشاهد الموجعة لإيقاظ الضمير أم لفتح مساحة للتأمل في ما لا يُقال؟ وهل تستند في ذلك إلى تجاربك الشخصية؟
علي طالب: سؤال ذكي جدًا. نعم، أنا أستقي من واقع القصص اللحظات الأكثر رعبًا ودرامية وضغطًا ومن خلالها يستطيع المشاهد استشعار بداية الحكاية ووسطها ونهايتها.
زينب عبد الكريم: أصف أفلامك بأنها نموذج للسهل الممتنع فالاختزال العميق ليس أمرًا بسيطًا. كيف تشكّل هذا الأسلوب لديك؟ وهل جاء نتيجة تراكم التجربة أم هي طبيعة رؤيتك الفنية منذ البداية؟
علي طالب: لعبتي في الحياة منذ أن تعرفت سيد الفنون، المسرح، كانت تتمثل في الاختزال عبر التجريب خصوصًا بعد عملي على مسرحية “عطيل” التي وظّفت فيها لغة الجسد بدل النص الشكسبيري، وهي مجازفة كبيرة أعتقد أنني نجحت فيها. ومن هنا قررت تبني هذا الأسلوب في صناعة الفلم القصير والفلم الوثائقي.
رابعًا: الجوائز والتجربة
زينب عبد الكريم: بعد مشاركاتك الدولية وحصد الجوائز، أي تجربة شعرت أنها الأكثر عمقًا ؟ وكيف أثرت في مسار أفلامك وأسلوبك الإبداعي؟
علي طالب: لم تكن الجوائز محفّزي الأساسي بل الدعم المعنوي من الجمهور. بعد فوزي بجائزة “قمرة” في دبي، أنجزتُ في المدينة فلمي القصير الآخر “صرخات صامتة في بحر الخليج”. كانت القصة عن الهجرة القسرية وتضحيات الأم العظيمة، مركّزة على الدقائق الثلاث الأخيرة بين أم وطفلها، مع فرصة نجاة واحدة فقط. وقد حصد الفيلم جائزة أفضل إخراج في مهرجان “موبايل فيلم فيستيفال” عام 2017.
خامسًا: العائلة والتعاون
زينب عبد الكريم: ثمَّة روح عائلية جميلة في بعض أعمالك. كيف ينعكس التعاون بينكم كعائلة فنية على شكل الفيلم وإحساسه؟
علي طالب: لطالما كان لعائلتي، الكبيرة والصغيرة، دورٌ محوريّ في إعداد أيّ مشروعٍ فني أعمل عليه وفي صناعته. ففي عمل “أسطورة إله الحروب السومرية” كان أخي حسين المؤلف الموسيقي للعمل وشارك أحيانًا كممثل. وفي أعمال أخرى، مثل فلم “حلم جميل”، شارك ابني نور الدين مع الممثلة القديرة آلاء حسين، وفاز الفلم بالجائزة الأولى في برنامج (قمرة) في موسمه الأول على قناة إم بي سي. ويساهم أخي وأخواتي في دعم مراحل الإعداد والتنفيذ ضمن أطر محددة وهذا يعزّز لدي روح المغامرة ويقوّي قدرتي على تجاوز الصعاب.
سادسًا: التجارب المهنية المتعددة
زينب عبد الكريم: اشتغلت في المسرح، وعملت في الصحافة، ودخلت عالم السينما. ما الخيط الخفي الذي يربط بين هذه العوالم في رؤيتك الفنية؟
علي طالب: إنَّها الدراما، ذلك السحر الخفي الذي يغوص في أعماق الروح الإنسانية، فالدراما تمثل السمة الأساسية التي تُكوّن الإنسان، ومن خلالها يمكن أن يُصنع فنان مليء بالعواطف والمشاعر الصادقة. إنها سحر إنساني يصعب وصفه بالكلمات.
زينب عبد الكريم: إذا أردتَ، عبر خبرتك في الفلم القصير، أن تخلق لحظة تصل إلى المشاهد فورًا فأيَّ عنصر تختار: صورة، صوتاً، لوناً، أم شعوراً؟ وما الذي يجعل هذا العنصر أو ذاك الأقوى تأثيرًا؟
علي طالب: لا أعتمد على عنصر واحد؛ فالصورة والصوت يشكّلان معًا جوهر اللحظة السينمائية. كثيرًا ما أرسم حكاياتي في العتمة، بعيدًا عن المباشرة، لأمنح المشاهد مساحة يعيش فيها اللحظة بتفاصيلها جميعاً ويغوص في عمق التجربة الإنسانية.
سابعًا: المستقبل والرؤية
زينب عبد الكريم: ما القضايا التي تراها اليوم بحاجة إلى عدسة عربية صادقة؟
علي طالب: هناك الكثير من القضايا المغيبة قسرًا في مجتمعنا. بعض العادات والتقاليد المتوارثة بحاجة إلى عدسة صادقة لتروي حكايات لم تُسمع ولم تُرَ من قبل.
زينب عبد الكريم: ما رأيك في التكنولوجيا الحديثة وتأثيرها على الفلم القصير؟ وهل تراها أداة لإثراء الرؤية أم تحديًا للمخرج؟
علي طالب: إذا استُخدمت التكنولوجيا في مكانها الصحيح فهي قادرة على اختصار الوقت وتسهيل الجهد، لكنها لن تحل محل الإبداع البشري، ذلك النبض الحي الذي يمنح الفن روحه ويحتضن نبض الحياة.
زينب عبد الكريم: بعد هذا النجاح، هل هناك مشاريع جديدة تعمل عليها؟ وكيف تتصور أن يساهم التطور السريع للتكنولوجيا في رسم ملامح تجربتك السينمائية القادمة؟
علي طالب: لا أعول كثيرًا على التكنولوجيا الحديثة بقدر ما أحتاجها لتنظيم النصوص وسيناريو الأفلام. ومع ذلك فلدي فضول لخوض تجربة توظيف الذكاء الصناعي في أعمالي القادمة والاستفادة من إمكانياته بطريقة مدروسة لتعزيز تجربتي الأولى.
زينب عبد الكريم: ختاماً، هل من رسالة للشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم الفلم القصير؟
علي طالب: أنصحهم بالسعي الدؤوب وعدم الاعتماد على الدعم الخارجي، فالفكرة البسيطة ذات العمق الإنساني تؤثر أكثر كثيرًا من أفلام ضخمة الإنتاج. في النهاية يبقى عمق الفكرة وسهولة تنفيذها بحيث تُختَزل ألف كلمة في لحظة واحدة. عمق الفكرة هو الأصل في صناعة الفيلم القصير.
إنَّ رحلة المخرج المبدع علي طالب تكشف عن صرخة مختزلة تحمل الألم والإنسانية في صمتٍ صاخب التأثير. من المسرح إلى الصحافة ومن الشاشة السوداء إلى المهرجانات الدولية يظل قلبه نابضًا بالدراما، الخيط الخفي الذي يمنح تجربته روحًا فريدة. أعماله تذكّرنا بأن العمق الفني لا يُقاس بضخامة الإنتاج، وأن الفكرة البسيطة ذات الحس الإنساني قادرة على ترك أثر خالد في الذاكرة، فتلهم كل من يشاهدها.
ولتستمرَّ رحلته الفنية مشعَّة بالإبداع.

