Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

“قراءة في شعرية الفقد في قصيدة ’’أربعة عشر يومًا

 ’’أربعة عشر يومًا‘‘ للشاعر عبد المقصود عبد الكريم من “كما لم تكن قط”

 طارق النعمان

نص القصيدة:

أربعةَ عشرَ يومًا

يا أمِّي

أسْبُوعَانِ،

أربعةَ عشرَ يومًا،

ولم تبدأْ بَعْدُ مفاوضاتُ الرجوع،

أعرفُ أنَّكِ تُحِبِّين تلك الأرضَ الطيبة

وتَخْتَلِقين الأسبابَ دائمًا

لتَمْكُثي هناك أَيَّامًا إضافية،

وأعرفُ أنَّكِ تَعُودِين دائمًا

لكنْ لماذا مرَّ أسبوعانِ

ولم تبدأ بعدُ مفاوضاتُ الرجوع؟

يَقُولون إنِّكِ هناكَ عِنْدَ الله

في صُحْبتِهِ

ويقولون إنَّ صُحبتَه طيبةٌ للغاية.

يا الله،

إنِّها أُمِّي،

أعرفُ أنَّ صُحبتَها طيبةٌ للغاية،

لكنَّ هذا لا يَعْنِي أن تستبقيَها كلَّ هذا الزمن.

يا أُمِّي

أعرفُ أن صُحْبةَ اللهِ طيبةٌ للغاية،

لكنَّ هذا لا يَعْني أن تَمْكُثي هناك كلَّ هذا الزمن،

أعرفُ أيضًا أنَّكِ تعرفينَ أنَّ أبي هنا

وأبْنَاءَكِ،

وأنَّكِ لم تَعْتادي الغيابَ كلَّ هذا الزمن،

لنبدأْ، إذن، مفاوضاتِ الرجوع،

ورُبَّما أقتنعُ بأنْ تَبْقي هناك يومًا آخر،

أوْ بِضعةَ أيام،

لكنني لنْ أقبلَ بأكثرَ من هذا

أحزاني تَتَراكَمُ بسرعةٍ غريبة،

ولا أعرفُ كيف أخلعُها.

يا الله،

أعرفُ أن صُحْبةَ أُمِّي طيبةٌ للغاية،

لكنَّ هذا لا يَعْنِي أن تَسْتَبْقيَها كلَّ هذا الزمن.

يا أُمِّي،

أعرفُ أنْ صُحبةَ للهِ طيبةٌ للغاية،

لكنَّ هذا لا يَعْنِي أنْ تَمْكُثي هناكَ كلَّ هذا الزمن.

                             ******************

إن هذه القصيدة تتيح لنا الولوج إلى طبيعة شعرية الفقد لدى عبد المقصود عبد الكريم، لا بوصفها رثاءً مكتمل الوعي، وإنما بوصفها فقدًا في طور الإنكار، أو بتعبير أدق: فقدًا لم يدخل بعدُ طور الحِداد، بل ما زال عالقًا في منطقة نفسية ولغوية سابقة عليه.

أولاً، لغة تتأرجح بين الطفولة والهذيان

تبدو لغة الذات المتكلمة متأرجحة بوضوح بين مستويين:

  1. لغة طفولية:
    تتجلى لغة القصيدة، في مستوى من مستوياتها، في التبسيط العددي (’’أسبوعان، أربعة عشر يومًا‘‘)، وفي منطق العدّ الزمني المباشر الذي يميّز وعي الطفل بالغياب، حيث لا يُقاس الزمن بالتاريخ بقدر ما يُقاس بالانتظار. الطفل لا يفهم الموت بوصفه انقطاعًا نهائيًا، وإنما بوصفه تأخرًا غير مُبرَّر.
  2. لغة هُذَائية:
    تتجلى في التكرار القهري، وفي العودة إلى الجملة نفسها مع تغييرات طفيفة، وفي مخاطبة الإله لا بوصفه مطلقًا مهيبًا، وإنما بوصفه جارًا استضاف الأم أكثر مِمَّا ينبغي. الهذيان هنا ليس فقدًا للعقل، بقدر ما هو علامة على عجز اللغة العقلانية عن استيعاب الصدمة.

إن هذا التأرجح، أو هذا التناوب بين طفولية اللغة وهذيانها، ليس تذبذبًا أسلوبيًا، بقدر ما هو حالة لغوية مطابقة للحالة النفسية، حيث الذات عالقة بين طفولة لم تُغلق بعد، ووعي راشد لم يستطع بعدُ الاعتراف بالفقد؛ لأنه لا يزال غير قادر على رؤية الموت، وهكذا تتجلى مفارقة القصيدة الكبرى، وهي أننا إزاء خطاب ينطلق من قلب الموت دون أدنى قدرة على رؤية الموت أو الاعتراف به.

2- إنكار ما بعد الصدمة: الموت بوصفه غيابًا مؤقتًا

إن البؤرة الدلالية للقصيدة تتمثل في إنكار الموت لا عبر نفيه الصريح، وإنما عبر تمثيله وإعادة تعريفه لغويًا:

’’يقولون إنكِ هناك عندَ الله / في صحبته‘‘

هكذا تنقلب اللغة تمامًا على الحدث؛ فالموت لا يُسمّى موتًا، وإنما يُرَى ما ينطوي عليه من غياب بوصفه:

وهذا، بالطبع، هو جوهر إنكار ما بعد الصدمة:
الذات لا تستطيع تحمّل فكرة الانقطاع، فتستبدل بها فكرة التأجيل. لذلك يظهر مفهوم ’’مفاوضات الرجوع‘‘، وهو مفهوم طفولي بامتياز، الطفل يظن أن الغياب يمكن حله من خلال بعض محاولات الإغراء والاسترضاء، من خلال نوع من التنازل الزمني، والتفاوض المبني على التنازل الجزئي؛ وكأن الطفل هنا يفعل ما يفعله معه الكبار من أجل توجيهه أو تحريضه نحو فعل ما، إنه يرى أنه صاحب حق في عودة الأم، وهو يدرك أيضًا أن الله يحب أمه، وأن أمه أيضًا تحب الله، ولكن هذا الحب لا يلغي حقه واحتياجه لأمه، ومن ثم يحاول إغراء الله بالاستجابة لمطلبه، تمامًا كما كانت تفعل معه الأم لإغرائه بعمل ما تريده منه.

ثانيًا، مرور الزمن بوصفه اتهامًا

الزمن في القصيدة ليس إطارًا محايدًا، بل خصمٌ أخلاقيٌّ:

الزمن هنا ليس ممتدًا، بل مفرط زائد عن الحدّ المعقول لاحتمال طفل لغياب أمه. إن مثل هذا الإحساس لا ينشأ إلا حين يُفْهَم الموت على أنه غياب مؤقت طال أكثر مِمَّا ينبغي.

واللافت أن الذات لا تعترض على الرحيل نفسه، بقدر ما تعترض على مُدَّته وزمنه. وهو ما مثل شاهدًا ودليلاً آخر على أن الموت لم يُستوعب بعدُ بوصفه حدثًا نهائيًا.

ثالثًا، الله في القصيدة: إزاحة الرهبة

تُقدِّم القصيدة صورة لله تتوافق تمامًا مع الوعي الطفولي بالله عز وجل؛ فهو:

’’أعرف أن صحبتَها طيبة للغاية،
لكن هذا لا يعني أن تستبقيها كل هذا الزمن‘‘

هذه الجملة بالذات تكشف آلية نفسية دقيقة، حيث يُنزَع عن الله طابعه المطلق، وتُستبدَل به علاقة شبه اجتماعية؛ تتم فيها مخاطبته، ومراجعته، بل والاعتراض عليه وإن كان بأدب. وهو ما ينطوي على شكل من أشكال التفكيك اللغوي لرهبة الموت عبر تفكيك صورة الله لدى الراشد. وهو تفكيك لا يتم من موقع تمرّد فلسفي، بل من موقع طفل يفتقد أمه ويتلهف على عودتها ولا يستطيع احتمال غيابها كل هذا الزمن.

رابعًا، التكرار بوصفه عَرَضًا لا تقنية

التكرار في القصيدة لا يبدو بوصفه أسلوبًا بلاغيًا بقدر ما يبدو بوصفه عَرَضًا نفسيًّا؛ فالجملة نفسها تعود، والاعتراض نفسه يُعاد، والتبرير نفسه يُستأنف.

هذا التكرار يحاكي دوران الفكرة حول نفسها، وعدم القدرة على الانتقال إلى مرحلة جديدة من الوعي، والعجز عن ’’إغلاق‘‘ الجملة كما يعجز الوعي عن إغلاق الحدث.

خامسًا، الفقد بوصفه تراكمًا جسديًا

’’أحزاني تتراكم بسرعة غريبة / ولا أعرف كيف أخلعها‘‘

إن الحزن الحاضر في هذا السطر لا يتجلى بوصفه مجرد شعور أو إحساس بقدر ما يتجلى، من خلال استعارة العجز عن خلعه، بوصفه رداءً أو لباسًا أو دثارًا يلف الجسد بصورة لا يتمكن معها هذا الجسد من أن يخلعه أو ينفضه عنه، الحزن يبدو من خلال هذه الصورة الحِصَارية وكأنه قيد أو سجن. إنه شيء مادي يلتصق تمامًا بالجسد التصاق اللباس الشديد الضيق على الجسد إلى هذا الحد الذي لا يتمكن معه لابسه من خلعه. وهو ما يؤكد أننا أمام ذات لم تدخل بعدُ طور الحداد الرمزي، حيث يتحول الفقد إلى معنى، بل ما زالت في طور الصدمة الجسدية للفقد، واضطراب ما بعد الصدمة Post-Traumatic Stress Disorder (PTSD). 

7- القصيدة بوصفها مساحة تعليق

في المحصلة، هذه القصيدة لا ترثي الأم، ولا تعلن موتها، ولا حتى تبكيها بالمعنى التقليدي. إنها قصيدة تعليق:

الذات هنا لا تقول: أمي ماتت،
بل تقول: أمي تأخَّرت، وهذا غير معقول.

وهذا بالضبط ما يجعل لغة القصيدة تتأرجح بين الطفولة والهذيان:
لأن الفقد لم يُستوعب بعدُ، بل ما زال يُقاوَم باللغة، واللغة ـــ حين تعجز ـــ تعود إلى أبسط أشكالها، كالعدّ، والتكرار، والنداء، والرجاء.

تنهض هذه القصيدة على لغةٍ تبدو منذ أسطرها الأولى قلقة، مضطربة، غير مستقرة، لغة لا تستقر في مقام واحد، بل تتأرجح بين طفولة شفافة وهذيان خافت، وكأن الذات المتكلمة عاجزة عن اتخاذ موقع لغوي نهائي من الحدث الذي تواجهه. هذا التذبذب ليس اختيارًا أسلوبيًا حرًّا، بل أثر مباشر لشعرية الفقد حين يقع قبل أن يُستوعَب، أي في المنطقة التي تسبق الحداد، حيث لا يكون الموت قد أُدرِك بعدُ بوصفه نهاية، بل يُفهم بوصفه غيابًا مؤقتًا طال أكثر مِمَّا ينبغي.

تبدأ القصيدة من منطق العدّ: ’’أسبوعان، أربعة عشر يومًا‘‘. العدّ هنا ليس تفصيلًا عرضيًا، بل مفتاح لفهم وعي الذات. فالطفل، حين يواجه الغياب، لا يمتلك أدوات المفاهيم المجردة، بل يلجأ إلى الزمن بوصفه وحدته الوحيدة للفهم. الزمن يُقاس لا بوصفه تاريخًا، بل بوصفه انتظارًا. لذلك لا يظهر الموت في القصيدة بوصفه حدثًا وجوديًا حاسمًا، بل بوصفه تأخرًا غير مبرر، خروجًا عن عادة الأم ومألوفها، فالأم لم تعتدْ الغياب كل هذا الزمن؛ ومن ثم فالأمر قابل للنقاش.

من هنا تنشأ فكرة ’’مفاوضات الرجوع‘‘، وهي فكرة لا يمكن أن تصدر إلا عن وعي لم يعترف بعدُ بقطيعة الموت. التفاوض يفترض طرفين متكافئين نسبيًا، ويفترض إمكانية التسوية، والتنازل، وتأجيل الحسم. الذات تقترح حلولًا وسطى، يومًا إضافيًا أو بضعة أيام، لكنها تضع حدًا أقصى لهذا الغياب. نحن هنا أمام منطق طفولي بامتياز، لا لأنه ساذج، بل لأنه يرفض استيعاب الكارثة في صيغتها النهائية، فيحوّلها إلى مسألة زمنية قابلة للمساومة والتفاوض.

غير أن هذا المنطق الطفولي لا يستقر في براءة كاملة، بل ينزلق تدريجيًا إلى ما يشبه الهذيان اللغوي. فالجمل تعود، وتتكرَّر، وتُعاد صياغتها بصيغ شبه متطابقة، وكأن اللغة نفسها تدور في حلقة مغلقة. التكرار هنا ليس تقنية شعرية واعية، بل عَرَض نفسي، علامة على أن الوعي لم يستطع الانتقال إلى مرحلة أخرى من الفهم. كل جملة تُقال وكأنها المحاولة الأولى، وكأن ما سبقها لم يُقَل، تمامًا كما أن الفقد نفسه لم يُعترف به بعدُ.

في هذا السياق، يُعاد تعريف الموت عبر لغة ملتفّة، ومراوِغة؛ إذ لا يُسمَّى الموت باسمه، بل تُستبدل به تعبيرات من قبيل: ’’هناك عند الله‘‘، ’’في صحبته‘‘، ’’صحبته طيبة للغاية‘‘. وهكذا يتحوَّل الموت من كونه غيابًا مطلقًا ليصبح مُجرَّد زيارة، أو ضيافة، مُجرَّد إقامة مؤقتة. وهذا التحويل ليس بلاغيًا، بل آلية دفاع نفسي صريحة؛ إذ حين يعجز الوعي عن قبول فكرة الانقطاع، يعيد تسمية الحدث بما يجعله محتملًا. وهكذا، فإن  إنكار ما بعد الصدمة لا يعمل عبر النفي المباشر، وإنما عبر إعادة الوصف، وإعادة التسمية، وكأن الموت يتعالى على أي إمكانية للوصف. 

وتبلغ هذه الآلية ذروتها في الطريقة التي يُقدَّم بها الإله داخل القصيدة. الإله ليس مطلقًا مهيبًا، ولا قاضيًا، ولا صاحب مصير نهائي، وكأن ما يعتمل هنا في وعي الطفل من أسماء الله الحسنى أسماء الودود، الكريم، اللطيف، الرؤوف، الرحمن، الرحيم، دون ما سواها، بل إنه كريمٌ في ضيافته أكثر مِمَّا ينبغي. الذات تخاطبه باحترام، لكنها تعترض عليه في الوقت نفسه. إنه يعرف أن صحبته طيبة، لكنه يطالبه بألا يستبقي الأم كل هذا الزمن. هنا تُنزَع الرهبة عن صورة الإله، لا بدافع فلسفي أو احتجاجي، وإنما بدافع عاطفي خالص. ذلك أن تفكيك صورة الإله هو الوسيلة الوحيدة لتفكيك رهبة الموت نفسه؛ إذ ما دام أنه يمكن مخاطبة الإله والاعتراض عليه على هذا النحو، فإن الموت لم يصبح بعدُ قدرًا مغلقًا.

وهكذا، يتحوَّل الزمن، في سياق كل هذا، من إطار محايد إلى خصم أخلاقي. ’’كل هذا الزمن‘‘ عبارة تتكرَّر بوصفها استنكارًا واستهجانًا واتهامًا. ليس الاعتراض على الرحيل ذاته، بل على مدّته. الزمن هنا زائد عن المعقول، متجاوز للحدّ المقبول نفسيًا. وهذا الإحساس لا ينشأ إلا حين يُفهَم الموت بوصفه غيابًا طال، لا بوصفه انتهاءً مطلقًا للحضور، وحضورًا مطلقًا للغياب .

وفي لحظة كاشفة، تنتقل القصيدة من توصيف الغياب إلى توصيف أثره الجسدي: ’’أحزاني تتراكم بسرعة غريبة، ولا أعرف كيف أخلعها‘‘. الحزن هنا ليس شعورًا مجردًا، بل عبء يُرتدى، شيء مادي يُثقِل الجسد. الذات لا تعرف كيف تخلعه، لأنها لم تدخل بعدُ مرحلة تحويل الفقد إلى معنى. ما يزال الفقد جسديًا، كثيفًا، مباشرًا، سابقًا على الرمز، أو بعبارة أخرى غير قابل للترميز unsymbolizable، بل إن سرعة تراكم تلك الأحزان تكاد تنبئ بالانهيار.

هكذا تتكشَّف القصيدة، في مجملها، بوصفها نصًا لا يرثي، ولا يُودِّع، ولا يعلن الموت، بل يُعلِّق كل ذلك. إنها قصيدة تعليق؛ تعليق الاعتراف، تعليق الحداد، تعليق الزمن، وتعليق اللغة نفسها. الذات لا تقول إن الأم ماتت، بل تقول إن غيابها طال على نحو غير مقبول، وإن الأمر يستحق التفاوض. ومن هنا تحديدًا تنبع شعرية النص، من هذه المنطقة الهشة بين الطفولة والهذيان، حيث يحاول الوعي أن يحمي نفسه من الصدمة عبر اللغة، وحين تعجز اللغة، تعود إلى أبسط أدواتها الماثلة في النداء، الاستعطاف، العدّ، التكرار، الرجاء.

بهذا المعنى، لا تمثّل القصيدة مجرد نص رثائي، بل لحظة نفسية دقيقة في مسار الفقد داخل المشروع الشعري، لحظة ما قبل الاعتراف، حيث الموت لا يزال يُرى بوصفه زيارة إلى الله تعقبها عودة مُؤجَّلة، لا بوصفه قطيعة نهائية.

سيناريو التفاوض بوصفه سيناريو مباطنًا ومؤطرًا للقصيدة

إن ثمة تضمينًا لافتًا لما يمكن أن ننعته بسيناريو التفاوض، حيث تُؤطِّر مفاوضة الله عز وجل على عودة الأم القصيدة على نحو ضمني، بل يمكن القول إن سيناريو التفاوض هو البنية العميقة التي تُؤطِّر القصيدة كلها دون أن تُصرَّح بوصفها كذلك. 

إذ يبدو وكأن القصيدة، في عمقها البنيوي، تُبنى على سيناريو تفاوضي مكتمل الأركان، وإن ظل هذا السيناريو ضمنيًا، غير مُعْلَن بوصفه بنية واعية. فالمتكلم لا يقف موقف الراثي، ولا موقف المعترض الغاضب، بل يتخذ منذ البداية موقع المُفاوِض، وإن بدا أنه مفاوض يُدرك اختلال ميزان القوة، لكنه يُصِرُّ على الدخول في الحوار. الله عز وجل لا يُستدعى هنا بوصفه مطلقًا متعاليًا، بل بوصفه طرفًا في علاقة يمكن تنظيمها لغويًا، علاقة تحتمل الطلب، والمراجعة، والاحتجاج المُؤدَّب.

وهكذا، تتجلى عناصر التفاوض بوضوح في منطق القصيدة الداخلي، حيث ثمة مدة زمنية يُفترض أنها معقولة (’’أسبوعان، أربعة عشر يومًا‘‘)، وثمة تجاوز لهذه المدة يستدعي الاعتراض، وثمة استعداد لتقديم تنازل (’’يومًا آخر، أو بضعة أيام‘‘)، ثُمَّ ثمة حدّ أقصى لا يمكن القبول بتجاوزه. هذه ليست لغة دعاء، ولا لغة رثاء، بل لغة مساومة أخلاقية حول أعراف الزيارة والضيافة، مساومة تنتمي إلى عالم العلاقات الإنسانية أكثر مِمَّا تنتمي إلى خطاب لاهوتي تقليدي.

واللافت أن هذا السيناريو التفاوضي لا يُقدَّم بوصفه فعل تحدٍّ، بل بوصفه فعل حماية للمعنى. فالذات لا تطالب باستعادة الأم لأنها ترفض الموت، بل لأنها ترفض لا معقوليته الزمنية. الموت، في هذا المنظور، لم يُرفض مبدئيًا، لكنه يُطالب بأن يكون ’’منضبطًا‘‘، معقولًا، محدود الأثر، يتوافق مع طاقة الاحتمال الإنساني. هكذا يتحول التفاوض إلى آلية دفاعية تتيح للذات أن تُبقِي العالم قابلًا للفهم، وألا ينهار بالكامل تحت وطأة الفقد.

كما أن التفاوض لا يدور حول فكرة العودة في ذاتها، بل حول مدة الغياب، وهو ما يكشف أن الذات لم تدخل بعدُ طور الإقرار النهائي بالموت. التفاوض، هنا، هو الشكل اللغوي لإنكار القطيعة. فالحدث لم يُرفض، لكنه لم يُقبَل أيضًا. إنه معلق بين الإمكان والاستحالة، بين الزيارة والعودة.

كما يمكن القول أن هذا الإطار التفاوضي يُؤدِّي وظيفة أخرى أكثر عمقًا؛ إذ يعيد توزيع الأدوار الوجودية داخل القصيدة. فالله، بوصفه مُضيفًا كريمًا، يُطالَب بأن يراعي علاقات الأرض كما يراعي علاقات السماء، والأم تُستعاد بوصفها كائنًا له التزامات دنيوية لم تُنجَز بعد، والذات المتكلمة تُنصِّب نفسها وسيطًا بين العالمين، لا نبيًا ولا معترضًا، بل ابن يفاوض باسم الحياة اليومية، وباسم حق الابن الأبدي في رعاية أمه له.

بهذا المعنى، لا تُبنى القصيدة على سؤال الموت، بل على أنسنة وعقلنة الموت، لا على الاعتراف به، بل على محاولة إدخاله في نظام أخلاقي يمكن احتماله. وسيناريو التفاوض هو الأداة التي تتيح لهذه العقلنة أن تتم لغويًا، قبل أن تنهار نفسيًا.

ومن هنا يمكن القول إن القصيدة كلها تُقرأ بوصفها مشهدًا تفاوضيًا واحدًا ممتدًا، يبدأ بالعدّ الزمني، ويمرّ بالاعتراض المُهذَّب، ويبلغ ذروته في عرض التنازلات، وينتهي دون توقيع اتفاق. فلا عودة مؤكدة، ولا قطيعة مُعلنة. وهذا بالضبط ما يجعل القصيدة نصًّا معلقًا بين الحياة والموت، بين الطفولة والهذيان، وبين الرجاء والإرجاء.

Exit mobile version