Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

من الباب الكبير إلى الشاشة الصغيرة

سومر حيدر

قبل أن أكتب هذه الاسطر، قررت أن أشاهد إحدى حلقات برنامج طفولتي افتح يا سمسم، لم أكن أعلم بأنني سأعيش هذا الكم من المشاعر ما ان شاهدت مقدمة برنامج!  كنت أرى الأطفال وهم يركضون صوب الباب الكبير كأنّ الحياة فتحت أبوابها لهم بكلّ بهجة وسرور. كانت مشاهد مقدمة البرنامج تتسلسل وأنا أدندن كلمات اغنية المقدمة، مشهداً تلو الآخر وذاكرتي بدأت تستعيد تلك المشاهد التي ظننت أنني نسيتها. شعرت بموجة من العواطف فدمعت عيناي ولا أدري إن كان شعوراً بالحنين أو الأسى أو قد يكون الاثنين معاً. هل هو حنين للطفولة أم أسى عليها؟ هل هو حنين للبدايات أم أسى على النهايات؟ أو ربما حنين لما لم نكن ندركه وأسى لما مر بنا!  قد يكون كل هذا مجتمعاً في حالة وفكرة واحدة.

افتح يا سمسم أبوابك نحن الأطفال، افتح واستقبل أصحابك نحن الأطفال.. كلمات مفعمة بالأمل والتفاؤل، شخصيات البرنامج وأسماؤها الجميلة، نعمان، ملسون، أنيس وبدر، الضفدع كامل، غرغور وكعكي، كلّ تلك الشخصيات المحورية وغيرها كانت ترسم على وجوهنا الابتسامة وتنير عقولنا بمعلومات جديدة في إطار تعليمي وترفيهي، كان افتح يا سمسم البوابة لحب التعلم والفضول والحث على سلوكيات إيجابية في حياتنا اليومية. كنا نتعلم ونضحك ونحن نشاهد ونستمع.

أثرتُ فضول من حولي وهم يروني اشاهد البرنامج دون أن يعلموا دوافعي، كنت ابتسم وانا اكتشف مشاعري في تلك اللحظات، كيف تحولت من دوافع تجديد الذاكرة لغرض الكتابة إلى اكتشاف مشاعر الاستمتاع بالمشاهدة واستعادة مشاعر دفينة ضاعت في زخم التكنلوجيا والتقنيات الحديثة!

تحولت جملة افتح يا سمسم ابوابك نحن الاطفال الى كلمة مرور خاصة يختارها الطفل لتكون مفتاح لجهازه الخاص، باسوورد على الآي باد، نرى اطفالنا الان في عالم ال AI عالم الذكاء الاصطناعي الذي لن انكر امتيازاته وفوائده ولكن يبقى الفرق شاسع! لقد تغير المشهد بشكل كبير، فبدلا من التعلم والمرح الجماعي بنفس الوقت، اصبح التعلم مخصصاً لكل طفل حسب مستواه وهذه ميزة ولكن هل يقدم الذكاء الاصطناعي القيم الانسانية والاخلاقية التي كان يقدمها افتح يا سمسم؟ هل يبني شخصية الطفل؟ الفرق كبير فقد كنا نتفاعل عاطفيا مع الشخصيات ونتعلم  بينما الآن يتفاعل الطفل مع نظام. كان الأسلوب اجتماعياً وبسيطاً وقائماً على التكرار، أمَّا الآن فهو أسلوب فردي يعتمد على التقنيات ويهدد بخطر العزلة الرقمية.

أشعر بأسى وانا ارى الكثير من الأطفال وهم يعيشون في شبه عزلة عن أسرهم٬ كل منهم ممسك بجهازه الشامل لكل احتياجاته، ففيه برامج الترفيه وفيه الدروس وفيه التعليم والتطبيقات الخاصة بالطفل فجهاز التلفزيون لم يعد يجمع أفراد الأسرة الواحدة ! لم تعد البرامج هي التي تعلم وتجمع وتعزز القيم والسلوكيات السليمة.

هنالك الكثير من المواقف التي تستوقفني في الحياة اليومية، فلم يعد الطفل يسأل من يكبره سنَّاً للمعرفة، اصبح يتوجه فورا للتشات جي بي تي. والاكثر حزنا ان نرى الأهل يطلبون من أطفالهم أن يسألوا التشات جي بي تي فهو أكثر معرفة! أصبحت ثقة الطفل بمعلومات والديه تقل شيئا فشيئا دون أن يدرك الأهل ذلك ودون أن يعوا أن الطفل تدريجيا سيتوقف عن الاستشارة وسيطلب المعونة دائما من تلك الانظمة الالكترونية في اتخاذ قرارات مصيرية في حياته! وهذا ما أدهشني حينما قرأت عن فتاة طلبت من أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي ان يختار لها بلداً غير بلدها لتعيش فيه واتخذت قرارا مصيريا. لربما كانت نتائجه ايجابية لكنها لم تستمع لما تريده نفسها، لم تبحث، لم تناقش، ،لم تستشر، ثقة تامة بأنظمة الكترونية حجبت الفطرة الانسانية.

لست ضد التطور والتكنلوجيا ولكني ضد ان يصبح هذا التطور مناقضاً لفطرتنا الانسانية، هذا التطور الذي اراه يبرمج الانسان ليصبح كالآلة بارد المشاعر ومتبلد الذهن.

اهمس في اذن كل أم أن تعزز تطور طفلها ولكن لا تجعله اسيرا لجهازه، فليس هنالك أجمل من مشاهدة برنامج مع طفلك في جهاز التلفزيون والضحك معا ومناقشة المشاهد معا. لحظات الاستمتاع هذه ليست فقط للتعلم والمتعة بل هي خزين من الذكريات يجمعها الطفل لتكون جزءا من كيانه، ليحّدث أطفاله عن طفولته والدفء الاسري حينما يجلس ليشاهد أحد برامجه المفضلة في الطفولة ويشعر بهذا الحنين ذاته وأنا اشاهد افتح يا سمسم!

Exit mobile version