Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

الأندلس حين كانت

ميّ باسم الفخري

لم تكن الأندلسُ أرضًا فحسب، بل كانت حُلماً استطاع الإنسانُ أن يكتبه على صفحة الزمن، ثم عجز عن الاحتفاظ به.

هناك، على ضفافِ الوادي الكبير، كانت المآذنُ تتعانق مع الأجراس، وكانت الحدائق تُزهرُ بالعلم كما تُزهرُ بالياسمين. مرَّ الشعراءُ من طرقاتها خفافًاكالأغاني، وترك العلماءُ على جدرانها ضوءًا ما زال يهدي العابرين بعد قرونٍ من الغياب.

لكن الأندلس تُعلِّمنا درسًا لا يشيخ: أنَّ أجمل الأشياء ليست تلك التي تبقى إلى الأبد، بل تلك التي تترك فينا أثرًا لا يزول حين ترحل.

سقطت المدن، وتبدّلت الرايات، وانطفأت مصابيحُ كثيرة، غير أنَّ الحنين ظلَّ واقفًا على أبوابها كحارسٍ أمين. فما من أمةٍ تقرأ تاريخ الأندلس إلا وتسمع بين  السطور صوتًا خافتًا يقول: احذروا… فالأوطان لا تضيع دفعةً واحدة، بل تضيع حين يظنُّ أهلها أن المجد الذي صنعه الآباء لا يحتاج إلى من يحرسه.

بعد كل هذه القرون، ما تزال قادرةً على أن تُبكي من لم يرها ، وأن تُشعل الشوق في قلب من لم يمشِ في أزقتها يومًا. كأنها لم تكن مدينة  ولا مملكةً، بل قصيدةً طويلةً كتبها الزمنُ بالحضارة، ثم ختمها بالفقد.

لهذا لا نذكر الأندلس حين نتحدث عن الماضي فقط، بل حين نتحدث عن الأحلام الجميلة التي كانت أكبر من أعمار أصحابها، وعن الأشياء التي تغيب  من الأرض، لكنها تبقى مُقيمةً في الذاكرة إلى الأبد.

Exit mobile version