Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

الجواري في الأندلس

نادية الجادر

مقدمة

شهدت بلاد الأندلس ظاهرة اجتماعية وثقافية فريدة تمثلت في دور الجواري وأثرهن البارز في تشكيل ملامح  المجتمع والسياسة والأدب. لم تقتصر حياة الجواري في الفردوس المفقود على الأدوار التقليدية داخل القصور، بل تحولن إلى محرك أساسي للحياة الفكرية والفنية، وامتلك بعضهن نفوذاً سياسياً غير مجرى الحكم في فترات  تاريخية متعاقبة تتنوع عبر صياغة “مقدمة” حول جواري الأندلس حيث  شكلت  الجواري في المجتمع الأندلسي ركيزة اجتماعية وثقافية تجاوزت حدود المفهوم التقليدي للعبودية لتتقاطع مع الإبداع والنفوذ. 

هكذا نسلط الضوء على التحول  المحوري في مكانة الجارية الأندلسية؛ فمن مجرد عنصر للخدمة في بواكر عهد الولاة، إلى رائدة في مجالات الأدب، والغناء، والعلوم الشرعية، وصناعة القرار السياسي داخل أروقة الخلافة الأموية ودول الطوائف، نرصد جدلية العلاقة بين قيد العبودية وحرية الفكر الإبداعي، وتأثير هذاالتمازج على الهوية الحضارية للأندلس.”

1. مقدمة أدبية (لوصف الشعر والفنون)

على ضفاف الوادي الكبير وفي ظلال قصور قرطبة وغرناطة، حيث لم تكن الجواري مجرد عابرات في تاريخ الفردوس المفقود، بل كنّ ملهمات وصانعات للحركة الفنية والأدبية. لقداستقدمت الأندلس في بداياتها قيان المشرق من بغداد والمدينة المنورة، مثلالجارية ‘قمر البغدادية’، لينقلن علوم الموسيقى والكلام. وسرعان ما برزت الجواري الأندلسيات كشاعرات ومغنيات صبغن الغزل بصبغة رقيقة، وحبرن الرسائل الرسمية للملوك والخلفاء، ليمثلن ظاهرة فريدة تبرهن كيف يولدالإبداع من رحم المعاناة.”

2. ⁠”حين نلتفت إلى التاريخ الأندلسي، غالباً ما تخطف الأبصار المعارك الكبرى وبناء الجوامع والقصور. لكن خلف تلك الأسوار العالية، كانت هناك قوة ناعمة ومؤثرة أعادت صياغة المجتمع الأندلسي، وهن الجواري. لم تكن الجارية في الأندلس مجرد سلعة تُباع وتُشترى، بل كانت في كثير من الأحيان فقيهة، وعالمة عروض، ومستشارة سياسية يعتمد عليها الحكام والمستنيرون. . نستعرض هنا، خفايا هذه الطبقة التي جمعت بين سحرالجمال، وموسوعية الثقافة، وعمق الأثر التاريخي.

إسهام الجواري في النهضه الثقافيه في الأندلس

تعكس معظم المصادر نظرة المجتمع الأندلسيّ إلي الجواري، وهي نظرة متناقضة شأنها شأن كلّ شيءفي الحياة، فهنّ تارة بضاعة وتارة بشرًا، غربيّات وعربيّات، عالمات ومبتذلات، حاكمات ومحكومات، في دائرة الضّوء وفي الزّوايا المعتمة، لكنّ جواري الخدمة لا يكدن يظهرن إلا ظهورًا عابرًا على هامش الحياة، ولم أجد شيئًايذكر عنهنّ غير أرجوزة أوردها ابن بسّام في الذّخيرة للشّاعر أبي عبد اللهابن مسعود نظمها على لسان جاريته وهي تشكو زمانها وتبكي سوء حالها، ويفهم منها أنّ هذه الجارية اتّخذها للّذة والخدمة معًا، وهو أمر متوقّع فليس كل النّاس من اليسر بحيث يستكثرون منهنّ، وقد يكتفي أبناء الطبقات الوسطى بجارية أو اثنتين،على عكس القصور وبيوت الأغنياء الّتي ربّما لا يعرف أصحابها عدد الجواري فيها، ولم يروا وجوه بعضهنّ. أمّا الأخريات فمعظم أخبارهنّ تأتي في سياق الحديث عن الخلفاء والملوك والأمراءوأصحاب البيوتات، لكنّ اللافت للنّظر أنّ المؤرّخين يتحدّثون عنهنّ باحترام كبير، ويخلعون عليهنّ الألقاب السّنيّة مثل السّيدة، السّلطانة، أمّ الملوك، وكانت المؤدّبات منهنّ يحظين باحترام وتقدير، بل إنّ كثيرات منهنّ دفنّ في مقابر الخاصّة.ومن الصّعب في هذا المقام تتبّع أخبارهنّ لكنّني سأكتفي بالوقوف على جانب واحد هو إسهامهنّ في النّهضة الثّقافيّة في الأندلس.

يأتي السّؤال الأهمّ:  

كيف يمكن للمستعبد أن يبدع، والحريّة في نظر أغلب النّاس  هي شرط الإبداع وجوهره؟

عليّ ابتداء أن أقرّر أمرًا مهمًّا قبل أن أمضي قدمًا في الحديث عن هذه الجدلية، وهي أنّه لابدّ من الحفاظ على الوعي بالسّياق الثّقافي السّائد وعدم الوقوع في شرك الإسقاط التّاريخيّ الذي يميّز حقبة بعينها، وما يمكن أن تتعرض له قيمة الأفكار إذا ما خضعت لعملية التهجير القسري، حيث الفصل المباشر عن المرجعيات والأصول المعرفية التي استقت منها مدلولاتها ومضامينها، والطريقة التي يتم بها إنتاج المعاني المتداولة، بل الاتجاهات السياسية والنزعات السائدة ومستويات التفكير أيضا التي تميز حقبة تاريخية عن أخرى، وبمنطلقات كهذه، أسس ميشيل فوكو لمضمون القطيعة المعرفية من أجل الوقوف على المميزات الأصيلة والراسخة لكل مرحلة تاريخية، بعيدا عن فخ الاستمرارية الذي يؤدي بالكثير من المعاني إلى هوة الجاهزية والتفسير المباشر والآني . علينا إذن أن نضع هذه الجدليّة في سياقها الطّبيعيّ وأن لا ننظر إليها بقيمنا السّائدة اليوم، وبرفضنا لفكرة العبوديّة أساسًا لأننا ولدنا أحرارًا في زمن انتفت فيه العبوديّة رسميّا في الدّول التي وافقت على بنود اتّفاقيّة حقوق الإنسان، رغم عدم انتفاء تجارة الرقيق الأبيض إلى يومنا هذا.

رغم عدم امتلاكهنّ للحريّة، أنّهن ولدن ونشأن على العبوديّة، ولم يعرفن ما الحرّيّة ابتداء، فلم يشكّل لهنّ سؤال الحريّة أرقًا ، ويبدو الحرّ أكثر انشغالاً بحرّيّته لأنّه يدرك قيمة هذا المكتسب ويسعى للحفاظ عليه، وما لم يخضع المستعبد لتحريض خارجيّ يثيره ويدفعه إلي التّمرّد فإنّه لن يفعل، ولا سيّما إن لم يجرّد تمامًا من إنسانيّته

السّبب الثّاني هو تمتّع العبيد والجواري في ظلّ الإسلام ببعض الحقوق والامتيازات وتكليفهم بالمقابل ببعض الواجبات، وتحميلهم تبعات أخطائهم بما تحتمله طبيعة استرقاقهم، كما حثّ الإسلام علي عتقهم، وفي المصادر الكثير من القصص الّتي انتهت بعتق الجارية وزواج سيّدها منها بوصفها امرأة حرّة، وأشير هنا إلى مسألة قد لا تبدو مهمّة في رأي كثيرين، لكنّني أراها تضفي بعدًا نفسيًّا مريحا على الجواري، ذلك هو تخيّر أسماء عربيّة جميلة الجرس والمعنى للجواري اللواتي يحملن أسماء أعجميّة.

السّبب الثّالث يأتي من باب ” ربّ ضارّة نافعة “؛ إذ سعى تجّار الرّقيق – بهدف رفع أثمان الجواري- إلى تعليمهنّ القرآن واللغة والشّعر والأدب والغناء والخطّ والمنطق والحساب وغيرها من العلوم والفنون، فطبّقوا عليهنّ – من حيث لا يشعرون – نظريّة تعليم الإبداع، وهي عملية أعمق من مجرد تنمية القدرات العقلية أو التأثير في الخصال الشخصية، بل إنّها منظومة واسعة، تتحدد من خلال خبرات الفرد وقيمه وأسلوب حياته، بما يسمح له بتكوين نظرة متفردة للعالم من حوله، وبلورة موقف متميز من الحياة. ومتى نجح الفرد في تكوين هذه الرؤية الخاصة، يجيء دور توظيف القدرات العقليةوالخصال الشخصية للتعبير عن هذه الرؤية، وما أحسب أنّهن كنّ بعيدات عن ذلك، فالعقل – عقل رجل كان أو امرأة – متى غذّي بالمعرفة النّافعة السّمينة ، سيصبح قادرًا على الإنتاج والتّحليل والتّفكير النّاقد والإبداع.

 

المصادر

الجواري الكاتبات في الاندلس (138-422هـ/755-1031م)

الجواري في الأندلس

المكتبة الشاملة

الإسهام الثقافي للجواري بالحضارة الإسلامية.. إحداهن تهزم علماءالأندلس بأسئلتها العلمية وأخرى تروي الحديث عن الإمام مالك

الجزيرة نت

الجواري و أثرهن في الشعر العربي في الأندلس

كتاب الجواري و أثرهن في الشعر العربي في الأندلس- جان عزالدين شبانة

Exit mobile version