Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

بين القلم ولوحة المفاتيح

معاذ الآلوسي

في عام ١٩٧٨ كانت ثمَّة محاولة لدمج مكتبي في أثينا مع مكتب كبير في مدينة نيويورك، ودُعيت لتعرُّف ما أنا مقدم عليه فتحدَّيت المنع العراقي لسفر مواطنيه إلى الولايات المتحدة.

أوَّلُ ما لفت انتباهي غرفةٌ ذات بكرات أو أطباق في حركة مستمرة. إنَّه الحاسوب ومنهاجه المعمول به والمشترى حديثاً من شركة لوكهيد للطيران.  

منهاج “ArchiCad” 

جلست معهم مدَّة أسبوع لتصميم جسر حديدي مشابه لجسر “الصرافية” في بغداد، جسر متكامل مع وثائق الإنشاء كلِّها، ومن ضمنها جداول الكميات والمواصفات الفنية ووثائق التعهد كاملة. 

 الآن أشكر حظِّي إذ لم أنجح في مفاوضاتي، وكان ذلك لسبب غير مهني.

بعد سنتين، وفي استشارة لمكتبي في مشروع (إدارة وتنسيق شارع حيفا)، استُعمل الحاسوب للحفاظ علي الجدول الزمني والسيطرة على الكلفة، بتعاون مع مكتب ألماني. كنت أحصل صباح كل يوم اثنين، أي في بداية (أسبوع برنامج الحاسوب)، على وثيقة مطبوعة تخبرني بكلِّ ما هو حرِج أوخارج شبكة الفعاليات المعدَّة مسبقاً والمتَّبعة من قِبَل الحاسوب.

إذن أنا لا أرفض الكمبيوتر أو البرامج من حيث المبدأ أوعندما تكون مساعِدة في تنفيذ والقيام بالواجبات المطلوبة. أكرِّر هنا: “مساعِدة”.

 في العمارة يتلخَّص موقفي من هذه البرامج كما أسطِّره في هذه الورقة:

أعتقد أنَّ «عمارة البرامج المعمارية» أي عمارة الحاسوب وبرامجه، تمثِّل بالنسبة له «اتجاهًا جديدًا مستقلًا ومسلكًا آخر محترمًا» على الرغم من اختلافي مع هذا الاتجاه المخالف لجوهر أصول ممارسة مهنة العمارة، وأعني بالعمارة التصميم المعماري، الفكر الخلاق، التراكم والتواصل المستمر. وأمَّا نهج العمارة الإلكتروني الجديد فأميزه عن العمارة التي تقوم على الإبداع والأصالة وأصفه بأنَّه أشبه بـ«خط إنتاج» معماري أقرب إلى النموذج المصنَّع مثل إنتاج السيارات والروبوتات وما شاكل من الصناعات. وهنا أرفض أن تكون العمارة صناعة، كما أرفض وبالقوة ذاتها أن تكون تجارة. تلك استثمارات ريعية أخرى. 

لا أقول إنَّ استخدام البرامج خطأ أو غير مشروع بل أعترف به كمسلك معماري/صناعي قائم بذاته، لكن اعتراضي يبدأ عندما يصبح البرنامج هو الذي ينتج العمارة فقط ودون إعادة تعريف المهنة تعريفاً جديداً لا علاقة له بالفكر والقابلية الفردية.

أنا لا أتعامل مع معمار يتقن البرمجة دون امتلاكه الإبداع أو الموهبة، وأؤكَّد هنا: الموهبة.

كم من خرِّيجي العمارة اليوم يمتلكون موهبة تصميم معماري؟ وكيف لي أن أقرِّر، كمحكِّم أو ناقد، مقدرةَ معمار المستقبل وأنَّه يمكن أن يصبح معماراً بالتعريف السائد والموروث عبر التاريخ الإنساني، لا سيَّما عندما تصبح لهذا النهج الأولوية في التعليم الأكاديمي، مثل استخدام Revit / Rhino / Grasshopper / AutoCAD أو حتى AI في توليد الأفكار. لستُ ضدَّ استخدام البرمجيات محلَّ التفكير في العمارة بل ضدَّ أن تحلَّ محل البحث عن الابداع بخصوصية وشاعرية فذة مع استلهام الموروث وتسلسله الزمني.

 أستطيع أن أذهب خطوة أبعد: التصميم لم يعد يمثِّل مشكلة فكرية فلسفية معرفية وذلك بسبب سهولة اللعب بآلة ذات مفاتيح مبرمجة دون إحساس ولا شاعرية، والحصول عليه سريعاً وآنياً يبعدنا عن كل ما نتوخَّى من الممارسة الفعلية للمهنة ومن المعرفة وما توصَّل له الإنسان خلال التاريخ البشري المتراكم. 

وهنا أتساءل: ما المعايير النقدية التي يوفرها المنهاج الحديث في تقويم الإرث المعماري الضخم الموروث إنسانياً؟ هل سيكون للوقت المستغرق والكلفة الاقتصادية والتسلسل الثقافي والاجتماعي وتأثيرهما على الإنتاج الدّور الأكبر كمقياس للجودة والاتقان؟

المدرسة البرمجية الجديدة تعتمد أولاً على سرعة الإنتاج وكلفته وسهولة التوصل إلى بدائل مقبولة، أقول: “مقبولة تميزها معايير جديدة كالضخامة والإدهاش في الشكل والحجم”، لكنَّها مؤقَّتة وقد لا تستجيب لمستقبل متغير. ثم إنَّ الأشكال البارامترية والبرامجيات المستعملة التي جربت حتّى الآن «بعيدة عن الحس المعماري» وبعيدة عن صياغة نمط يتسم بالخصوصية والتفرد في النهج والحل خلافاً لتلك ذات النهج العام. جوهر موقفي هو أنَّ الآلة لا تملك الإحساس والشاعرية التي ينبغي أن تكون وراء القرار المعماري. 

الكثير من خرِّيجي معاهد المنطقة اليوم لم يعد يستعمل القلم. وفن الرسم، وهو الواسطة الأساسية لاختبار الحس والمشاعر الإنسانية، لم تعد له حاجة في تقويم المنتج فكلُّ من هبَّ ودبَّ صار ينهل من قرارات المقوِّمات المخزونة آلياً. وقد شاع هذا في أنواع المشاريع كلِّها ومواقع العمل جميعها بغضِّ النظر عن بيئة المشروع الشاملة وأعني بها علاقة التصميم بعبقرية المكان أو “جنِّي المكان”.

لكنَّ كلامي هذا ليس بالضرورة  دعوة إلى حذف الكمبيوتر من العملية المعمارية بل نقداً لحالة يصبح فيها الطالب غير قادر على التفكير أو الرسم دون الجهاز. الاعتماد التام على الجهاز يعني الإنكار الكلّيّ لملَكة الطالب المعمارية -إن وجدت- ولتأثيره الإنساني الشخصي فيكون المنتَج آلياً غير مسيطر عليه وقد لا يتوقَّعه الطالب نفسه.

في الكلام عن كتابي” سرد بصري لمعمار عربي” ذكرت دوافع نشري المخططات الشخصية، وقد كان ذلك بعد اطلاعي على مقال للمعماري الأمريكي مايكل غريفز عن أهمية الرسومات اليدوية المعمارية وفرادتها مقارنة بنتاجات الحاسوب السائدة في المدارس المعمارية اليوم، فضلاً عمَّا عانيتُه شخصياً في عملية تحكيم مشاريع التخرج في جامعات مختلفة في المنطقة. لقد كان من الصعوبة عليَّ بل الاستحالة أن أعثر على المتخرِّج المصمِّم الفذّ، معمار المستقبل، وهي مسؤولية كبيرة، لكن كان من السهولة العثور على مبرمِج أجاد استعمال التطبيقات في إنتاج عمل لا يختلف كثيراً عن مشاريع زملائه. 

في حوار أكاديمي سألني المحاور:

عندما تمسك القلم أو مفاتيح الكمبيوتر لتكتب وتتذكر وترسم هل تتمازج العمارة مع الذكريات الشخصية؟ وهل أنت مواكب للزمن المتغير/الزمن السائد؟ وهل أنت على معرفة تامة بالمستغِلّ/صاحب المبنى وعاداته، أكان طبيباً أم نحَّاتاً، أديباً او مطرباً، ومتطلبات عيشه وعمله؟ 

نعم هذا هو ما مطلوب من المعمار معرفته في عملية التصميم لإتقان منتوجه.

ختاماً، أنا لا أقول إنَّ الكمبيوتر مرفوض بل أدعو بصراحةً ووضوح إلى الجمع بين القلم ومفاتيح الكمبيوتر وبين التلافيف وبنك المعلومات، في عملية الكتابة والرسم والتذكر والتصميم.  أنا أدعو إلى “أنسنة البرامج” وأؤكِّد أنَّ العمارة عند المعمار «نمط عيش» وأنَّ التصميم والرسم والكتابة والتصوير والقراءة والموسيقى وحواسَّ الإنسان الخمس كلَّها مقومات لهذا النمط ومخرجات له.

Exit mobile version