Site icon Whispering Dialogue ~ هَمْسُ الحِوار

ّبين الشِعر والجِن

شربل داغر

قد يكون الكلام، بل الجمع، بين جن عبقر والجن الصناعي غير مسبوق، وهو دعوة، بل حض على التفكر بين الخافي والجلي في الشعر، وابعد منه.
فهناك من أتاه الشعر عبر “الملهمات” (لدى الاغريق)،  او عبر “الجن” (في بادية العرب)، ما كشف عن مصدر خفي لقوة الكلام، غير متاح الا لمن يتسقطون همس الغيب.
هذا ما وجد فيه التفلسف الاغريقي مانعا دون تبلور المعرفة المبنية على الماورائيات، وهو ما وجد فيه الخطاب القرآني، بعد قرون قليلة، حائلا دون بلوغ الواحد الاحد.
هذا ما اجتمع في لقظ واحد في اللغتين-الثقافتين : (genius) = الجن.
الا ان هذا الكلام يفضي إلى إثارة السؤال الراهن : ايكون الجن الصناعي استمرارا أم قطيعة مع الجن العتيق ؟
هل ما كان يجعل الشاعر ‘يهيم” في “وادي عبقر” هو عينه ما يجعله “يهيم”، بل يغتذي من الذكاء الاصطناعي”؟
الا يشبه تستر الشاعر خلف جن، ما يتستر به الكاتب الحديث في النقولات؟
اتحتاج المعرفة، مثل الشعر قديما، الى مصدر خفي، علوي، لكي تؤكد سلطتها العليا؟
الا يكون الإخفاء طلبا لمزيد من البروز والتصدر؟

يَختلف، ويَجتهد الدارسون في الفلسفة، لاسيما في تشكل خطابها ومسارات فلاسفتها، فيميزون، في الغالب، بين ما قبل سقراط وما بعده، فيجعلون هذا مثل مَعْلَم فاصل، بل تدشيني للفلسفة. وإذا كان الخطاب الفلسفي الأوروبي الحديث وجدَ في هذا الانتقال إلى سقراط ومن تبعَه بدايةً ما، فإن نيتشه وغيره أيضاً طلبوا العودة، والبناء ابتداء من المدونة ما قبل السقراطية. لن أتوقف عند هذه النقطة، أو عند هذا الحد (ولي عودة تالية إليها)، إذ إنه يشتمل على ما طلبَه خطاب فلسفي حديث في “عودته” إلى الماضي التفلسفي البعيد، والبناء عليه، وهو ما يعني الجدل الفلسفي المتأخر، ولا يُسهم، بالتالي، في تفقدِ، وفي فحصِ، التناولات الفلسفية الأولى (إن أمكن القول) التي جعلت من الشعر، ومن الشاعر، موضوعاً لتفكرها.

سقراط بقلم أفلاطون 

هذا ما يمكن تتبعُه، والتعرفُ على تشكله، ابتداء من كتاب الجمهورية لأفلاطون1 عدتُ إلى ترجمة عربية للكتاب : جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة : د. فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2004. من دون أن أغفل عن الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب : Platon : La République, (traduit), Librairie générale française, Paris, 1995.  كما عدتُ إلى ترجمات أخرى في العربية : أفلاطون : المحاورات الكاملة، نقلها إلى العربية : شوقي داود تمراز، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1994، ومنها : “محاورة طيماوس”، صص 377-500. وعدتُ كذلك إلى كتب ودراسات مناسبة للموضوع الذي قيد العرض والدرس : Paul Vicaire : Recherches sur les mots désignant la poésie et le poète dans l’œuvre de Platon, 1964, P. U. F., Paris, Robert Muller : Platon et les poètes dans la République, Philosophie Antique, 20-2020, PP 215-236 Gaston Colin : Platon et la poésie, Revue des Études Grecques,  Année 1928,  41-189  pp. 1-72. Pierre Hadot : Physique et poésie dans le Timée de Platon, Revue de théologie et de philosophie, 115 – 1953, PP 113-133. OK Cancel. إلا أن البدء بالدرس يَتطلب – على ما يمكن الاستنتاج منذ الانطلاق – التوقف عند مسألتين تجتمعان في ما يمكن تسميته تكوين الكتاب. هذا ما انتهيتُ إليه في أسئلة عديدة، بل في سؤال أول : من يكون مؤلف الكتاب بين سقراط وعدد من معارفه ؟ لم يكن أفلاطون، خارج المحاورة، سوى أحد تلاميذ سقراط، ما يعني أنه مُدوِّن الحوارات لبس إلا. أهو مدونٌ، بالتالي، أم شريك في التأليف؟

هو شريكٌ من دون شك، ما يعني أن الكتاب يشتمل على عناصر سقراطية، وأخرى أفلاطونية، من دون أن نحسن الفصل بينهما بصورة قاطعة. أهو جواب كاف ؟ هذا ما هو ممكن، إذ لا يقوى الدارس على تعقب التواصل أو التواسط بين الأستاذ وتلميذه الذي سيبلغ شأواً تأسيسياً في الفلسفة. ألا يمكن تدبير الجواب ابتداء ممّا جرى تحقيقه عبر قرون وسنوات حول أصل-أصول الكتاب المتوافرة : أي أصل، أو صيغة من أصل، هي التي تمَّ الاستناد إليها، والبناءُ عليها، ثم ترجمتُها إلى غير لغة 2 تفيد دراسات مبنية على تحققات وترجيحات عن عدم وجود “أصل” لكتب أفلاطون؛ وما توافر منها وعنها يعود، في أولى تعبيراته المتوافرة، إلى مئة سنة بعد وفاة الفيلسوف. غير أن تفقدَ الأصول تعزز في قرون تالية، إذ تمَّ التأكد من قربى شديدة بين الصيغ التدوينية والمختلفة (باليونانية) لمؤلفات افلاطون المختلفة. OK Cancel؟

هذا ما سعيتُ إلى تعقبه هنا وهناك من دون الوصول إلى أجوبة أو خلاصات كافية، أو وافية؛ وهذا ما جعلني أتفكر في دواعي مثل هذا  الفحص، ما أثبتُه في عدة أسئلة : أَلِمثلَ هذا التعقب والفحص فائدة أو فوائد في استبيان ما كان عليه التفلسف في تشكلاته الأولى، بحيث نسعى ونجهد في التثبت من هوية مؤلف الجمهورية بين الفيلسوفين (سقراط و/أو أفلاطون)؟ هذا السؤال يترافق لزوماً مع سؤال تكويني آخر : ما يمكن القول في الطبيعة الحوارية لهذا الكتاب؟ أهو حوارات أم كتاب؟ هل يمكن، في التفلسف، التعاملُ مع الحوار أو مع إبداء القول الفلسفي من دون تمييز أو تدقيق بينهما؟

قراءة الكتب تجوالٌ فيها وخارجها في آن. منها ما يَبقى أثره مع مرور الوقت، فيتأكد ويتعاظم، ومنها ما يتداعي، فلا نتذكره. ولكن كيف جرى أن ما كان يندرج تحت عنوان عام: الجمهورية في المدونة الإغريقية تحول في الترجمة العربية القديمة إلى الحديث عن “المدينة” ؟ وكيف جرى أن موضوع المحاورة القديمة – وهو العدل في الحُكم –  تحولَ في الترجمة العربية القديمة، مع الفارابي تحديداً، إلى الحديث عن: “المدينة الفاضلة” ؟ 

أتَفَهمُ، إذ أتوقف في هذه المحاورة، مساعي الفلاسفة الأوروبيين الثابتة والمتجددة بالعودة إلى هذا الكتاب: إنه بدءُ بناءِ الفلسفة في نظام، في نسق، كلي وجامع. وهو نظام، ما دام يتناول العيش في المدينة، والحكم، وغيرها، فأتوقف فقط عند مواقف المحاورة من الشعراء، ومن الشعر.

هذه المسألة جديرة بالدرس لجهة تعقبِ صياغاتٍ أولى في التفلسف، والتي غلبَ عليها الحوار والجدل بين مشاركِِين احتفظتْ بأسماء لهم الكتبُ الفلسفية المتوافرة حالياً، فضلاً عن سقراط، وأفلاطون، وأرسطو وغيرهم. إلا أن هذا التدقيق في الهوية، وفي الإسهام، قد لا يحتاج الدرس إليه في هذا المقال، إذ إن مطلوبه يتعين في الوقفة الفلسفية، وفي ما كان يتشكل ويتبلور فيها، لاسيما في العلاقات بين الشعر والفلسفة. لهذا فإن التدقيق  في هوية المتحاورِين، أو الفلاسفة، أو في التمايزات بين البناء الحواري والبناء التأليفي قد لا يحتاجها المقال – على أهميتها – في تطلباته. فهذه مسائل جديرة، وضرورية، في البحث بما يساعد في استبيانٍ مزيد، وأدق، للتفلسف، بين تلفظه وتبلوره، بين كونه طرفاً في حوار، في جدل، وكونه يرمي إلى تأليف منظور فلسفي، حتى لا أتكلم عن نظرية فلسفية. هذا التوقف جذابٌ ومغرِ، إذ يفضي إلى التفكر في “سحر” التجليات والصياغات، وفي جمالِ هذه “اليقظة” الانتباهية إلى ما يرقى إلى النظر في حياة الفكر، كما في حياة المجتمع في مدينة. هذه الالتفاتات الأولية قد لا تكون بعيدة، بالتالي، عمّا كان يَشغل اهتمامات المتحاورين المذكورين، ومنها العلاقات بين الشعر والمدينة، وبين الشاعر والحاكم.

تستحق المحاورة، بوصفها شكلاً عَرْضياً وكتابياً لاشتغالات أفلاطون الفلسفية، وقفةً متأنية عند نوعها. هذا ما أثيره، ابتداءً، في عدة أسئلة: يَبرز، في المحاورة، اسم سقراط بوصفه المحاور الواقعي؟ أهذا صحيح؟ هل يَنقل أفلاطون، التلميذ، كلام أستاذه، سقراط ؟ هذا ممكن، إلا أنه لا يستقيم ما دام العرض الفلسفي يتعدى ما قاله سقراط؟ هذا ما يمكن أن أثيره في صيغة أخرى : هل ما يَنقله أفلاطون هو ابتداءٌ ممّا قاله الأستاذ، وما استكملَه أو عدَّلَه أفلاطون نفسه؟

هذه الأسئلة تتعدى المؤلف نفسه، إذ ليس المطلوب -على الأقل في هذا المقال– التحقق من الخطاب الفلسفي، والتأكد من نسبته الصحيحة، وإقامة المنظور الفلسفي الخاص بكل واحد منهما. إذ إن مراد هذا المقال يتوخى إبانة القول الفلسفي نفسه، من دون فحصِ هويةِ قائله بالتالي. كما تتعدى هذه الأسئلة (التي أُثيرها) هوية المؤلف، ونسبة الخطاب، لتشمل المحاورة نفسها كنوع تأليفي: أهي تسجيلٌ لمحاورةٍ جرتْ شفوياً، وهي تدوين كتابي، حِفْظي لها3 تفيد دراسات مدقِّقَة أن ما توكلَ به أفلاطون (حوالي 427-348 ق. م.) استند إلى تعاليم معلمِه، سقراط (حوالي 399-470 ق. م.)، لكنه أعاد البناء عليها، وتطويرها بما يناسب منظوره الفلسفي العام؛ وهو ما استند فيه إلى مدونة تلاميذه في “الأكاديمية” التي أنشأها أفلاطون، وأدارها، وقاد النقاشات فيها (وهو في الأربعين من عمره). هذه النقلة بين الشفوي والكتابي تعني اتكال سقراط على “الحكمة” التي لها أن تتبلور في الجدل (بما فيه ما أرساه السفسطائيون من طُرق في النقاش)، فيما تأكدَ وتبلورَ عند أفلاطون سعيه إلى بناء نسق أو منظور مبني على أكثر من الحكمة، وهو : التفلسف. OK Cancel؟ أهي تأليفٌ كتابي، مستنِد إلى سابق، أو غير مستند، بل هي تأليف فيه شيء من التمسرح، ما له معنى في حَراك التفلسف، وفي مرامي الفيلسوف، وفي ظهوره فوق خشبةٍ بوصفه صاحب “دَوْر”؟

غير أن تعداد الأسئلة، أو تواليها، لا يخفيان كون المحاورة التي تنتهي في كتاب تنبني، أو تَظهر في بنائها الماثل للقراءة وللقارئ بوصفها ذات خطة تأليفية، ذات تدرج وتتابع يَخدمان طريقة في العرض، والإبانة، والدفاع، والخلوص إلى مقصد ختامي.

المحاورة من أجل السياسة

هذه الحوارات المعنية لا تبدو بعيدة أبداً عن ظهورات المسرح الإغريقي نفسها، ما يدعو إلى التساؤل أيضاً عن صلات النسب والتجاور بين هذه الحوارات الفلسفية وحوارات المسرح الإغربقي الذي كان قد قام في عروضه في أثينا (وغيرها من المدن اليونانية القديمة) في القرون الأربعة قبل الميلاد : حوار فوق خشبة، من جهة، وحوار في جلسات بين سقراط ومتابعيه، من جهة ثانية. هذا يعني تمثيلاً لما هو عليه انتظام الأفراد في حياتهم، في مدينتهم، من خلال ما يمكن للفلسفة، أو للأدب، تمثلُه والتفكير فيه. ذلك أن ما يجتمع عليه الحوار الفلسفي يدور حول نظام المدينة “العادلة”، حسب مراد سقراط.

تَشغل حوارات الجمهورية أسئلة متعددة، لكنها تتعين في سؤال أساس: “فلنتأمل أولاً على أي نحوٍ سيعيش أولئك الناس بعد أن نظَّمنا حياتهم على هذا النحو” (م. س.، ص 229)4آثرتُ، في هذه الفقرة وما يليها، أن أتتبع المحاورة عارضاً لها، ولِما تتوصل إليه، راغباً من ذلك الاحتفاظ بالسيرورة الحوارية نفسها (ad litteram)، فاقتضتْ الإشارة.. وهو سؤال يتعين في معاينة حياة الناس، وإنتاجاتهم، وأفعالهم، بين الزراعة والبناء والأكل واللباس والنوم ومدح الآلهة وغيرها، مما يؤلف حياتهم “الهنيئة”، ما يعني أن الحوارات نفسها تخطت قيام الدولة، لتبلغ بناء “الدولة المتْرَفة”. فما تنتظم عليه حياة الناس لتدبير حاجاتهم الضرورية، له أن يرتقي صوب حاجات أخرى، تشمل : اللوحات، والزخارف، واقتناء الحلى وكل غالٍ نفيس… أي أن الارتسام البشري (الضروري) لم يعد كافياً، ولم يعد يناسب حياة البشر أنفسهم، إذ تعدت أعمالهم واحتياجاتهم المزيدة والمترفة أعمال المزارعين والباعة والتجار وغيرهم، بما فيها احتياجات البشر إلى الأكل وارتداء اللباس والنوم وغيرها. فقد بان أن هناك احتياجات وأعمالاً باتت تشمل ما تنتجه الألوان والأشكال، والموسيقى وأدواتها، وأعمال الشعراء والموسيقيين والمسرحيين وغيرهم. هذا لا يعني توسعاً وحسب في حياة البشر، وفي إنتاجاتهم، بل كذلك التفكر في كيفية انتظامِ هذه، والتفكير في ما تؤول إليه حياة البشر في المدينة بالتالي، وفي الحُكم كذلك. فـ”اتساع نطاق الدولة” يُفضي إلى تبدلات في حياة البشر، في حياة البلد، فلا يكفي، مع اتساع نطاقها، أن يتكفل الأفراد أنفسهم بالدفاع عن الاعتداءات، بل تتبدى الحاجة إلى إضافةِ “جيش كامل يَخرج لملاقاة الأعداء، ويذود عن ممتلكات الدولة”. وهو ما يتجلى، في المحاورة، في ظهور الحاجة إلى إيكال ما يحتاجه البشر، وما لا يستطيعون التكفل به بأنفسهم، إلى “حرَّاس”5 من لطائف الفكر أن هذا ما انبنتْ، وتبلورت عليه وظائف الدولة الحديثة بعد قرون، فجرى “تفويضها” مشاكل العنف، والحكم العادل بين المتخاصمين وغير ذلك، بفضل الدستور والقوانين. . إلا أن الحاجة إلى هؤلاء ليست بالهينة، أو المتاحة، ما دامت تحتاج إلى اختيارهم، وإلى التحقق من “أهليتهم” للقيام بهذا الدور. هكذا يجري الكلام عن قدرات “الحرّاس” الفطرية، ومنها شجاعتهم في المقام الأول، واللازمة في أي قتال. غير أن هذه الشجاعة المطلوبة (في ملاحظة الأعداء، وفي سرعة الانقضاض، وفي القدرة على العراك) إنسانية (أي غير ما يقوم به الحيوان عادة)، وهي ما يتجلى في حماستهم النفسية “الفيّاضة”. إلا أن هذه الحماسة لا تكفي إن لم يجدْ إعداد الحارس توازناً قائماً على التمييز بين ما يحتاجه من “قسوة” في العراك مع العدو، وما يحتاجه من “وداعة” مع مواطنيه. هكذا تتبدى الحاجة… الختامية (إن جاز القول) إلى الفلسفة في إعداد الحارس، إذ لن تكفيه حماسته الفياضة في أداء دوره بصورة فضلى. فالفلسفة تتيح له التزود من المعرفة، وهي ما يُمَكِّنه من بلوغ إعداده اللازم من : “محبة المعرفة”، ومن “محبة الحكمة” : “فمن أردناه أن يكون حارساً صالحاً لدولتنا، لا بد أن يَحمع بين الفلسفة والحماسة والاندفاع والقوة” (م. ن.، ص 235). هكذا تتوصل المحاورة إلى تحديد الصفات المطلوبة واللازمة لحرّاس الدولة، ولكن السؤال يبقى : كيف لهم أن يُعلِّموا هؤلاء ويربوهم ؟

هذا ما يتخذ شكل “برنامج” لتدريب الحرّاس، ومنه : الرياضة للبدن، والموسيقى للنفس. إلا أن ما يستدعيه هذا التصنيف، يصيب الموسيقى، وما تشتمل عليه؛ ولكن إذا كانت الموسيقى تشتمل على الأدب، فإن هذا يشتمل على “الصادق” و”الكاذب”. هنا يبتدئ، في الجمهورية، جدلٌ مناسب لهذا الكتاب؛ ولعله الجدل الأول الذي يتبدى فيه : الخصام مع الشعر. هذا الإعداد، أو التربية اللازمة لمن له أن يكون “حارساً”، له أن يَبدأ معه وهو طفل، إذ هو “العهد الذي تتكون فيه الشخصية، وينطبع ما نودُّ إحداثه فيه من التأثيرات (…). فهل ندع أطفالنا، إذن، يُعِيرون أسماعهم لأية أقصوصة يُروجها أي شخص، وتتلقى أذهانهم آراء هي مضادة تماماً لما نريدهم أن يكونوا عليه حين يَشُبُّون” (م. ن.، ص 236).

هذا يعني، في أول إجراء في هذه التربية المخصوصة : المراقبة؛ وهي مراقبة ممتدة تنطلق من أصحاب القرار لتبلغ، بعد الفحص، الأمهات والمرضعات. هذا يشمل مراقبة القصص الخيالية، بما فيها “الأقاصيص الشائعة الآن”، التي “ينبغي استبعادها” في معظمها؛ وهي أقاصيص رواها : هوميروس وهزيود وغيرهما من الشعراء، وهم “أعظم رواة القصص الكاذب الذي لا يزال شائعاً بين الناس” (م. ن.، ص 237). ويتضح، ابتداء من هذا الكلام، أن المعني بالمنع هو القصص الشعري، ما يعود إلى كونه مبنياً على الكذب، أي “الكذب الآثم الشرير”.

لهذا تمضي المحاورة في إيضاح السرد الكاذب؛ ويعنى تمثيل الآلهة والأبطال بطريقة باطلة : “كأن مصوراً يرسم صوراً مشوَّهة، لا يوجد بينها وبين موضوعها ظل من الشبه” (الصفحة نفسها). وتعرض المحاورة تجليات هذا التشويه في أمثلة بعينها من القصص الشعري الخاص بالأبطال بشكل خاص. وهو كلام يقع بين الفحص والتوجيه، طالباً أن يكون ما “يَطرق أسماع الأطفال”، منتسباً إلى “أمثلة سامية للأفكار الفاضلة”؛ وهو ما لا يوفره السرد المبني في بعضه على الاختلاق، وعلى محاكاة ما ليس موجوداً6 لم يتشكك أفلاطون من الشعر بسبب الكذب فقط، بل لاشتماله كذلك على : المحاكاة، والأثر التربوي غير المناسب، وتحريك الانفعالات، وبعده المعرفي عن الحقيقة..

لا يعدو أن يكون هذا التوجيه خلاصة عملية، إرشادية، بل… سياسية تحديداً، ما دام المتحاوران، أو أحدهما على الأقل، ينبه إلى كونهم يقومون بإنشاء دولة : “مهمة منشئ الدولة هي أن يصوغ القوالب العامة التي يجب أن يصب فيها الشعراء أقاصيصهم، ويضع لهم الحدود التي ينبغي أن نلتزمها في الكلام عن الآلهة” (م. ن.، ص 239). ولا تلبث أن تتوصل المحاورة إلى ما هو أشبه بقرار أول (تداولي بالطبع) للدولة المأمول بها في التناول الفلسفي : “فليكن هذا، إذن، أولُ القوانين التي نَسُنُّها بشأن الآلهة. وأولى القواعد التي يجب اتباعها، في ما يرويه الناس من أقوال، وفي ما يؤلفه الشعراء من أقاصيص – وأعني بهذه القاعدة أن الله ليس علة كل شيء، وإنما علة الخير فحسب” (م. ن.، ص 241). هذا ما ينتقل إلى تحديد قاعدة ثانية : “أتظن الله ساحراً ينصب لنا الفخاخ، ويتبدى على صور متعددة، بحيث يَظهر هو ذاته، تارة متخذاً مختلف الأشكال، وتارة أخرى لا تَظهر منه إلا أشباح خادعة واهمة. أليس الأحرى بنا أن نعتقد أنه كائن بسيط، لا يبدل أبداً صورته الثابتة ؟” (الصفحة نفسها).

هذا يتعين، كما يتبدى، في مبدإ عام، بسيط وكلي، وهو أن الإله “مطلق الكمال”، على بساطته، من دون أن يعني أنه غير قادر على تبديل هيئته، أو ما يَصدر عنه، إلا أن هذه القدرة التبديلية لا تعني الخفض من قَدْره، والحط من مكانته، إذ إن للإله أكمل وأجمل صورة. يَرِدُ هذا بخلاف ما يورده الشعراء في أقاصيصهم عن الآلهة، إذ نلقاهم يجعلون الآلهة يتنقلون في المدن متنكرين في صورة غرباء، أو في هيئات لا تليق بهم، ما يجعل هذه الأقاويل “افتراءاتٍ” بالتالي على الآلهة. ويتضح، في تتبع المحاورة، أن عامل “الكذب” (كما يَرِدُ) هو ما يحدد زاوية النقد الموجهة لشعر الشعراء، ما ينتهي إلى خلاصات مبرمة : لا مكان للأكاذيب الشعرية عند الله؛ وما هو إلهي مقدس يتعارض تماماً مع الكذب؛ ولا يجوز، بالتالي، تصوير الآلهة بوصفها من السَّحَرَة التي تبدل صورها، وتَخدع البشر على هذا النحو… وهو ما يشمل كذلك انتقاد كون الأقاصيص الشعرية تتضمن النواح والأنين والميوعة وغيرها، وهو ما لا يليق بعظماء الرجال.

إلا أن ما يبدو مثل خلاصات، أو توصلات، يضع المتحاورين في وضعية تتعدى التفلسف، إذ تجعل منه قواعد للحُكم، ما يتعين في مطلع “الكتاب الثالث” في هذه القواعد، بل الأحكام : “فلنصرحْ ببعض القصص، ولنمنعْ البعض الآخر من أن يصل إلى أسماع رجالنا منذ طفولتهم” (م. ن.، ص 246). كيف لا، وهو ما يبلغ عند المتحاورِين نقد الشاعر هوميروس خصوصاً، إذ يَسمح لنفسه، في شعره، أن يصور أحد الآلهة، وهو يرقد على جنبه تارة، أو على ظهره تارة أخرى، أو على وجهه، قبل أن ينهض من جديد، ويهيم على وجهه… أو أن يصور الإله، وهو يصبُّ على رأسه الرماد، أو يبكي وينوح، أو يتوسل ويتمرغ في الوحل… هذا ما ليس مسموحاً به للشعراء، أي الكذب، فيما هو ممكن، بل مسموح لحُكام الدولة : “لهؤلاء وحدهم الحق في خداع الأعداء، أو المواطنين، إذا اقتضى الصالحُ العام ذلك” (م. ن.، ص 250).

الشاعر بلسان شخص آخر

إلا أن التحاور حول الشعر والشعراء لا يعني، في واقع الأمر، التوجه حصراً وتحديداً إلى ما يَكتبون، بل إليه بوصفه ما يَعتاد عليه الأطفال، ويجعلهم ينساقون إلى الميوعة (لا إلى الشجاعة)، إلى التندر والسخرية (لا إلى رفعة العواطف)؛ وهو ما لا يليق بالأبطال والعظماء. هذا ينتهي، في خلاصات بعينها في المحاورة، إلى تحديد ما يجب توافره، وما لا يجب توافره، في “تربية” الناشئة خصوصاً، أي إلى تحديد كيف للشعراء، وللناثرين كذلك، أن يَذكروا الآلهة والأبطال وسُكان العالم الأدنى في كتاباتهم. 

كما تنصرف المحاورة إلى معالجة “الأسلوب” نفسه، ما له قيمة في النظرية الشعرية، أو في جمالية الشعر، منذ ذلك الوقت. هذا يتعين في أصناف الكلام الشعري: 

* يكون حديث الشاعر سرداً، حين يقصُّ الحوادث، أو حين يَصِفُ ما يتخللها من وقائع؛

* يكون حديث الشاعر بلسان شخص آخر، فيتشبه بتلك الشخصية التي يقدمها إلينا على أنها هي المتحدثة.

هذا ما يَرسم صنفين وحسب في الكلام الشعري، ويتعينان في الشعر الملحمي، من جهة، وفي الشعر المسرحي، من جهة ثانية. إلا أن ما تَطلبه المحاورة في سعيها التصنيفي، قد لا يشمل بالضرورة أصناف الكلام كلها (بما فيه أسلوب المحاورة نفسه، أو النثر عموماً)، إذ تبتغي أو تَستهدف ما ليس ظاهراً أو بيناً، وهو : مدى إسهام هذا الصنف أو ذاك في تربية الأطفال والناشئة، ما يشير بصورة خفية إلى تعالقات هذين الصنفين من الكلام الشعري بالمجتمع. وما يتوقف عنده هذا التفكر يستخلص ما ينبني عليه الصنفان لجهة تأثيرهما، وهو انبناؤهما على المحاكاة : “هوميروس وبقية الشعراء يلجأون إلى المحاكاة في ما يَروونه” (م. ن.، ص 256). وتعني المحاكاة، في هذا الحوار، أن الشاعر لا يَروي وحسب، وعن غيره، مثل المؤرخ، على سبيل المثال، وإنما يَروي “بلسانه”، فيتكفل بالكلام، أو يَروي “بلسان غيره”، ما يجعله متكفلاً بالكلام أيضاً. أي أن المحاورة تَستبين، بل تُقيم الفصل بين : السرد (أي الإخبار)، والتكلم الشعري، الذي يتمثل في أصناف الملاحم والمأساة والهزلية الشعرية7هذه صياغة أولى لما ستكون عليه أصناف الشعر (لاسيما في المسرح) الثلاثية، والمتعينة في : الملحمة، والمأساة، والهزلية.. غير أن هذا التفكر، وإن يفضي إلى استخراجِ أصنافٍ شعرية، فإنه يبتغي، من هذا، التعرضَ إلى ما “يُسمح به”، وما “لا يُسمح به” للشعراء؛ أي أنه يتناول ما إذا كان للشاعر أن يلجأ إلى المحاكاة، وبأي نسبة (كلية؟ جزئية؟). بل يذهب التفكر إلى ما هو أبعد : هل يتمُّ، في “الجمهورية العادلة” (حسب مراد هذا الكلام الفلسفي ومأموله)، حظرَ المأساة والهزلية الشعرية أم السماح بها ؟

لا تَحسم المحاورة وجهة الجواب على هذا السؤال المطروح، بل تُوقف الكلام فيه، في انتظار لحظة تالية في المحاورة، إذ ينصرف المتحاوران (سقراط وأديمانتوس) إلى استبيان مثول المحاكاة من عدمه في أصناف أخرى تتعدى الكلام : في الموسيقى والتصوير والزخرفة والنسيج والتطريز والعمارة وغيرها، من دون أن يختفي الغرضُ الأساس في المحاورة : كيف تكون المدينة “عادلة” ؟ وإذا كانت المحاورة قد تنبهت إلى مفاسد الشعراء، فإنها تعاين وتراقب وتَحكم في غيرها من أصناف الإبداع : “لن يتعين علينا أن نراقب عملَ الشعراء وحدهم، ونَحملهم على التعبير في أشعارهم عن مظاهر الصفات الحميدة وحدها، وإلا منعناهم عن ممارسة عملهم في مدينتنا منعاً باتاً – وإنما الواجبُ أن نراقب أيضاً بقية الفنانين، ونُحرِّم عليهم محاكاة الرذيلة والتهور والوضاعة والخشونة، سواء في تصوير الكينونات الحية، وفي العمارة، وفي كل ضروب الصور، وإلا منعناهم من العمل في مدينتنا، إن لم يطيعوا أوامرنا. أوليس علينا أن نخشى من أن يَشبَّ حُرّاسنا بين صور الرذيلة، وكأنهم يَشبُّون في مرعى فاسدٍ يتناولون فيه كل يوم، بمقادير بسيطة، ولكنها منتظمة، سمومَ حشائشَ كثيرةٍ سامة، فتمتلئ نفوسهم تدريجياً، دون أن يشعروا، بقدر كبير من الفساد” (م. ن.، ص 266-267).

غير أن أفلاطون لم ينقطع، بعد الكتابَين الثاني والثالث في محاورة الجمهورية، عن تناول الشعر بوصفه “مسألة” فلسفية، وجمالية، وإعدادية لـ”الحرّاس” في المدينة العادلة، ما يتأكد خصوصاً في “الكتاب العاشر”  منه (ابتداء من الصفحة 504 في ترجمة زكريا المذكورة أعلاه). إلا أنه ينصرف خصوصاً في هذا القسم من كتابه إلى معالجةٍ هي أقرب إلى مجادلة في الفلسفة والجمالية، منها إلى النقد والتوجيه والإرشاد. ففي هذا “الكتاب” الأخير، ينتظم الحوار بما يفيد بناء نظرياً على قدر من التعداد والترتيب، بل  أكثر من هذا : يتعين الشاعر وغيره من الفنانين في بناء معرفي تراتبي؛ وهو ما يتعين في بناء ثلاثي تستند إليه المحاكاة : 

الماهية – الإنتاج – الظهور

الإله – الصانع – الفنان

ماهية السرير (على سبيل المثال) – سرير بعينه – السرير الظاهري.

هذه ثلاثية تراتبية تتوالد، أو تنشأ بحكم المحاكاة؛ ذلك أن (الشاعر، أو الفنان) “إن لم يكن يَصنع ماهية السرير، فإن ما يصنعه ليس حقيقياً، وإنما هو شيء يشبهه” (م. ن.، ص 506). بل يكون الفنان، في هذه الحال، أقل رتبة بكثير من الأول والثاني، إذ يكون “مقلداً” ليس إلا، أي لما يصنعه الآخران.

ما يسري على المصوِّر، يسري على الشاعر، لاسيما التراجيدي، إذ هو يحاكي، فيكون، بالتالي، “في المرتبة الثالثة بالقياس إلى عرش الحقيقة” (م. ن.، ص 507). ذلك أن الفنان (أو الشاعر) لا يحاكي (في فنه، في شعره) ما هو شيء حقيقي، أو ما هو موجود، بل يحاكي ظاهر الشيء، ظاهرَ ما هو موجود، ما يعني أن الفن القائم على المحاكاة بعيدٌ كل البعد عن الحقيقة، ولا يقوى، بالتالي، على تثبيتها. هذا يفضي إلى أن ما يُنتجه هذا الفن لا يعدو كونها صوراً، بل أوهاماً؛ بل يبلغ التعليل، في المحاورة، حدوداً أبعد من هذه، فلا يتم الاكتفاء بالحديث عن : النشوء، والصنع، والتقليد، إذ ينتقل إلى التأكد من “نفع” الفن بالمقارنة مع غيره : هوميروس – كبير الشعر الإغريقي، لاسيما التراجيدي في حساب أفلاطون وغيره – هل توصلَ إلى شفاء مريض، أو نقلَ عِلمَه إلى غيره ؟ بل أكثر من ذلك : هل سُمع عن هوميروس أنه قاد معركة، أو هل نُسب إليه اختراعٌ ما ؟ هل توصل هوميروس إلى تعليم البشر، وتحسين أحوالهم ؟ لا، بطبيعة الحال، إذ إنه “مقلد” وحسب، ويحاكي صور الفضيلة وما شابهها، أو الحقيقة ذاتها، من دون أن يبلغها، أو أن يعرفها. هكذا، يكون الشاعر (أو الفنان) مقلداً، صانعاً لصورٍ، وهو “لا يَعلم عن الكينونة الحق شيئاً، وإنما يعرف المظاهر وحدها” (م. ن.، ص 511).

هذا الحديث عن النفع يبلغ قياساً آخر، وهو الاستخدام، الذي يُحسنه الصانع، أو مستخدِم المصنوع، فيما لا يعرفه الشاعر (أو الفنان). ذلك أن هذا المقلد يتوخى، واقعاً، عملاً غير “نافع”، إذ يطلب نوعاً من اللهو، أو اللعب، سواء في شعر الملاحم أو في المسرحيات. في هذا، يربط أفلاطون تصنيفاته وفق معادلة: الخير والحقيقة9هذا ما اجتمعَ، في صيغة شرحية تالية، في معادلة : الحق – والخير – والجمال، من دون أن تعود – نصاً – إلى أفلاطون تحديداً.، فيما تنحو أعمال الشعراء صوب مقاصد هي غير : الحكمة، والحقيقة، والغرض الشريف أو الصحيح. بل أسوأ من ذلك، إذ تنحو هذه الأشعار صوب إثارة ما هو غير “نافع”، بل “خسيس” في النفس، ما يستوجب، بالتالي، “حظرَ” دخول الشعراء إلى المدينة العادلة : “أكبر عيوب الشعر، قدرتُه على إيقاع الأذى بالأخيار ذاتهم، وهو أذى لا يفلت منه أحد” (م. ن.، ص 517). ذلك أن الحديث عن “النفع”، و”الصحيح” يفضي إلى الحديث عن المضار والتأثيرات الفاسدة التي تَلحق بما تراه العين، وبما تسمعه الأذن، أي بتغذية الانفعالات الفاسدة10يخالف هذا الرأي ما قال به أرسطو عن دور المسرح في “تطهير” النفس.. هذا ما يستوجب طرح السؤال : ألم ينشب هذا الصراع بين الأصل العقلي (الفلسفة) والاصل الإلهي (الشعر)؟

هذا الصراع حادٌّ بين الشعر (أو التصوير) والفلسفة، إلا أنه لم يكن بجديد في الثقافة الإغريقية، إذ عُرف عن الفيلسوفين هيراقليطس وإكزينوفان نقدهما للشعر قبل أفلاطون : انتقداه، لا لكونه فناً (مثلما فعل أفلاطون)، وإنما لِما تَظهر عليه الآلهة عند الشاعرَين هوميروس وهزيود. ما طلبَه غير فيلسوف، منذ ما قبل أفلاطون، تمثلََ في أربع فضائل : العدالة، والاعتدال، والشجاعة، والحكمة أو المعرفة، ما يعني تنافرَها البين مع : اللذة (أو المتعة) التي توفرها فنون الشعر والتصوير وغيرها. ذلك أن هؤلاء الفلاسفة كانوا يطمعون ببلورة، بل ببناء ما يعتبرونه الحكمة، وهو ما بلغ كذلك مع أفلاطون : بناء الدولة، ومترتبات ومقتضيات هذا البناء. إذ لم يكن في مقصود هؤلاء درسَ، وفهمَ، وتفسيرَ، ما هو موجود من علوم، ومعارف، وفنون، بقدر ما كانوا يبحثون عمَّا له أن يكون النظامَ الأمثل للمدينة، للدولة. 

إذا كان كتاب الجمهورية هو الأوسع عرضاً لما قاله أفلاطون في الشعر والشعراء، فإنه لم ينقطع عنه في كتب أخرى، يمكن عرضها (ولو بإيجاز) من باب بسط النظرة نفسها في جميع تعبيراتها. هذا ما يتتبعه الدارس ج. كولين (في الدراسة المذكورة أعلاه)، أفلاطون والشعر، التي يتابع فيها موقف أفلاطون، بل مواقفه، في ما بات معه “مسألةً” فلسفية بقدر ما هي سياسية (وغيرها). وهو مسار تعينَ، واقعاً، في الإدانة والطرد التي ينتهي إليها في محاوراته التالية، ولاسيما في الجمهورية. فالقصيدة تمثل، عند أفلاطون “الأول” (إذا جاز القول)، بمثابة “الهذيان الإلهي”، مثلما يتحدث عنها في محاورتَي أيون (Ion) وفايدروس (Phèdre). هذا ما يتجلى في صورة الشاعر، على أنه مسلوب، أو مُقيَّد، بل “ممسوس” بالأحرى، بنار الآلهة، ما يجعله، بالتالي، وسيطاً أو ناقلاً ومترجماً لما هو “علوي”؛ هكذا يكون دوره أبعد مما يقصد، إذ إنه مسكون، أو محمول، بقوة علوية، إلهية. إلا أن هذه المعرفة التي يجلبها، ويتيحها الشعر هي دون ما يمكن للفلسفة أن توفره، ما دامت تفتقد إلى قدرات “اللوغوس”11يعني “اللوغوس” لفظاً إغريقياً حاملاً لكثير من المعاني : ما يدل على الكلام، والخطاب، والعقل، وله تمثلات واستعمالات في النظر، والجدل، والتكلم وغيرها. ، ومنها العقل. هذا ما يجعل الشعر يبتكر كلاماً جميلاً من دون أن يقوى على استبيان أو تفسير أسبابه.

إسقاط الشعر من الحكمة

محاورة إيون هي الأقصر في كتب أفلاطون، وتُتابع، على طريقتها، مخاصمة الفلسفة للشعر. تَجمع المحاورة بين سقراط وإيون، وهو المؤدِّي المحترف لشعر هوميروس، إثر فوزه بجائزة لافتة في أحد الأعياد الإغريقية. تنبني المحاورة على مناقشة : الخلق الفني، فيدور السجال حول دور الإلهام، من جهة، والتقنية، من جهة ثانية. وتتناول هذه المحاورة إمكانات الأداء الذي يقوم به إيون: أهو يجلب علماً، ومعرفة أم هو مسلوب، بل “مأخوذ”؟ فما يقوم به إيون لا يجعل منه عارفاً بما يتحدث عنه هوميروس بالضرورة، ما يعني أن ليس للمؤدي معرفة بالواقع، مثل الطبيب في علمه، أو القائد في حربه… هذا ما يؤكد، بالتالي، ما يذهب إليه أفلاطون، وهو أن للشعر (وللفن عموماً) مرتبة أدنى من الفلسفة، إذ يقوم على استثارة العواطف والانفعالات، بل على الجنون، بخلاف ما تستدعيه الفلسفة، وتنبني عليه، وتوفره للمتصل بها، وهو: العقل12يمكن التحقق، لاسيما في محاورة فايدروس، من أن أفلاطون يمنح الجنون الإلهي قيمة إيجابية أحياناً، ما يُظهر قدراً من التوتر بين الموقفَين..

هذا ما ينتقل، تالياً، في كتاب الجمهورية إلى ما سبق أن تمَّ عرضُه وشرحُه، وهو إسقاط الشعر من الحكمة، وطردُ الشعراء من المدينة.  ذلك أن الشعر لا يشارك في بناء الحكمة، ما دام ينبني على المحاكاة، أي على التقليد، وهو من “الرتبة الثالثة”، بالتالي. فإذا كان المثال الأعلى للشيء يمثل حقيقته، والشيء المصنوع عنه نسختَه الحسية، فإن ما يتوكل به الشعر (أو التصوير) لا يعدو كونه نسخة أو تقليداً للنسخة نفسها. هذا ما يجعل الشعر، بالتالي، بعيداً عن كنه الكينونة، بل عنصرَ تضليل لها، ما دام لا ينتج سوى ظواهر، لا حقائق. أما الجانب الآخر المسبب لطرد الشعراء من “المدينة العادلة”،  فهو تأثيرات الشعر على الجوانب غير العاقلة في النفس الإنسانية. وهو ما يُكمل أفلاطون درسَه، إذ يعاينُ تفعيلِ الأحاسيس والانفعالات والرغبات وتعظيمِها، الذي يأتي على حساب الحكمة؛ وهو ما يُفسد، بالتالي، الأفراد…

يتوقف كولين، في دراسته المذكورة أعلاه، لاستبيان الأدوار التي كانت بين الشاعر والفيلسوف، فيُظهر وجودَ نزاع متأكد، لاسيما مع أفلاطون، في مخاصمة الشعر والشعراء، ما داموا حَمَلة التربية، وأصحاب التأثير بالتالي، فيما لا تنعم الفلسفة بما لها أن تكون عليه كمرشدة نبيهة لما هو صالح لبناء الفرد، ولبناء الدولة. هكذا يتمُّ إظهار أن للشعراء “إلهامات علوية” متأتية من الملهمات، ما يخص شعراء بعينهم، وما يعني أن الشعر “يَنزل عليهم”، ولا يبدعونه بالتالي. بل يجري الحديث عن أنهم يَستقون أشعارهم من ينابيع يسيل فيها العسل، في وديان وجنائن “الملهمات” (مثلما يتضح في محاورة إيون). وهو ما يحصل عند رواةِ شعر هوميروس ومنشديه، مثل إيون نفسه، الذي يفوز بلقب الأفضل في تلاوة الشعر، إلا أن محاورة سقراط معه تفضي بإيون إلى الأقرار بأنه لا يقوى على إبداع شعر مثل شعر هوميروس. ما يَخلص إليه سقراط هو أن تميز شعراء في نشيد، أو ملحمة، لم يكن ممكناً لولا دفع الملهمات للشعراء في هذه الوجهة أو تلك : ليست للشاعر عبقرية إلا إذا أقدمَ على التلفظ من فمه. هكذا يكون راوي الشعر ومنشده “مؤدِّياً لِما يؤديه غيره”، ما يدرجه في محاكاة المحاكاة نفسها. هكذا قد ينقل الشاعر أقوالاً جميلة، من دون أن يدرك معانيها بالضرورة؛ وحالُه مثل حال هوميروس نفسه، حيث إنه يتحدث عن الطب، أو القانون، أو غير ذلك، من دون أن يعرفه، أو أن يكون طبيباً أو مشرِّعاً وغير ذلك… هذا ما يدفع أفلاطون، في محاورة فايدروس، إلى التمييز، في “مراتب النفوس”، بين تسع مجموعات تتصدرُها مجموعة الفلاسفة، فيما تحتل الرتبة الأخيرة فيها مجموعة الطغاة، أما الشعراء (ومعهم جميع من يتكلون على المحاكاة) فلا يبلغوا إلا المرتبة… السادسة، إذ تعود إلى علاقة الشعراء بالتخييل والصورة، لا بالمعرفة المباشرة بالمُثل.

قد يكون الحديث عن لزوم الربط بين الشعر والفضيلة (المسنَد إلى الربط بين الفلسفة والحكمة) تجلياً من تجليات عهدِ ما بعد السحر، عهدِ الاعتقاد الديني ليس بآلهة وحسب (يعلوها رب الآلهة عند الإغريق : زوش)، بل بقيام نظام يميز بين : الصحيح والمضلل، بين المفيد والمضر، بين الأصيل والمزور، وغيرها من الثنائيات، ما يعني لزوم التمييز كذلك بين : الكون والغيب. وهو لزومٌ بسطَ لِما هو موجود وجوداً سابقاً، وجوداً-أصلاً، هو “عالَم المُثُل”، أي أنه أبعد ممَّا هو قائم، وممّا يمكن أن يكون عليه في سببه البعيد. هذا ما لم يستقمْ من دون وساطة بين العالَمَين، بل من دون : ارتقاء الكوني إلى العلوي. وهو ارتقاء لا يتعين في التخيل، بل في مسارٍ وسلوكٍ وقناعاتٍ وتدابيرَ لها أن تصون الكوني، ومنه الموجود الإنساني، من التيه، والضياع، والضلال، بحيث لا يبلغ : عرش المنتهى. هذه الصيانة تصيب مَن يقتدي بالسلوك الحسن، مَن يَعمل على أن يكون “عادلاً” بدوره : له مكافأة مجزية في الحياة نفسها، وبعد الممات.

اللافت، في نهاية كتاب الجمهورية، أن المحاوِر يلجأ إلى حكاية… نثرية، لا شعرية، ليَنهل منها المراد الأبعد للفلسفة بوصفها حكمة : من المعروف أن في محاورات عديدة (فايدروس، وجورجياس، وليدون)، يستعرض أفلاطون أساطير جعلت من مصير النفوس في العالم الآخر موضوعاً لها. إلا أنه، في نهاية الجمهورية، يستعيد الموضوع عينه من خلال أسطورة  الجندي : آر، الذي قُتل في حرب، إلا أن جثته لم تَفسد بعد عشرة أيام على وفاته، فكان أن جرى نقله إلى بيته استعداداً لدفنه، لكنه لم يلبث أن نهض حياً، وراح يقصُّ على متابعي حالته ما رآه في العالم الآخر.

وجد آر، في مسار روحه بعد الموت، فتحتين متجاورتين في الأرض، وتقابلهما فتحتان أخريان في السماء، فيما جلس بين الفتحتين قضاة ليحكموا على مصير الأرواح : يتوجهُ العادلون إلى الطريق الأيمن لدخول عالم السماء، ويتوجهُ الظالمون إلى الطريق الأيسر لمن لهم أن يَنزلوا إلى جهنم. هذا ما تكفل به آر بناء لقرار القضاة، وهو أن يرى المحاكمات، وأن ينقل أخبارها إلى الأحياء. هكذا يُتاح للعائد من الموت ما لن يتح لغيره، وهو أن يرى مواكب الصاعدين من الأرض، ومواكب الهابطين من السماء. هذا ما ينتظم وفقاً لما ارتكبه هذا وذاك في عيشه، فيدفع المذنبون عشرة أمثال عما سبق أن ارتكبوه، ويكافأ العادلون بالتمتع بخيرات السماء. ما يرسمه أفلاطون في حكاية الجندي آر الأسطورية واسعٌ وممتد، إذ يبلغ تخطيطَه وتحديدَه لخريطة الكون، ولاسيما لحركة الكواكب والنجوم.

سِفرُ تكوينٍ أنطولوجي

هكذا يتوكل الجندي آر برسم الكون، وبرسم حراك البشر في الأرض، وما بعد الموت، ما يجعله، كما في مسرحية إغريقية، يُمثل “الدور” الذي للفيلسوف، أي لمؤلف المسرحية : أفلاطون نفسه. هذا ما للبشر أن يختاروه أمام “أوراق الحظ” المتاحة لهم : “لهذا السبب عينه، كان على كل منا أن يتخلى عن أية دراسة أخرى، ويقتصر على بحث الطريقة التي يهتدي بها إلى شخص يكتسب منه المعرفة الكفيلة بتمكينه من التمييز بين حياة الخير وحياة الشر” (م. ن.، ص 533-534). هذا ما يخلص إليه المحاوِر، في نهاية الكتاب، مع المخاطَب فيه، أي جلوكون : ما رواه الجندي آر، كان له أن يُنسى، لولا حفظه، وتلاوته على غيره؛ وهو الدور الذي يتكفل به الفيلسوف بفضل حكمته وعدله في النظر والحُكم : “هكذا، يا جلوكون، نَجَتْ القصة من النسيان. ولو أمعنا  التدبر فيها، لأنقذتنا نحن أنفسنا، ولعَبَرْنا بطمأنينة وسلام نهرَ ليشي (نهر النسيان)، ولما دنَّسْنا نفوسنا (…)، ولاستطعنا أن نلتزم دائماً الطريق العلوي، ولتوخينا العدل والحكم” (م. ن.، ص537).

يمكن القول، بالتالي، إن ما يَصدر عن أفلاطون، في محاوراته المختلفة، يتعدى الشعر نفسه، أو يتحدر ويندرج في ما هو أشمل منه، وهو البناء الفلسفي العام، ولاسيما في مؤلفاته الأخيرة. فمن يتوقف عند محاورة طيماوس، على سبيل المثال، يتحقق من أن ما توكل به أفلاطون يتعين في ما يمكن تسميته بـ: سِفر تكوين؛ ويقوم فيه بعرض ما له أن يكون، في منظوره، ارتسام المشهد الفلسفي العام والكلي. فهو يتوكل فيه باختطاط ما هو أقرب إلى “بيان كوني”، أي يَعرض فيه منظوره لنشأة الكون، وطبيعة الكينونة. وهي محاورة بعيدة عن الشواغل الإرشادية والتوجيهية، أو العنايات السياسية، إذ ينصرف أكثر إلى استبيان ما يجد فيه بناء العالم، ونشوء الإنسان، في النظر الفلسفي الطبيعي.

تعود محاورة طيماوس13عاد أكثر من فيلسوف عربي قديم إلى هذا الكتاب، من دون أن أعود إليهم، إذ يتعدى الأمر مقصود هذا المقال، غير أنه يمكن الحديث، بالمقابل، عن وجود عدة ترجمات عربية متأخرة لهذا الكتاب، منها ما يعود لزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وشوقي داود تمراز وغيرهم.، حسب دارسي كتب أفلاطون، إلى المرحلة الثالثة والأخيرة من تآليفه؛ إلا أنها تَعني، فلسفياً على الأقل، ما له أن يكون بدايةَ منظوره الفلسفي العام. هكذا ينصرف، في بدايات المحاورة، إلى وصفِ تشكل العالم، ثم يتوصل، في ختام الحوارات، إلى الحديث عن نشوء الإنسان14لا يقوى أي متابع لهذه المحاورة على إغفال التشابه التكويني بينها وما يتحدث عنه سفر التكوين في الكتاب المقدس : هذا ما يتحدث عنه بيار هادو في دراسته المذكورة أعلاه، إذ يصنف هذه المحاورة بوصفه “تاريخاً مقدساً” (م. س.، ص 115).. كما يتوقف بين البداية والخاتمة عند نشوء الكائنات التي تعيش في هذا العالم، وهي أربعة : الآلهة (التي تعيش في النار)، والعصافير (التي تعيش في الهواء)، والأسماك (التي تعيش في الماء)، والبشر والحيوانات (التي تعيش في الأرض). وهذا يعني، في الرسم الفلسفي العام، أن أفلاطون طلبَ البدء بنشوء الكون لكي يتوصل، وينتهي إلى رسم سياسي وتاريخي في آن، وهو نشوء الإنسان، وفي أثينا تحديداً.

ما يمكن التوقف عنده في هذه المحاورة يتعدى هذا الرسم العام، الخليقي كما التاريخي، ليتناول البناء التأليفي، وعدته الأسلوبية (إذا جاز القول). ففي غير موضع في المحاورة، يشدد أفلاطون على أنه اعتمد على نوع أدبي محدد (idea)15اللفظ يعني في الإنكليزية : الفكرة. يدافع المؤرخ بول فاين (Paul Veyne)، في كتابه: هل صدَّق اليونان أساطيرهم؟، عن أنه كانت للإغريق رؤى تخصهم في النظر إلى الأساطير : الأسطورة ليست وهماً، وليست حقيقة تاريخية، بل هي نظام اعتقادي سابق لديهم، ومتقادم، ويعني تصديق عالم موازٍ لعالمهم، متعينٍ في زمن سابق، زمن الآلهة : Paul Veyne : Les Grecs ont-ils cru à leurs mythes ? Seuil, Paris, 1983.، وهو ما سعى دارسون إلى تعيينه بـ : “الخطاب القابل للتصديق” (وفق التعيين الفرنسي)، أو المحتمَل، أو الراجح. ويحتاج هذا التركيب اللفظي، قبل عرضه والتفكر فيه، إلى تفقد مبناه، وما يشتمل عليه من معان ودلالات. هذا التركيب الواصف لخطاب (vraisemblable) يتعين في تركيب فرنسي كان منفصلاً في جزئيه، قبل أن يتحول (حسبما درستُ في أحد الكتب الذي قمتُ بترجمته: ما الجمالية ؟) إلى لفظ واحد، إذ كان يتشكل من لفظ : vrai، ويعني : الصحيح، ومن لفظ آخر : semblable، ويعني : المشابه. ويتضح عند التدقيق في هذين اللفظين، وتالياً في جمعهما، إلى أنهما غير منسجمَين أو متوافقَين بالضرورة : إذ كيف لتركيبٍ لفظي أن يجمع بين “صحيح” (أي ما لا يحتاج إلى شبه لكي يقوم بنفسه)، وبين “ما يُشبه” (أي ما ليس أصلاً صحيحاً، بل هو شيءٌ مشابه لسابقٍ عليه). وعندما توقفتُ (في كتابي المذكور) عند هذا التركيب الشائع في الدراسات الأدبية أو الفنية، وجدتُ أن دارساً فرنسياً (وغيره)، وهو الأب دي بوس (l’abbé du Bos)، قد وضعه في أحد كتبه في لفظين منفصلين. ولقد تبينَ لي، في كتابي المذكور، أن استعمال اللفظين في تركيب واحد، أو في جزئين منفصلين ولكن متتابعَين، كان يتوخى تعيين بناء أدبي أو فني يقوم، من جهة، على الحديث أو عن رسم ما هو معروف، ويقوم، من جهة ثانية، على التشبه بما هو خارج العمل الأدبي أو الفني: اللوحة تَرسم وجهاً لعاملٍ زراعي، على سبيل المثال، من دون أن تُقدِّم وجهاً محدداً، موجوداً في زمن الفنان وأمام عينيه، وإنما تتوكل برسم وجهٍ شبيهٍ بالعامل الزراعي. وهو ما له أن يَحدث في الرواية بين شخص بعينه في المجتمع، وبين من يشبهه في إحدى “شخصيات” الرواية. هذا التباين والتلاقي يُوَفِّرُه البناء الأدبي أو الفني، وهو ما يجعله “قابلاً للتصديق”، وللقبول من المتلقي أو القارئ16هذا ما اخترتُه في الترجمة، فيما عمدَ غيري من المترجمِين إلى الحديث عن : عمل محتمَل، أو ممكِن، أو واقعي… .

إن التوقف عند هذا النوع الأدبي المستعمَل عند أفلاطون لا يتوخى التدقيق في تركيبه، وإنما يسعى إلى إبانة احتياج أفلاطون إلى ما يقوم عليه الأدب (ومنه الشعر)، والتصوير، لرسمِ نظامه الفلسفي وبنائه. هكذا يعود أفلاطون، في هذه المحاورة، في غير موضع فيها، إلى مثل هذا الجمع، وإلى التركيب بين : “اللوغوس”، و”الميتوس” (mythos)17يعني هذا اللفظ الإغريقي في استعمالاته القديمة : الكلام، أو الخبر، أو القول، على أن هذه تتأتى من تخيلات أو حكايات، أو اعتقادات، بما يخالف مفهوم : “اللوغوس” تماماً، ويقترب، بالتالي، من تعيين الأسطورة.، ما يمكن قوله باختصار : بين العقل والأسطورة. في إمكان الدرس أن يتفقد، وأن يتعقب بالأحرى، في المحاورة، هذا التناسج (إذا جاز القول) بين التخيل والتفكر، ما يَجمع ويَخلط الحدود بين الفلسفي والتمثل الأدبي18هذا ما للبحث – لو طلب التوسع – أن يتحقق منه، أي من هذا التناسج في المسرح الإغريقي، حيث كان يشتمل على التمثل الحواري الصراعي والصياغات المتخيلة المتعينة في أساطير.. ما يُعول عليه أفلاطون في النوع الأدبي، أي (idea)، يتحقق منه الدارس في نقول عديدة لإيزوقراط (حسبما ورد في دراسة بيار هادو المذكورة، م. س.، ص 119). ولقد توقف الدارس فرنسيس ماكدونالد كورنفورد (F. M. Cornford) عند استعمالات أفلاطون لهذا اللفظ الخصوصي في طيماوس فوجد، في كتاب له19F. M. Cornford : Plato’s Cosmology, Hackett Publishing Company, Indianapolis, Cambridge, A reprint of the Routledge edition of 1935, P 30.، أن أفلاطون اعتمد، في محاورته المذكورة، على ما اعتمد عليه شعراء إغريق في عدد من أشعارهم، مثلما فعلَ الشعراء هيزييود20كتب ما معناه : “نحن نُحسن رواية التوهميات تماماً مثل الوقائع”. (Hesiod)، وإكزينوفان21كتب ما معناه : “ليتم اعتماد هذه الأشياء مثل شبيهة بالواقع”. و(Xénophane)، وبارمينيدس22كتب ما معناه : “أعرضُ عليك انتظام الأشياء طالباً منها أن تكون قابلة للتصديق”.، (Parménide) وغيرهم23كتب أرسطو في كتابه في الشعر ما يفيد أن “ميتوس” (mythos) يعني المحاكاة القابلة للتصديق، وإن كان المعنى خيالياً (كما سيرد لاحقاً) في التراجيديا الإغريقية.، لكي يتحدثوا فيها عن: الشعر الفلسفي.

“لوغوس” و”ميتوس”

ما يمكن التوقف عنده هو أن أفلاطون اعتمد، في هذه المحاورة، ليس على “اللوغوس” وحده، وإنما على “الميتوس” أيضاً، في سعيه للتمثل، ولإعادة إنتاج، باللغة نفسها، لما كان عليه (حسب تصوره) نشوء الإله الذي هو : العالم. هكذا تكون محاورة طيماوس، في حاصل العمل، حكاية خرافية قابلة للتصديق؛ وما ترويه المحاورة لا ينقل الأحداث مثلما حصلت، بل مثلما لها أن تكون. 

هذا يعني أن مقصود أفلاطون لم يكن الحديث عن “العالَم” كما حصل، كما كان عليه، بل عملَ على تقديم كيف للعالم أن يَظهر وفق تصوره الفلسفي لـ”نظام المُثل”. هذا العالَم لا يرويه أفلاطون كما عرفَه – وهو ليس شاهداً أو سارداً لما كان عليه، وإلا لكان عليه أن يكون مؤرخاً -، وإنما هو يتمثل ما يمكن أن يكون عليه، وفق قناعات وتمثلات، ما يجمع الابتكار مع التيقن الفلسفي. وهو ما يمكن التماسُه في تتبع “العالَم” كما يَظهر في المحاورة، حيث إن أفلاطون يُعول على الكثير من الأدوات البلاغية (وعلى العدد والأشكال الهندسية) لكي يصف، ويرسم، ويروي، ويفكر، بل يُعول على أكثر من ذلك، على بعض التمسرح، إذ يختلق شخصيات و”أرواحاً” تجوب هذا العالم، وتتحرك فيه، وتبثُّ أقوالاً وغيرها.

أسوق، لهذا الغرض، عدداً من أقوال هذه المحاورة : “أحبُّ أن أقارن نفسي بالشخص الذي، لدى مشاهدته الحيوانات الجميلة التي أبدعها فنُّ الرسام اليدوي، والتي ما تزال الأفضل، والحيوانات حية ولكنها ساكنة، أحب أن أقارن نفسي بذلك الشخص الذي استولت عليه رغبة رؤيتها متحركة، أو مشاهدتها متورطة في صراع أو نزاع ما، يظهر أن شكلها مناسب له” (سقراط، ص 400). أو: “يبقى الأصعب من ذلك إحضاره في لغة على نحو وافٍ بالمراد” (ص 401). أو: “إن الأب والخالق، عندما رأى المخلوق الذي صنعَه متحركاً وحياً (…)، عندما رأى الأب هذا ابتهج، وعزم في فرحه وبهجته على أن يصنع النسخة أكثر شبهاً بالنسخة الاصلية”؛ ثم يتابع: “فإن الخالق صممَ على أن يمتلك صورةً متحركة للأبدية. وعندما وضع السماء في نظام” (ص 421). أو: “إن الزمن والسماء، إذن، أتيا إلى الكون في اللحظة عينها” (ص 422). “إن الباري الكريم واصلَ عملَه” (الصفحة نفسها). أو: “هكذا تكلم المبدع العظيم، ومرة ثانية صبَّ العناصر الباقية في الفنجان الذي مزج فيه روح الكون سابقاً” (ص 427)… أليس في هذا بعضُ ما يقوم عليه الأدب، ومنه الشعر؟

هذا يَرسم، في حاصل هذا التتبع والتفقد في الماضي الإغريقي، سرديةً تحتاج، من دون شك، إلى مزيد من الفحص، لاسيما لجهة تشكلها، وسياقها، وإلى استبيان الحدود التي بدتْ نزاعية، وتَعمل على تحديدٍ مستجد، وهو التأكيد على كيانَي : الشعر والفلسفة، فيما اشتغلت تأكيدات الخطاب الفلسفي الناشئ على تأكيد علويته، وتفرده بالمكانة.

ما شغلَ بالَ سقراط وأفلاطون ومحاوريه وتلاميذه، هو: هوميروس، ومكانته المرجعية التي تَقْرب من التعظيم الإلهي. وهو ما يمكن استبيانه بالعودة إلى بعض المحددات التاريخية التي لها أن تَرسم – ولو في نقاط متباعدة – تشكلَ هذا النزاع: تفيد التدقيقات والترجيحات عن هؤلاء المعنيين أن هناك قروناً مضت بين ظهور هوميروس في القرن الثامن قبل المسيح، وظهور سقراط (470 ق. م.- 399 ق. م.)، وأفلاطون (427 ق. م. – 347 ق. م.) بعد عدة قرون. هذا ما يَشمل كذلك ظهور شعراء المسرح التراجيدي بعد عدة قرون على هوميروس، مثل : إسخيلوس (ِAeschylus) بين 525 ق. م. و456 ق. م.، وسوفوكليس (Sophocles) بين 496 ق. م و406 ق. م.، ويوريبيديس (Euripides) بين 480 ق. م.  و406 ق. م. وغيرهم. هذه المحددات السِّيَرية تشير، في حد ذاتها، إلى أسبقية هوميروس على غيره، ما جعله – ولاسيما مع اعتباره شبه المقدس عند الإغريق – المرجعَ والخطابَ، بل أكثر من ذلك : راسمَ الحد بل الحدود بين سابق السحر ولاحق الخطاب.

إن تتبع هذه الولادات، وهذه الخطابات المترافقة معها، لا يؤكد فقط على أولية هوميروس، بل على تفرع خطابات عديدة ابتداء منه، وعلى نزاع معه؛ وهي تتعين في الحوار والمحاورة، وفي علاقات الخطاب بنظام حياة السكان في مدينة. ولو طلب التدقيق فحصاً مزيداً لهذه السِّيَر، لوجد أن ظهور الخطاب المسرحي تلا، مثلما رافق، الجدل الفلسفي الناشئ؛ وهو ما يمكن تتبعه كذلك في الحوار الذي يَجمع بين الخطابَين. هذا ما يمكن التفكير به في وجهة أخرى بين أفلاطون وسقراط وفق السؤال التالي : ألا يكون سقراط هو “قناع” (بالمعنى التمثيلي والإدائي في المسرح الإغريقي) أفلاطون، بما يضيء جانباً من جوانب السؤال التأليفي حول هوية الاثنين في المحاورات. فما كان قد تولد في القصص الشعري عند هوميروس، بين “اللوغوس” و”الميتوس”، هو ما تبدَّى بين التخيل الصراعي الأسطوري والبناء النزاعي في المسرح، لاسيما التراجيدي. هذا ما يمكن تتبعه في الحوار الفلسفي كذلك، إذ ما كان يجري واقعاً في حياة المدينة، ولاسيما مع السفسطائيين، امتدَّ، بل بات ينتظم في رحاب “الأكاديمية”؛ وهو ما انتقل إلى خطاب أبقى : التدوين، من دون أن يبتعد عن المحاورة كدلالة عن أصل جرى، فيما هو تأليفٌ وإن استعاد بعض ما جرى.

سيكون من الشيق إجراء فحصٍ متأنٍ بين بناء خطاب المسرح وخطاب التفلسف، والتناسج بينهما، إذ يحيل إلى ما شرع فيه هوميروس، وإلى ما طلب أهلُ الثقافة التالِين على تأليفه، وعلى تأثيراته المطلوبة في المدينة. لهذا بدا نقد سقراط-أفلاطون لهوميروس أشد قسوة وابتعاداً عمّا كان عليه نقدهم لخطاب أهل المسرح. إلا أن شدة النقد، البالغة حدود “الطرد” من “المدينة العادلة”، عنتْ، في مسار الخلاف والجدل، بناء مكانة أخرى، وخطاب آخر، يقوم على “اللوغوس”، وتبادل الحجج، وجعل النقاش أو التباسط في الرأي إشراكاً لجمهور أوسع، وإفحاماً للغير. فخطاب التفلسف بات يَطلب، ويُنشئ، بياناً يُبعد ما عداه، ويَتقدم عليه ساعياً إلى التصدر في الجماعة، بل في سدة الحُكم. من يَتتبع جدل أفلاطون، وما يحيل عليه، يتحقق من أن حياة أثينا، بعاداتها، ومجرياتها، ومهنها، وأفعالها الرفيعة والوضيعة، تتبدى في الحوار الذي يستجمع أكثر من غيره حَراك المجتمع وتطلعاته كذلك.

خطاب التفلسف يُسَفِّه ما عداه، ولاسيما ما كان يُعوِّل على “الميتوس”، على التخيلات والافتراضات والتوهمات وغيرها، حيث جعل من “الاقتناع”، لا من “إبهارِ” التعجب فيصلاً للتمييز بين الخطابَين، ولجذب الجمهور أكثر. وهو خطاب رمى كذلك إلى التموضع في السياسة، في ما تتيحه، وفي ما تتسامى لبلوغه : حكمُ المدينة، وحكمُ الأفراد فيها. هذا ما قلبَ مكانة الشاعر، والمسرحي، وقلبَ مكانة الحاكم كذلك. فالفيلسوف هو الأجدر بالسياسة، وبصوغ أحكامها، خصوصاً وأنه يبني قواعد لذلك، ما هو عرضةٌ للنقاش والجدل والإقرار : هذا التصدر للفيلسوف كان له أن يكون تصدرَ خطاب جديد، خطاب الحكمة التي لها أن تجمع سيرة الكون، وسيرة الإنسان، ومآله بعد الموت.

التلابس بين الجني والشاعر

في إمكان الدارس التوقف عند متبقيات كتابية أو آثارية قديمة، أو بالغة في القدم، لكي يَفحص تعبيرات أولى عن الشاعر والشعر والقصيدة، هنا أو هناك، وعن تجليات الخصام الذي استثارته هذه الأطراف الثلاثة فيما بينها أو مع غيرها. ففي الإمكان التوقف، على سبيل المثال لا الحصر، عند الشاعرة الأكادية24لا يفيد، بالطبع، استعادة ما ذكرتْه مدونة عربية عباسية عن شعر آدم أو غيره، إذ هي تعيد تدوين التاريخ وفق علاقة تكوينية، حسب المعتقد الديني، بين الله والعربية؛ وهو ما للكتاب العودة إليه أدناه مع التوقف في ظهور “العلوم” ومنها التمييز بين “المنحول” و”الصحيح”، وبين “الرواية” و”المدارسة”. ، أو عند قصيدة قديمة عُثر على نصها الكتابي على مقربة من صنعاء، أو التوقف عند الشاعرة الإغريقية سافو (Sapho) وغيرها. إلا أن الشروع في هذا المقال لا يستدعي مثل هذه الوقفات، ما دام لا يتوخى السعي إلى بناء سرديةٍ عن نشوء الشاعر والشعر والقصيدة، عدا أن هذا البناء ليس بالممكن ضمن المتوافر في المدونة، هنا وهناك، من دون شك. ذلك أن ما يَطلبه هذا المقال يتعين في درس معالِم وعلامات قابلة للاستجلاء، وللتحقق منها، وللدرس بالتالي، عن “الخصام” (كما جرى تعيينه بصورة مسبقة غرضاً لهذا المقال) بين الأطراف الثلاثة المذكورة مع غيرها، أو بين غيرها معها، بدل السعي لبناء سردية “نشوئية” بمعنى ما، لا تتأخر المدونة الأوروبية – على أي حال – عن البدء بها، مع الشاعر : هوميروس، جدِّ الشعر في العالم. 

قد يكون البدءُ بكتاب : تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي لميشال فوكو25Michel Foucaut : Histoire de la folie à l’âge classique, Gallimard, Paris, 1972. بدايةً أنسب في عملية الاستجلاء هذه، ما دام السعي البحثي لا يتعين في مسعى “نشوئي” (كما سبق القول)، بل في تفقدِ ما له أن يُظهر قيام هذا “الخصام” ومعانيه، في العلاقات التاريخية والسياسية والاجتماعية والرمزية بين أطرافه المختلفة. والبدء بكتاب فوكو قد لا يفيد، بالضرورة، في موضوع الدرس، إلا أنه يُفيد – على ما أمكنَ التأكد –  في مسعاه المنهجي والتحليلي خصوصاً. ففي كتابه المذكور، يُظهر فوكو أن ما نسميه “الجنون” لا يعدو أن يكون، في التاريخ والعلاقات والمفاهيم، مفهوماً متداخلاً مع : “العقل”؛ أي إنهما كانا في عهدٍ ما مجالَ تعريفٍ، وإعادةِ تعريفٍ، من دون أن يقتصر هذا المسار على صياغات وصياغات مستعادة، وإنما بلغتْ السياساتِ نفسها، أي واقعَ التعامل الطبي (وغيره) مع حالتَي : “العاقل” و”المجنون”. وما قام به فوكو لم يكن الغرض منه كتابة سردية عن تاريخ الطب النفسي، بل التفكر في ما آلتْ إليه ظواهرُ وأحوالُ “العقل” و”غير العقل” (كما يسميه) في التاريخ الاجتماعي، والعيادي بالتالي.

مثالٌ وحسب عمّا أظهرَه فوكو في إعادة النظر هذه : “المجنون” لم يكن مُبعداً عن الحياة الاجتماعية في القرون الوسطى الأوروبية، بل كان مختلطاً بها؛ وهو ما يمكن التحقق منه في أحوال موازية في الحقبة الإسلامية، لاسيما في أخبار “الحمقى والمغفلين”، كما وردتْ في أكثر من كتاب في المدونة العربية القديمة26يمكن العودة، على سبيل المثال، إلى هذين الكتابَين : ابن الجوزي : أخبار الحمقى والمغفلين، تحقيق : كاظم المظفر، المكتبة الحيدرية، النجف، 1966؛ النيسابوري : عقلاء المجانين، تحقيق : عمر الأسعد، دار النفائس، بيروت، 1987.. بل عنى عدم الإبعاد هذا، حسب فوكو، اللجوءَ إلى “المجنون” بوصفه حاملاً، أو وسيطاً، لـ”حكمة غامضة”، لاستحضار ما يَخفى في الغيب : هذا ما جرى الترميز إليه في “سفينة الحمقى” التي كانت تَعبرُ الأنهار من دون استقرار… غير أن هذه الأحوال لا تلبث أن تتبدل في القرن السابع عشر، مع ما أُُطلقَ عليه : “الحجز الكبير”، والذي عنى اعتقالَ “المجنون”، وإبعادَه، وإسقاطَه من الحياة الاجتماعية، وجعلَه مصدر قلق واضطراب وخلخلة للنظام العام. هذا ما استوجب بناءَ عيادات ومستشفيات ومصحّات مناسبة لهذا المرض، والتفكرَ في أدوية، وعلاجات، وتمارين، وقيود وغيرها لمعالجة ظواهره وأسبابه. هذا ما كان يُبقي “المجنون”، في غالب الأحوال، مُحتجَزاً، ومُبعَداً، وغير قابل للانخراط من جديد في حياة “الأسوياء” من البشر. هذا ما عنى، في حاصل الأمر، تعريفاً، وإعادةَ تعريف، لما هو “العقل” : السوي وغير السوي؛ أي أنه عنى النظرَ، وإعادةَ النظر في ما هي عليه : “الحدود” بالتالي بينهما. هذا مدعاة لإثارة أكثر من سؤال، بالتالي : هل الحدود طبيعية أم موضوعة ؟ أهي ثابتة أم متبدلة ؟ ما يُوجب الحفاظ عليها أو النظر الاستعادي والنقدي لها ؟

هذه الأسئلة تفيد – على ما أقترح – في النظر إلى “الخصام” بوصفه مسألة حدود بدوره بين المجنون والشاعر، وبين ما تقوله القصيدة وما تقوله حكمة المغفلين والحمقى. فـ”المجنون” لا يبدو، في بعض تاريخه (حسب فوكو)، مختلفاً عمّا كان عليه الشاعر في عهود سابقة في التاريخ المعروف. لهذا، وجدتُ أن صورة “الحدود” مناسبة لإطلاق الحديث عن “خصام” الشعر مع غيره، أو “خصام” غيره معه، إذ إنها (الصورة) قد لا تختلف تماماً عن “إزاحة” الحدود (كما جرى ذكرُها). إلا أننا نستدرك بالسؤال: أتكون “لوثة” الشعر غير بعيدة، في أحوال، عن لوثة “الجنون”؟

هذا ما تتناوله مدونات مختلفة في حديثها المتعدد والمتنوع عن علاقات هذه الحال بتلك، أو هذا الخطاب بذاك، بما هو قيد التفكير والحُكم، أي بما يحرِّم، أو يُهدد، أو يَمنع، أو يُراقب وغيرها من الممارسات المقيِّدة له. هكذا عايشتْ مجتمعات ومجتمعات، في أطوار وأطوار، ما لم يكن مرسوماً في حدود (مادية أو غيرها) في نطاقها، أو مع غيرها، ثم عايشتْ، أو شهدتْ ما بات يتطلب وضع حدود، والمعاقبةَ في حال التعدي عليها، أو عدم التقيد بها: يكفي أن ننتبه إلى أننا لا نقوى، اليوم، على التبضع والشراء في الأمكنة الواقعة ضمن الحدود التي ننتقل إليها من دون تبديل العملة، فيما بات لمواطني بلدان “الاتحاد الأوروبي” (على سبيل المثال)، منذ عقود قليلة، القدرة على الانتقال من دون تأشيرة سفر، من دون تبديل عملة، بين فرنسا وإيطاليا أو غيرهما. سؤال بسيط، وفي وجهة أخرى : هل نسير بالمقلوب أم لا نحسن السير، أم لا نعرف المشي، إذا أخَلَّينا بنظام السير في إنكلترا؟ كيف لنا أن ننتبه إلى وجود هذه الحدود؟ كيف لنا أن نَعرفها؟ هذا ظاهرٌ بين الدول، في خطوط مادية، ملوَّنة أحياناً، تشير إلى الفصل بينها، ولكن كيف نتبين الحدود بين المناطق الرمزية، أي الواقعة في اعتقادات البشر وتمثلاتهم، ومنها الخاصة بالشعر؟

التابع، والعزيف، والمُلهِم 

لو تمَّتْ العودة إلى كتابات قديمة، في الإغريقية والعربية، لتنبهَ القارئ إلى أن لفظ “الجن” (Genius)، مشتركٌ بينها، ولعله من أصل يوناني اعتمدتْه العربية (ثم اللغات الهندية-الأوروبية نقلاً عن اليونانية)؛ ويعني، في هذه اللغة أو تلك، “التابعَ”، قبل أن تتفرع منه دلالات قرنَتْه بـ”العبقري” و”الجنون” و”التميز” وغيرها27 هذا ما أشرتُ إلى وجوب تعقبه، والتدقيق فيه، منذ كتابي : مذاهب الحسن : قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، 1998.. هو “التابع”، إلا أنه هو الذي يمدُّ غيرَه، الشاعرَ تحديداً، بالكلام “البليغ” و”النفيس”، ما يميز كلامه عن الكلام “العادي” و”المشترك” بين البشر : كلام منفصل عن غيره، ومعيَّنٌ على أنه الأجمل والأسمى والأصح. كيف لا، ونحن نعرف أن شعوباً لم تتأخر عن قتل الشاعر، بل العرّاف، الذي كان يُخطئ في أقواله، أي تنبؤاته. هكذا نتبين، في هذا الطور، تعايشاً وتنافساً، ثم انفصالاً، بين “الكاهن” (والعرّاف والساحر) والشاعر، ثم يؤدي إلى احتلال الثاني وظيفة الأول.

ما يمكن قوله، والالتفات إليه، هو كون الشعراء القدامى طلبوا عبر الجن اختراق الحدود، التي كانت تفصل بين عالَم البشر وعالَم الخفاء (حتى لا أطلق عليه تسميات أخرى) : أن تقول شعراً متميزاً يعني أنك تجلبه من مكان لا يصله أحد (“وادي عبقر” في الجاهلية العربية)، ولا يقوى على اجتياز حدوده أي كان، بل توجد قوى وسيطة، هي “الجن” تحديداً، تَنقل الكلام من الحيز الخفي إلى حيز البشر. كلامٌ ممهور بقوة الخرق التي تسهِّلُه قوى غير بشرية، قد تكون مسموعة من دون أن تكون مرئية، مثل العديد من المخلوقات التي عرفتْها أساطير الشعوب عن أنصاف الحيوانات-أنصاف البشر. 

هذا ما نعرفه عن الشعر، كما عن الغناء، في عدد من الأساطير القديمة (مثل أسطورة أورفيوس)، والتي تُحدِّثنا عن “أصوات” لا مثيل لها، متميزة، ومن صنيع الجن، مما لا يقوى البشر على فعله. هذا ما نجد أخباره في العربية القديمة وأخبار الجاهلية واعتقاداتها، بين الشعر والجن، وبين الغناء والجن. هذا يصح في الغناء كما في العزف: “العزيف: أصوات الجن ولعبُهم، وكلُّ لعبٍ عزفٌ”28الخليل بن أحمد الفراهيدي : كتاب العين (8 أجزاء)، تحقيق : مهدي المخزومي وابراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1988. . وأجد في كتاب المسعودي مروج الذهب ومعادن الجوهر أقوالاً وأوصافاً عديدة عن هذه الأصوات الخصوصية والمميزة: “أما الهواتف فقد كانت كثرت عند العرب، واتصلت بديارهم، وكان أكثرها أيام مولد النبي – صلعم – وفي أولية مبعثه. ومن حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي (…). وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول : إن من الجن مَن هو على صورة نصف الإنسان، وإنه كان يظهر لها في أسفارها وحين خلواتها وتسميه شقاً”29أبو الحسن المسعودي : مروج الذهب ومعادن الجوهر، (مجلدان)، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، 1989، ص 1، 469. .

هذا ما يمكن تبينه في مجال الرؤية أيضاً، حيث إن الجن “يُري” البشر صوراً وأطيافاً لا يَرونها عادة، بل قد تَصيبهم “الخَطْفة” من جرّاء ذلك. إلى هذا، فإن الجن، ومنه إبليس، تُقدِم على صنع أعمال، منها نحت الأنصاب وغيرها مما يُعد أعمالاً متميزة ومجلبة للشر، ما دامت تأتي بصور وهيئات من مناطق “محظورة”. 

كما نتبين كذلك أن للجن مواضعها : لها موضع في البادية، هو “عبقر” (الوارد في القرآن)، ولها “منازل” أيضاً “يُكره النزول بها” طبعاً. ونتبين أن الشعراء “يَهيمون” في هذه المواضع : فالشيطان “يستهوي” الشاعر، بحيث يصبح “حيراناً هائماً”، ذلك أن الشيطان “فتّان”، وله قدرة على أن “يَخبط” الإنسان، أي أن “يَمسَّه بأذى”، و”يجنه”، و”يخيله”، عدا أنه “يخطر” في قلب الإنسان، أي يوصل إليه “وسواسه”. ونعرف أن الجن، أي عدداً منه، يلازم عدداً من الشعراء : مثل إبليس لإمرىء القيس، ومسحل للأعشى وغيرهما. والجن “يسترق” السمع، من جهة، أي “يقرب من السماء، فيستمع، ثم يذيع”، أي وساوسه. كما أن الشاعر يسترق السمع للجن، من جهة ثانية، أي يذهب إلى لقائهم، ويذيع، هو بالتالي، هذه الوساوس. وتسمي العربية هذه العملية بـ”الختل”، أو “الاستراق”؛ ونحن نجد في هذا الأمر الأسباب التي أدت إلى تشكيك الإسلام بالشعر؛ وهي أسباب تجد في “الاستراق” إلى عالم غير منظور انصرافاً إلى السوء واقتراف الخطإ. 

لقد طلبت الديانة الإسلامية القطيعة عن الشعر بوصفه مصدراً اعتقادياً، وعدم اعتباره بالتالي مصدراً للمعرفة. هذا ما نجده بيناً في قول مأثور لعمر بن الخطاب : “كان الشعر علمَ قوم لم يكن لهم علمٌ أصحُّ منه”. ولكن ما الذي “يُبلغه” الشيطان للشاعر ؟ أو عمّا يبحث الشاعر في “وادي عبقر” ؟ كيف يتحقق الاتصال بين الطرفين ؟

نجد في أخبار العرب القديمة أقوالاً تفيد عن العلاقات “المحرَّمة” أو “الخاطئة” التي أقامها أعداد من البشر، مثل الشعراء والمغنين والنحاتين والعازفين وغيرهم، مع الجن ولاسيما مع إبليس. وهي علاقات اجتيازٍ، عبر وسيط، لمناطق يُراد فصلها عن غيرها، أي عن عالَم البشر، فلا تقع في متناولهم. كما لو أن العمل اختراقٌ لمنطقة غير منظورة، وللشيطان وحده قدرةُ اجتيازها، هو الوسيط بين عالمَين، بين العيني والخفي. كيف لا يكون وسيطاً متنقلاً، وهو طيف، أي إمكانُ صورةٍ لا تتحقق إلا بعد قبول الإنسان لها ؟ كيف لا يملك هذه القدرة، ولعينه نفاذٌ سيءٌ على البشر ! إبليس هو هذه القدرة على الإتيان بأعمال، بصور، ليست لكل البشر، بل لعدد منهم ممن أقاموا الحوار معه، ممن جعلوا أطيافه صوراً، ووساوسه أشعاراً. إلا أن هذه العلاقة تُخيف بقدر ما تُعجب. وهو ما ننتبه إليه في معاني ودلالات : الخوف والفزع والروع التي تقترن بالجمال في العربية : “الروع: الفزع. راعني هذا الأمر يروعني، وارتعت له، وروعني فتروعت منه. وكذلك كل شيء يروعك منه جمال أو كثرة. تقول : راعني فهو رائع” (في كتاب العين للفراهيدي). وهو ما نجده أيضاً في تعريف “الهول” و”التهاويل” خصوصاً، التي تعني في آن زينةَ الوشي والتصويرَ والسلاحَ. ويجمع الشاعر، في صفاته، في العربية القديمة، بين “العَفْرتة” و”الشيطنة” و”الخبث”؛ وهي صفات مستقبحة. وهو ما نقع عليه في دلالتَي السحر : تُعيِّن، من جهة، “كلَّ ما كانَ من الشيطانِ فيه معونة”، وتُعيِّن، من جهة ثانية، التوفُّقَ في الأمور القولية، أو “البيان في الفطنة”. نقع، إذن، على تعريفات تقوم على حدودٍ من التنازع والتشارك في آن، وهي الحدود عينها التي تقضي بعبور الإنسان لحدود، لممنوعات، مخيفة بقدر ما هي مرغوبة، خافية بقدر ما هي ساحرة.

هذا ما يفيد أن الجن كان الصيغةَ الأولى للشاعر، أي الوسيط بين عالمَين، والمخلوق الثنائي النَّسَب. ونحن نجد في مسار انتقاله، مثل مسار انتقال دلالات هذا اللفظ (من الجن إلى العبقري المتميز)، شيئاً من مسار البشر في اعتقاداتهم عن الشعر، وعن سبل الوصول إليه. كان الجن يَجلب الكلام (أو الأصوات، أو الصور) من أمكنة خفية، لا يقع عليها النظر، ولا تبلغها الأدوات الصناعية (مثل الآلات، أو قرض الشعر وغيرها) : المدهش والساحر يقعان في جهة غير منظورة. 

إن صور “التابع” و”الوسيط” و”ناقل الرؤى والأخبار” وغيرها، نلقاها في آداب ومعتقدات العديد من الشعوب، ما لا نحتاج لذكره الآن؛ وهي كلها تفيد عن طلب الفصل، عن طلب التمايز عما هي عليه حالُ الإنسانية. وهو طلبُ الكلام الشعري : طلبٌ يقوم على التميز، ويتوسله في الابتكار، أي الاختلاف مع السَّوِي والاعتيادي من صنائع البشر.

بين عبقر وعكاظ

تناولتْ الفقرات الأولى، في هذا المقال، التشكلاتِ التي صاحبتْ، وأدتْ إلى لحظة “الخصام” في القرون الخمسة ما قبل المسيح، لاسيما في أثينا؛ ثم انتقلَ المقال إلى لحظة أخرى، في الحقبة الجاهلية، أي بعد عشرة قرون على اللحظة السابقة. والداعي إلى رسم هذا الانتقال هو ما ارتسم بين هذه الحقبة واللحظة الإسلامية الأولى، وتالياً إلى ترجمة منتخبات من الفلسفة الإغريقية إلى العربية، ومنها محاورة الجمهورية. قرون عديدة فاصلة، إذن، بين اللحظتين بلوغاً إلى إقامة التواصل المذكور، إلا أن هذا لا يعني القطيعةَ في ما سبقَ بين المدونتين، لو أمعنا النظر في الوضعيات والتعبيرات التي عنت قضية الخصام فيهما. هذا ما سبق التوقف عنده أعلاه؛ وهو ما أطلبُ تفقده واستبيانه بصورة مزيدة في الفقرات أدناه. 

ورد في المدونة العربية القديمة الكلام عن : “سوق عكاظ”، وهو يتعدى، في انتظامه وأدواره، التجارة والتبادل، إذ إن مجرد اجتماع أعراب في الطائف، كان يعني اجتماعهم كذلك حول الشعر، وعلى التباري بخصوصه بين الشعراء. غير أن ما ورد، في المدونة القرآنية، يتحدث كذلك عن اجتماع آخر، للشعراء حصراً في : “وادي عبقر”، من دون التأكد تماماً من صحة وجود هذا الموقع، على الرغم من وجود وديان قريبة من الطائف ومن نجد، شبيهة بأسمائها بهذا الوادي30جرى كلام قديم عن وجود هذا الوادي في اليمن من دون دليل، فيما ذكرَه ياقوت الحموي على أنه واقعٌ في نجد ببلاد تميم، من دون دليل مادي، هو الآخر.. غير أن ما يُورده القرآن عنه، وعن واديه، يشير إلى أنه وادي الجن، وادي الشعراء الذين “يَهيمون” فيه بحثاً وطلباً للشعر. ومن يطلب التدقيق في وقائع رسالة النبوة، وفي سنواتها الأولى، يتحقق من أن ارتسام هذا الوادي يمكن تشبيهه بمكان صدور الشعر، فيما يعني سوق عكاظ مكانَ عرض هذا الشعر. هذا الارتسام بين المكانين يتقارب مع مشهد الأنصاب والمعبودات الوثنية في مكة خصوصاً، ما يحدد، بالتالي، مساراً موازياً لانبعاث الشعر من جهة خفية.

ما يمكن أن يتحقق منه البحث والدرس، هو أن تحريم المعبودات الوثنية، وتحطيمها (كما هو معروف في كتاب الأزرقي: فتح مكة وغيرها)، لا يتوازيان في السردية الإسلامية كما وردتْ في المدونة القديمة، مع الموقف من الشعر: وجبَ التنبيه، في هذه المسألة، أولاً، إلى أن الديانة، بل التدين الإسلامي لم يتخذ موقفاً تحريمياً من الجن (والعفاريت وغيرها)، بل نظرَ إليها بوصفها قابلة لأن تكون “صالحة” كما “شريرة”؛ هذا النظر إليها يَختلف، أو لا يَبلغ، على أي حال، التحريم كما في المعبودات الوثنية. كما وجب التنبيه، ثانيا، إلى أن الديانة، والتدين الإسلامي، لم يُحرِّما الشعر، حيث إن الخلافات –كما هي واردة في كثير من أخبار السيرة النبوية– طاولتْ النهي عن هجاء الدعوة كما الرسول، والقبول بل الثناء على قيامها والتقيد بها31هذا ما يمكن تمثيله في الجدل، ثم في التوافق، بين النبي والشاعر حسان بن ثابت، كما هو معروف.. كما وجب التنبيه، ثالثاً، وإن لاحقاً، إلى الخلوص إلى عدم التعرض للشعر والشعراء، ما دامت الحاجة إلى تفسير آيات التنزيل، عند نزولها أو في أوقات تالية، لازمة وضرورية، وجعلت من الشعر مصدراً ثابتاَ لها عند الشراح والفقهاء وغيرهم. هذا ما أوجد للشعر، ولبقائه، أو لعدم التعرض له، سبباً إضافياً لديمومته، ولعدم النظر إليه بعين التحريم، أو المنع، إلا عندما يتعرض شعراء، خصوصاً في سلوكاتهم، لما حرَّمه الدين (مثل الخمر وغيره)، كما نعرف في سِيَر شعراء عديدين في الحقبة الإسلامية. 

لنتوقفْ عند ما ورد عن الشعر والشعراء في التنزيل القرآني : ورد ذكر الشعراء فيه، في أكثر من سورة: في سورة الشعراء ذمَّ الله الشعراء المشركِين الذين يتبعهم الغاوون (الضالُّون) ويهيمون في كل وادٍ، مستثنياً الشعراء المؤمنين الذين يدافعون عن الحق : “وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ” (الشعراء: 224-226). وورد في سورة الأنبياء ما يفيد عن كون الشعر، وكون الشاعر، ممن “يَفْتَرون” (أي: يبالغون في الكذب)، ويتخيلون تخيلات هي من “أضغاث” الأحلام، أي من الأحلام المشوشة: “بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ…”. ولقد ورد، في غير سورة، الحديث (كما في السورة السابقة) عن الشاعر، وعن كونه يستجمع في شعره صفاتٍ قبيحة، أو مِما لا يقبلها الصدق، ولا الدين القويم. ويَنقل القرآن، في سور أخرى، ما كان يجري من جدلٍ حول أن ما أتى به القرآن هو من الشعر، وأن النبي شاعر، لينقل، بالتالي، ما كان يتناقله المشركون بهذا الخصوص، متوعدين بأن مصيره هو الموت، مثل غيره من الشعراء : “أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ”. وهي الجدالات والمعاني عينها التي ترد في سورة الصافات: “وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ”، أو في سورة الحاقة التي تنفي، بدورها، نسبة التنزيل القرآني إلى الشعر : “وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ * قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ”.  

هكذا يمكن التحقق من أن غير سورة وآية قرآنية تتحدث عن الجدل، بل عن الاختلافات، الحادة في بعضها، بين القرآن والشعر، وبين النبي وشعراء، وبين طبيعة الشعر ودور الشاعر، وبين هوية التنزيل الإلهي والشعر و”أضغاث الأحلام”، وبين الشعر والجنون وغيرها (وهو ما سأعود إليه لاحقاً). إلا أن هناك، في سورة الشعراء، ذكراً لمن يمكن تصنيفهم في عداد الشعراء المؤمنين، والصالحين بالتالي : “إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا * وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ” (الشعراء: 227). ولا تخرج الأحاديث النبوية، ولا تفاسيرها، عن تأكيد المواقف عينها الواردة في السور والآيات، ما لا حاجة لتعداده وذكره…

كما نجد، في الأحاديث النبوية32يمكن العودة، على سبيل المثال، إلى : البخاري : صحيح البخاري، تحقيق : مصطفى البغا، دار ابن كثير، دمشق، 1993.، أقوالاً تتوكل، في الكلام عن الآيات القرآنية السابقة، بالتمييز بين صنفَين من الشعراء: صنفٌ ملتزم بالدين القويم، وصنفٌ لا يفيده، بل يضرُّ بمقاصده33يمكن العودة، في الحقبة المتأخرة، إلى كثير من الكتب التي تماشي التفسير المعهود : د. صلاح الدين الهادي : الأدب في عصر النبوة والخلفاء الراشدين، مكتبة الخانجي للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1905؛ يحيى الجبوري : الإسلام والشعر، مكتبة النهضة، بغداد، 1964؛ د. صلاح الدين محمد عبد التواب : موقف الإسلام من الشعر، دار الكتاب الجديد، بيروت، 1974؛ د. أحمد فؤاد الغول : الشعر في الإسلام، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2014.. هذا ما يمكن بسطُه، والتوقف عنده في عدد بالغ من هذه الأحاديث، لاسيما وقد جرى جمعها، وتبويبها، وتصنيفها. أستقي منها : (لَأَنْ يمتليء جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يمتليء شِعْرًا) (م. ن.، ص 5، 2279)؛ وقد ورد ذكرُه، حسب الصحيح، في باب الأدب فيما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتّى يصرفه عن ذكر الله؛ كما ذُكر أنّ شاعراً عرض للرسول، فوصفه بالشيطان؛ وهو يعني أن النهي انصبََ على هجاء الرسول. وقد أورد ابن رشيق أنّ تشبيه الرسول للشعر بالقبح ليس عاماً، “وإنّما هو على من غلب الشعر على قلبه، وملك نفسه حتّى شغله عن دينه وإقامة فروضه، ومنعه عن ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن”34ابن رشيق القيرواني : كتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه (مجلدان)، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الخامسة، 1981، ص 1، 32. .

انبنى هذا المقال على “وقفتين” (كما أوضحتُ أعلاه) : إغريقية، وإسلامية (بعد الجاهلية)، لجهة ما تعيَّن فيهما من جدل خاص بالشعر والشعراء. وهما يُفضيان إلى معاينتين متباعدتين زمناً وأحوالاً وسياسات، إلا أنهما جديرتان بالفحص، ولو تباعدتا في الزمن المعرفي والكتابي :  لو اكتفى البحث بالوقوف عند امرئ القيس، المتعين في القرن الثالث المسيحي، لوجد أنه يبتعد ما يقرب من سبعة قرون عن سقراط أو أفلاطون… هذا يستدعي جملة من الملاحظات الأولية:

إن هذه الخلاصات الأولية تفضي إلى ما هو أشد قيمة في الدرس مما توصل إليه البحث، إذ يتضح، في مدى النظر، أن ما طلبَه أفلاطون (كما سبق الذكر) طمح، ليس إلى أدبٍ، أو شعرٍ، جديدَين بل إلى الإعلاء من شأن الفلسفة، التي تعني في بنائها الإغريقي : محبةَ الحكمة. وهو ما طلبتْه الرسالة المحمدية بالعربية، أي توفير اعتقاد واحد وشمولي، متخطٍ ليس للشعر وحسب بل لإجمالي المعرفة في زمنه.

مع ذلك، لا يَغيب عن الدرس أن ما تجلى في الحقبة الإغريقية أشد قوة وحدة من حقبة الخصام الإسلامية، إذ إن بعض أسباب ما قامت عليه هذه المنازعة يعود (عند أفلاطون) إلى مقتضيات بناء السياسة والحكم : التطلع إلى “الجمهورية العادلة”، فيما لم تستدعِ اللحظة الإسلامية الأولى مثل هذه المنازعة إثر قيام “الصلح” بين النبي والشاعر حسان بن ثابت (حسب المرويات)؛ وهو الذي استُكمل مع قيام دولة الخلافة. غير أن ما نشأ في حاصل المنازع مختلف، إذ ولد عند الإغريق منزعاً فلسفياً، يقوم على الجدل، وعلى استجلاء أنظمة شاملة للغيب كما للوجود، فيما ولَّدَ، عند المسلمين، قوة في الغلبة، مبنية على اعتقاد ديني، مبلورة طرقهم في استجلاء المعرفة، من دون أن تنفصل عن التعرف والتفاعل مع الفلسفة الإغريقية، بعد توطد الدولة. هذا ما جعل هذه الفلسفة تحتل حيزاً وحسب من البناء الاعتقادي والكتابي العام، فيما نعمَ الشعر بحياة نامية في البلاط  كما في المدينة. 

الهوامش:

1. عدتُ إلى ترجمة عربية للكتاب : جمهورية أفلاطون، ترجمة ودراسة : د. فؤاد زكريا، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2004.

من دون أن أغفل عن الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب :

Platon : La République, (traduit),  Librairie générale française, Paris, 1995.

كما عدتُ إلى ترجمات أخرى في العربية :

أفلاطون : المحاورات الكاملة، نقلها إلى العربية : شوقي داود تمراز، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1994، ومنها : “محاورة طيماوس”، صص 377-500. 

وعدتُ كذلك إلى كتب ودراسات مناسبة للموضوع الذي قيد العرض والدرس :

Paul Vicaire : Recherches sur les mots désignant la poésie et le poète dans l’œuvre de Platon, 1964, P. U. F., Paris, 

Robert Muller : Platon et les poètes dans la République, Philosophie Antique, 20-2020, PP 215-236

Gaston Colin : Platon et la poésie, Revue des Études Grecques,  Année 1928,  41-189  pp. 1-72.

Pierre Hadot : Physique et poésie dans le Timée de Platon, Revue de théologie et de philosophie, 115 – 1953, PP 113-133.

2. تفيد دراسات مبنية على تحققات وترجيحات عن عدم وجود “أصل” لكتب أفلاطون؛ وما توافر منها وعنها يعود، في أولى تعبيراته المتوافرة، إلى مئة سنة بعد وفاة الفيلسوف. غير أن تفقدَ الأصول تعزز في قرون تالية، إذ تمَّ التأكد من قربى شديدة بين الصيغ التدوينية والمختلفة (باليونانية) لمؤلفات افلاطون المختلفة.

3. تفيد دراسات مدقِّقَة أن ما توكلَ به أفلاطون (حوالي 427-348 ق. م.) استند إلى تعاليم معلمِه، سقراط (حوالي 399-470 ق. م.)، لكنه أعاد البناء عليها، وتطويرها بما يناسب منظوره الفلسفي العام؛ وهو ما استند فيه إلى مدونة تلاميذه في “الأكاديمية” التي أنشأها أفلاطون، وأدارها، وقاد النقاشات فيها (وهو في الأربعين من عمره). هذه النقلة بين الشفوي والكتابي تعني اتكال سقراط على “الحكمة” التي لها أن تتبلور في الجدل (بما فيه ما أرساه السفسطائيون من طُرق في النقاش)، فيما تأكدَ وتبلورَ عند أفلاطون سعيه إلى بناء نسق أو منظور مبني على أكثر من الحكمة، وهو: التفلسف.

4. آثرتُ، في هذه الفقرة وما يليها، أن أتتبع المحاورة عارضاً لها، ولِما تتوصل إليه، راغباً من ذلك الاحتفاظ بالسيرورة الحوارية نفسها (ad litteram)، فاقتضتْ الإشارة.

5. من لطائف الفكر أن هذا ما انبنتْ، وتبلورت عليه وظائف الدولة الحديثة بعد قرون، فجرى “تفويضها” مشاكل العنف، والحكم العادل بين المتخاصمين وغير ذلك، بفضل الدستور والقوانين. 

6. لم يتشكك أفلاطون من الشعر بسبب الكذب فقط، بل لاشتماله كذلك على : المحاكاة، والأثر التربوي غير المناسب، وتحريك الانفعالات، وبعده المعرفي عن الحقيقة.

7. هذه صياغة أولى لما ستكون عليه أصناف الشعر (لاسيما في المسرح) الثلاثية، والمتعينة في : الملحمة، والمأساة، والهزلية.

8. لا يوجد عند أرسطو : “عالَم علل” مقابل “عالَم مُثل”، إذ يرفض انفصال المُثل عن الموجودات، ويستعيض عنه بنظرية “العلل الأربع”.

9. هذا ما اجتمعَ، في صيغة شرحية تالية، في معادلة : الحق – والخير – والجمال، من دون أن تعود – نصاً – إلى أفلاطون تحديداً.

10. يخالف هذا الرأي ما قال به أرسطو عن دور المسرح في “تطهير” النفس.

11. يعني “اللوغوس” لفظاً إغريقياً حاملاً لكثير من المعاني : ما يدل على الكلام، والخطاب، والعقل، وله تمثلات واستعمالات في النظر، والجدل، والتكلم وغيرها. 

12. يمكن التحقق، لاسيما في محاورة فايدروس، من أن أفلاطون يمنح الجنون الإلهي قيمة إيجابية أحياناً، ما يُظهر قدراً من التوتر بين الموقفَين.

13. عاد أكثر من فيلسوف عربي قديم إلى هذا الكتاب، من دون أن أعود إليهم، إذ يتعدى الأمر مقصود هذا المقال، غير أنه يمكن الحديث، بالمقابل، عن وجود عدة ترجمات عربية متأخرة لهذا الكتاب، منها ما يعود لزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وشوقي داود تمراز وغيرهم.

14. لا يقوى أي متابع لهذه المحاورة على إغفال التشابه التكويني بينها وما يتحدث عنه سفر التكوين في الكتاب المقدس : هذا ما يتحدث عنه بيار هادو في دراسته المذكورة أعلاه، إذ يصنف هذه المحاورة بوصفه “تاريخاً مقدساً” (م. س.، ص 115).

15. اللفظ يعني في الإنكليزية : الفكرة.

يدافع المؤرخ بول فاين (Paul Veyne)، في كتابه : هل صدَّق اليونان أساطيرهم ؟، عن أنه كانت للإغريق رؤى تخصهم في النظر إلى الأساطير : الأسطورة ليست وهماً، وليست حقيقة تاريخية، بل هي نظام اعتقادي سابق لديهم، ومتقادم، ويعني تصديق عالم موازٍ لعالمهم، متعينٍ في زمن سابق، زمن الآلهة :

Paul Veyne : Les Grecs ont-ils cru à leurs mythes ? Seuil, Paris, 1983.

16. هذا ما اخترتُه في الترجمة، فيما عمدَ غيري من المترجمِين إلى الحديث عن : عمل محتمَل، أو ممكِن، أو واقعي… 

17. يعني هذا اللفظ الإغريقي في استعمالاته القديمة : الكلام، أو الخبر، أو القول، على أن هذه تتأتى من تخيلات أو حكايات، أو اعتقادات، بما يخالف مفهوم : “اللوغوس” تماماً، ويقترب، بالتالي، من تعيين الأسطورة.

18. هذا ما للبحث – لو طلب التوسع – أن يتحقق منه، أي من هذا التناسج في المسرح الإغريقي، حيث كان يشتمل على التمثل الحواري الصراعي والصياغات المتخيلة المتعينة في أساطير.

19. F. M. Cornford : Plato’s Cosmology, Hackett Publishing Company, Indianapolis, Cambridge, A reprint of the Routledge edition of 1935, P 30.

20. كتب ما معناه : “نحن نُحسن رواية التوهميات تماماً مثل الوقائع”.

21. كتب ما معناه : “ليتم اعتماد هذه الأشياء مثل شبيهة بالواقع”.

22. كتب ما معناه : “أعرضُ عليك انتظام الأشياء طالباً منها أن تكون قابلة للتصديق”.

23. كتب أرسطو في كتابه في الشعر ما يفيد أن “ميتوس” (mythos) يعني المحاكاة القابلة للتصديق، وإن كان المعنى خيالياً (كما سيرد لاحقاً) في التراجيديا الإغريقية.

24. لا يفيد، بالطبع، استعادة ما ذكرتْه مدونة عربية عباسية عن شعر آدم أو غيره، إذ هي تعيد تدوين التاريخ وفق علاقة تكوينية، حسب المعتقد الديني، بين الله والعربية؛ وهو ما للكتاب العودة إليه أدناه مع التوقف في ظهور “العلوم” ومنها التمييز بين “المنحول” و”الصحيح”، وبين “الرواية” و”المدارسة”. 

  1. Michel Foucaut : Histoire de la folie à l’âge classique, Gallimard, Paris, 1972.

26. يمكن العودة، على سبيل المثال، إلى هذين الكتابَين :

ابن الجوزي : أخبار الحمقى والمغفلين، تحقيق : كاظم المظفر، المكتبة الحيدرية، النجف، 1966؛

النيسابوري : عقلاء المجانين، تحقيق : عمر الأسعد، دار النفائس، بيروت، 1987.

27. هذا ما أشرتُ إلى وجوب تعقبه، والتدقيق فيه، منذ كتابي : مذاهب الحسن : قراءة معجمية–تاريخية للفنون في العربية، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، 1998.

28. الخليل بن أحمد الفراهيدي : كتاب العين (8 أجزاء)، تحقيق : مهدي المخزومي وابراهيم السامرائي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1988. 

29. أبو الحسن المسعودي  : مروج الذهب ومعادن الجوهر، (مجلدان)، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، 1989، ص 1، 469. 

30. جرى كلام قديم عن وجود هذا الوادي في اليمن من دون دليل، فيما ذكرَه ياقوت الحموي على أنه واقعٌ في نجد ببلاد تميم، من دون دليل مادي، هو الآخر.

31. هذا ما يمكن تمثيله في الجدل، ثم في التوافق، بين النبي والشاعر حسان بن ثابت، كما هو معروف.

32. يمكن العودة، على سبيل المثال، إلى : البخاري : صحيح البخاري، تحقيق : مصطفى البغا، دار ابن كثير، دمشق، 1993.

33. يمكن العودة، في الحقبة المتأخرة، إلى كثير من الكتب التي تماشي التفسير المعهود:

د. صلاح الدين الهادي : الأدب في عصر النبوة والخلفاء الراشدين، مكتبة الخانجي للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1905؛

يحيى الجبوري : الإسلام والشعر، مكتبة النهضة، بغداد، 1964؛

د. صلاح الدين محمد عبد التواب : موقف الإسلام من الشعر، دار الكتاب الجديد، بيروت، 1974؛ 

د. أحمد فؤاد الغول : الشعر في الإسلام، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2014.

34. ابن رشيق القيرواني : كتاب العمدة في محاسن الشعر وآدابه (مجلدان)، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الخامسة، 1981، ص 1، 32. 

35. لا أُسقط، مع هذا القول، أن ما وصل من المدونة الجاهلية يعود، من جهة، إلى الزمن القريب من زمن النبوة، ويعود، من جهة ثانية، “مخفِّفاً” على الأرجح من حمولات وظواهر اعتقادات سابقة، وغير مناسبة للتلقي الإسلامي.

Exit mobile version