جلستْ أمام المسجد في السوق تفترش الأرض، والخضارُ بضاعتها اليومية، وملابسها المهترئة تغطي كل جسدها إلا (كُمَّها) الممزق ووجهَها الذي يدل على أنه كان لامرأة بيضاء لكنّ صفار الفقر احتضنه. وكلّما اشترى منها أحد فاصلها في السعر فأعطاها أقل مما طلبت، فترد: “رضا”.
كانت عيونها دائماً تتجه إلى مدخل الشارع وتقول: (هييجي).
تقدم إليها رجل تبدو عليه الهيبة وطلب أن تعطيه بعض الكيلوات من كل صنف أمامها. وأنفذ إليها ابتسامة وأعطاها أكثر من السعر المطلوب، فرفضت وردت إليه الباقي وقالت: “رضا”.
أخرج الرجل مزيداً من المال ليعطيها فخانتها دمعة سبقت يده الممتدة بالمال، وقالت: ولدي منصور لن يقبل.
أطرق الرجل وقال: يا خالتي ألم يمت منصور في سيناء منذ عامين؟
ابتسمت ودموعها ترجو الهرب من أحداقها، وقالت: هو قال لي سيعود في الصباح.
لملم الرجل ثيابه وجلس أمامها القرفصاء وقال: كنت أنا قائد السرية التي كان فيها منصور، وقد افتداني بنفسه.
افتعلت المرأة ضحكة وهمست:
وتعطيني أجر رضاه؟
انتصب الرجل يرتّب هندامه وقال:
الرجال لا يموتون يا خالة.
انصرف بعد أن دسَّ في كيس نقودها ثمن ما اشتراه.
حين أدار ظهره، إذا بسيارة البلدية تدلف الشارع مسرعة. داست على فرشتها وأكلت ساقها الممتدة فسمع السوق صرختها وردَّد جدار المسجد “رضا”
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل