
استعراض واستطراد: أمجد حسين علي
ما الذي حثَّني على استعراض هذا الكتاب؟ عنوانهُ، حجمهُ، محتواهُ، مؤلِّفهُ، جهدُ تجميعهِ وكلُّ ما يزيد عن هذه المحفِّزات.
الكتابُ، بإيجاز، تجميع لمقولات وعبارات استرعت اهتمام المؤلِّف شوقي ناجي جواد الساعاتي في عشرات وربما مئات المصادر فاقتبسها ثم صنَّفها إلى خمسة وسبعين صنفاً (موضوعاً) ضمَّتها أربعمائة وثلاث عشرة صفحة، علاوة على مقتبسات باللغة الإنكليزية ضمنها ثمان وعشرون صفحة. أما المجموع الكلي للمقتبسات فقد تجاوز الألفين وخمسمائة مقتبس.
سؤال: كم من الوقت استغرق جهد القراءة، ثم الإختيار، ثم التصنيف، ثم الإعداد، ثم الطباعة؟
يقول المؤلِّف إنَّ بدايات محتوى الكتاب شهدها العام 1956، ولم ير النور إلا بعد أربعة وثلاثين عاماً، إذ أصدر الطبعة الأولى من جليس المتأمِّل في العام 1990، وأصدر الطبعة الثانية المزيدة والمنقحة في العام 2000، ليتحفنا بالطبعة الثالثة المزيدة أيضاً في العام 2016.
سؤال ثانٍ: ما الدوافع لبذل كل هذا الجهد؟ وهل هو بحث جامعي أم رسالة (أطروحة) جامعية لغرض الترقية العلمية؟
لا، يقول المؤلِّف، “الموضوع … تحول إلى دراسة تدفعني نحو التقصي والبحث والاستزادة من بطون الكتب والمؤلِّفات في محاولة منِّي لجمع ما يمكن جمعه من بحور المعرفة، حتَّى أودعه بعد ذلك في سِفْرٍ ينتفع به العامَّة والخاصَّة، وتحفظه الكتب ليخلد على مرِّ الزمان” (أ. د. شوقي ناجي جواد، جليس المُتأمل الإصدار الثالث، دار دجلة، الأردن 2016 ص9).
وثمَّة دافعٌ ومشجِّعٌ آخر (ربما هو الدافع الأول) على إنجاز الكتاب، هو البيئة الثقافية الغنية التي عاشها المؤلِّف (وكما يقول السيد عبد الحميد المحاري في تقديم الكتاب) “في كنف أبيه الكاتب والأديب والتاجر والرَّحَّالة (ناجي جواد الساعاتي) … حيث تنبه لتوجهات أبيه، معجباً بها، ومُتأملاً فيها … وهو يراه، في أكثر أوقات فراغه، معانقاً كتابه، أو مجرياً يراعه على القرطاس، أو محتفياً بأحبابه من أرباب الفكر وأهل الأدب وشُداة الشعر، أو مشاركاً في ندوة أو مهرجان” (ص7).
ويقول المؤلِّف في الهدف من إصدار الطبعة الثالثة، أن يكون الكتاب “المرشد والمعلم، والفيلسوف، والصديق، والمرجع الوافي، للمتلهف والراغب في التعلم. ولينهل منه كل تواقٍ إلى المعرفة، يلتهم من عطائهِ الطُّلَّاب والكتَّاب والمتعلِّمون والقرَّاء والمُتأمِّلون …” (ص 10).
أما مراجع الكتاب ومصادره فمن (ابن الجوزي) و(أبي حيَّان التوحيدي) إلى (الجاحظ) و(الثعالبي) و(المعرِّيّ) و(الغزالي) وغيرهم من المصادر التراثية، إلى إصدارات الحكومتين العراقية والكويتية، إلى (المنفلوطي) و(مارون عبود)، وإلى المصادر المسموعة والمرئيَّة (الراديو، والتلفزيون، ورواة وشعراء ومتحدثين …إلخ).
هل حقَّق (جليس المُتأمل) تطلُّعات المؤلِّف؟ لا شكَّ في أنَّ ذلك يعتمد على ثقافة المُتلقِّي ومدى رغبته في الاستزادة.
ذَكرتُ أنَّ المقتبسات غطَّتْ خمسة وسبعين موضوعاً (صنفاً) منها: (الكتاب والكتب) و(المجالسة) و(الوقت) و(الإنسان) و(النفس) و(التمني) و(النجاح) و(السر) و(الضمير) و(السعادة) و(الصداقة) و(الحسد) و(ذوو القربى) و(الفضيلة) و(الوجوبيات) و(التشبيه) و(الشجاعة والإقدام) و(الاعتراف) و(القيادة والحُكم) و(المعارك والحروب) و(الندم) و(الطفولة) و(الحِكَم) و(العيون) و(الجمال) و(الشبابيات) و(الحب) و(الغَزَل) و(القُبل) و(المرأة) و(الشك) و(السرقة) … إلخ.
أثناء قراءتي الكتاب الممتع أشَّرت على بعض المقتبسات بقلمين: أخضر اللون على مقتبسات أثارت إعجابي، وبقلم أحمر اللون على مقتبسات خلافية. وبما أنَّ عدد المقتبسات (الخضراء) تجاوز المائة، فقد اضطررت إلى تقليصها إلى ما يتناسب ووقت المحاضرة واهتمام الحضور الكريم. وهنا سوف أتَّبع أسلوبين: إما تلاوة المقتبس دون تعليق، أو قراءتهِ مع استطراد مني.
- “يحسُّ المفكر الذي تمضي عليه ثلاثة أيام دون أن يقرأ شيئاً أن حديثه قد نفدت نكهته، كما يرى أن وجهه قد أصبح كريهاً إذا نظر في مرآتهِ!” (ص 16) … هذا يذكِّرني بالآتي: في العام 1993 قدَّمتُ إلى رئاسة جامعة بغداد طلباً لإحالتي على التقاعد لأسباب معلنة (أسباب مرضية مفتعلة) وأسباب غير معلنة (التدهورالعلمي خاصة، والثقافي عامة، مما أحال العراق، والوسط الأكاديمي على وجه الخصوص، إلى أرض جدباء؛ لا كُتب جديرة بالقراءة، ولا مطبوعات أجنبية، أي إن أحد أركان حياتي اليومية لم يعد له وجود). فرحلت إلى ليبيا التي فوجئت بأنها لا تملك من مقومات الحياة سوى وفرة الطعام وإطلالتها على البحر وقربها من تونس. وفي الجامعة التي عملت فيها رئيساً لقسم اللغة (الإنكليزية) لم يكن في مكتبتها سوى (الكتب الخضراء). إذن ما العمل يا عبد الكتب؟! صرت أقرأ قاموس (أكسفورد) من الغلاف إلى الغلاف، ثم أراجع (متبرِّعاً) ترجمة منير بعلبكي في قاموس (المورد). واستمر هذا الوضع المزري إلى أن بدأ بعض الأساتذة العراقيين (وأنا منهم) يتقنون فنَّ تهريب المطبوعات من تونس الخضراء إلى داخل (الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى)!
- “الكتاب هو الجليس الذي لا ينافق ولا يَمِلُّ ولا يعاتبك إذا جفوته ولا يفشي أسرارك” (ص 17).
- “السلاحف لا تصلح لصعود السلالم … المصاعد أعادت ترتيب المسألة” (ص 27). تعليق: كم في العراق اليوم مثلاً سلاحف في القمة ارتقت إليها بمصاعد من المال والعنف والابتزاز؟!
- “ينبغي أن يسمع الإنسان كل يوم قليلاً من الموسيقى، ويقرأ قصيدة، ويرى صورة جميلة، ويقول- إذا أمكن- كلمات قليلة” (ص 33). تعليق: نعم بدلاً من الثرثرة الفارغة التي تغتاب الآخرين في غيابهم وتكيل لهم المدح في حضورهم. كما أن سماع الموسيقى يساعد في غسل الأعصاب من أردان الأخبار، ولكن شريطة ألا تشمل الموسيقى أغاني هابطة كالتي شاعت في الثلاثين سنة الأخيرة في الوسط العراقي مثل (البرتقالة) و(بسبس ميو) و(لا تعاشر ابن الحرام)!
- “هناك أشخاص بهت لونهم في عيني، وأشخاص زدت بريقاً بهم، وأشخاص لم أعد أُبصرهم مطلقاً. المواقف فقط هي التي تصنع العلاقات”(ص37). تعليق: هذا صحيح، ولكن ماذا عنك؟ هل عملت بما يؤدي إلى “زيادة بريقك” في نظر الآخرين؟ إذن علينا مراجعة الذات بين الحين والحين أو ما يطلق عليه مصطلح (النقد الذاتي) (Self-Criticism).
- “والنفس، إن كانت على وجلٍ من المنيَّةِ، آمالٌ تقوِّيها” (ص 38) … وفي هذا الصدد يسعدني أن أردِّد ما قاله شاعرنا الكبير محمَّد مهدي الجواهريّ:
عندي من الأسى جبلُ يتمشى معي ويتنقلُ
أنا عندي، وإن خبا أملُ جذوةٌ في الفؤاد تشتعلُ
إنَّما الفكر عارماً بطلُ أبد الآبدين يقتتلُ
قائدٌ مُلهمٌ بلا نفر حُسرتْ عنه راية الظفرُ
- “لو كان الاستبداد رجلاً وأراد أن يحتسب نسبهُ لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمّي الضُّرُّ، وخالي الذلُ، وابني الفقر، وابنتي الحاجة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب” (ص45). تعليق: هذا وصف (قد يكون مبالغاً فيه) للبيئة التي تخلق المستبدِّين. ولكن هل ثمَّة مستبدٌّ أقرَّ بهذه الحقائق؟ من الحجَّاج بن يوسف الثقفي، إلى هولاكو، إلى هتلر، إلى موسليني … إلى …!
- “إذا لم تجد لك حاسداً فاعرف أنَّك فاشل” (ص 47). تعليق: هذا صحيح ، ولكن ليس بالمطلق. صحيح في المجتمعات المتخلفة حضارياً، وبالتالي خُلقياً، كما هي الحال لدى أغلبية مجتمعاتنا في ما تسمى (الدول النامية) أي المستيقظة من سبات التخلف، أما المجتمعات المتحضَّرة فإن نسبة الحسد أقل كثيراً، وقد تيقَّنت من ذلك أثناء دراستي في الولايات المتحدة، وجولاتي المتعددة في دول أوربية.
- “لاتنفق كلمتين إذا كَفَتك واحدة” (ص 52). تعليق: هذه نصيحة رائعة، خصوصاً حينما توجَّه إلى ثرثار. ولكن هل ستكتفي بكلمة واحدة (أي باختصار الكلام) إذا كان السامع جاهلاً أو غبيَّاً أو عنيداً؟!
(10)”لا تنظر إلى من قال. انظر إلى ما قال” (ص56). تعليق: أي لا تصفِّق لكل ما يقوله زعيم سياسي أو زعيم ديني (أو متسربلٌ بجُبَّة دين) بل لا بدَّ من أن يكون لديك عقل ناقد لا عقل خانع.
(11)”التَّحفُّظ هو أن يقفل المرء فمه قبل أن يتطوَّع أحد لإقفاله. هناك رجل يستعمل كلماتٍ صعبة دائماً، إنه يخاف إذا عرف الناس ما يتحدث عنه فإنهم سيعرفون أنه لم يكن يعرف ما يتحدث عنه” (ص60). هل ما يدعو إلى التعليق على هذا المقتبس؟!
(12) “موتُ الضمير يجعل الإنسان سعيداً بما يُشقي الآخرين” (ص 67). تعليق: من المؤسف بل من المُبكي أن هذه الحالة منتشرة الآن في صفوف شرائح كبيرة من المجتمع العراقي. وفي كثير من الأحيان لا تشكِّل ثقافة بعضهم (المتباهي بشهادته الجامعية أو شهادته العليا) حائلاً دون الانخراط الأعمى في موجة التطرف الطائفي أو العرقي في بلدنا المنكوب بصفحة المآسي السابقة للعام 2003 واللاحقة له. ولعل أسوأ مثال على ذلك ما سمعته على لسان أساتذة جامعيين معلِّقين على تفجير سيارة مفخخة في حي في بغداد تسكنه غالبية من طائفة معينة وأودى بحياة عشرات القتلى والجرحى: “حيل بيهم”.
(13) “الشجرة المُثمرة تُقْذَف دوماً بالحجر” (ص 93). تعليق: في ظني أن هناك صنفين من عملية “قذف الشجر المثمر بالحجر” فقد يكون ذلك من باب الغيرة والحسد والحقد، ولكن ماذا إذا مر بمثل هذه الشجرة فقيرٌ مُدقع جائع لم تعرف معدته لقمة خبز منذ أيام؟ أليس إتيانه على قذفها وأكل شيء من ثمرها، ليذكِّر معدته بشيء اسمه “طعام” عملاً مبرراً.
(14) “أعظم لذة أعرفها هي أن أفعل الطيب خفية، ثم أراه يظهر صدفة” (ص96). تعليق: في أوائل خمسينيات القرن المنصرم كنت طالباً في دار المعلمين العالية. كنا نسكن في منطقة الشالجية ببغداد (حيث المعامل التابعة للمديرية العامة للسكك الحديدية) وكان الحي السكني هناك مقسماً إلى صنفين: صنف يُدعى (دور الضباط)، أي الدور المخصصة لكبار موظفي دائرة معامل الشالجية، و(دور العمال). وبما أن أخي فخري كان يشغل منصب (مميز) في دائرة الشالجية فقد كنا نسكن إحدى دور الضباط. كنت أتلقى من والدي (يومية) مقدارها درهم (أي خمسون فلساً)، أصرف منها للمواصلات عشرة فلوس أجرة الحافلة إلى باب المعظم وعشرة فلوس للعودة. أما الثلاثون فلساً الباقية فكنت أصرف منها أحياناً في الكلية أو أجمعها لغرض الذهاب إلى السينما في أماسي الخميس والجمعة.
ذات صباح اتجهت من دارنا إلى موقف الحافلة فإذا بي أجد طفلاً في حوالي الثالثة من عمرهِ يرتدي (دشداشة) بائسة، وقدماه حافيتان، وهو يبكي والمخاط يتدلى من أنفه. تلفتُّ باحثاً عن ذويه فلم أجد أحداً. سألته “لماذا أنت وحدك؟” لم يجبني بل استمر بالبكاء. أخرجت من جيبي منديلي (يومها لم تكن هناك مناديل ورقية مثل “كلينكس” أو “فاين” ومسحت دموع عينيه ومخاطه). وحين لاحظت تلوث منديلي بحيث لم يعد صالحاً لاستعمالي، دسست المنديل في جيب (الدشداشة). ثم سألته عن بيت أهله، فأشار إلى منطقة دور العمال. أمسكت بيده وسرنا نحو البيت البائس دون أن ينقطع أنينه. وحينما طرقت خشب الباب خرجت أمه وجعلت تعنِّفهُ لأنه غادر البيت دون إذن منها. وجَّهتُ لوالدته لوماً، وأخرجت من جيبي درهمين (مائة فلس) وناولتها إياها، وقلت: “اشتري لابنك نعلاً” فشكرتني، وتركتُهما. لن أنسى نظرة الطفل الممتنَّة إليّ. بعد ذلك اليوم، صادفت الطفل مرات عدَّة في الشارع، وفي كل مرة كان يشير مبتسماً إلى قدميه اللابستين نَعلاً.
في العام 1972 أنهيت عملي في الكويت (رئيساً لقسم الترجمة في شركة البترول الوطنية الكويتية، لمدة ثمان سنوات) لغرض العودة إلى التدريس مجدداً في كلية الآداب/ جامعة بغداد. وفي رحلة العودة عن طريق البر نقلت كل ما سأحتاجه من مستلزمات منزلية (ثلاجة، غسالة، كهربائيات، سجاد إيراني … إلخ) على ظهر شاحنة رافقتها بسيارتي الخاصة. وفي نقطة الحدود العراقية (صفوان) كان لا بد من قيام سلطة الجمارك بجرد محتويات الشاحنة وإخضاع ما يجب إخضاعه للضريبة الجمركية. وكالعادة، لجأ الموظف المسؤول إلى إدراج ما لا يجب إدراجه ضمن القائمة لكي يساومني على تقليص القائمة لقاء رشوة مجزية. وبما أنني عملت في السنتين ألأخيرتين في الكويت بصفة (إعارة خدمات) من جامعة بغداد فقد كنت معفى من الضريبة الجمركية على الأثاث المصاحبة، إلَّا أنَّ الموظَّف (النزيه) لم يقبل. وتلت ذلك مشادةٌ كلامية بيننا، فإذا بموظف آخر يدخل الغرفة متسائلاً: “شكو … شكو”. وقبل أن يتلقى جواباً من أي منا، حدَّق في وجهي وسأل: “أستاذ أمجد؟” قلت: ” نعم”، فأمسك بورقة الموظف “النزيه” ومزَّقها. وقال لي “ما زلت أحتفظ بالنعل الذي لبسته أول مرة في حياتي”.
(15) “كلب ينبح على شبح، وألف كلب ينبح لنباحهِ” (ص 123). تعليق: هذا ينطبق بشكل دقيق على الأنظمة الدكتاتورية. ثمة “قائد” تتبعه ثلة من “المهرجين” وحينما يريد أن يُعمي عيون الناس عن جرائمه وأخطائهِ يفتعل “الأعداء” فينبح لنباحه آلاف المأجورين. وفي تاريخنا القريب كان “الشبح” الذي يشرع الكلب بالنباح عليه بصورة “جاسوس” يُعدم في مركز المدينة وتساق لمشاهدة “المعدوم” آلاف من طلبة المدارس الابتدائية. وثمَّة “أشباح” أخرى مثل “أبو طبر” و “الحنطة المعفَّرة” و” التبعية الإيرانية”!
(16) “الثعلب النائم يحصي عدد الدجاج في أحلامه” (ص 143). في تأريخنا الماضي والحاضر، كم ثعلباً تولى السلطة، وافترس العشرات، بل المئات، بل الآلاف من الدجاج البشري؟!
(17) “كم ضعيف يتظاهر بالقوة مستغلاً قوة سلطان ظالم يسنده” (ص 155). تعليق: في العام 1973 و1974 أُعيد افتتاح كلية التربية في بغداد، وأعيرت خدمات عدد من الأساتذة من كليات أخرى لإدارتها والتدريس فيها، ومنهم أنا (من كلية الآداب). وبما أن كلية التربية الجديدة جُعلت واحدة من الكليات (المغلقة)، أي أن يكون طلابها قطعاً من أعضاء الحزب الحاكم، وكذلك إدارتها ورؤساء الأقسام فيها بصرف النظر عن أهليتهم، وإزاء النقص في الكفاءة التي كان يعاني منها رئيس قسم اللغة الإنكليزية، فإنه كلفني بإدارة شؤون القسم بصفة (مقرِّر قسم).
وذات يوم (ربما في السنة الثانية بعد إعادة فتح الكلية) دخل مكتبي شاب عرَّف نفسه بصفته شقيق إحدى الطالبات، وحدثني عن مستواها الضعيف باللغة الإنكليزية، ورجاني أن أساعدها لتحسين مستواها، وطلب مني أن يخبرها بإستعدادي لمساعدتها من خلال القدوم إلى مكتبي كلما دعت حاجتها إلى ذلك بغية إرشادها إلى كيفية مراجعة المواد والتدريب على حل الأسئلة التي تحتويها الكتب المنهجية …إلخ.
غير أن الزائر لم يكتفِ باستعدادي لمساعدتها، فابتسم ابتسامة الثعالب، وقال لي لكنني أطمع بأكثر من ذلك مثل تزويدها “بفكرة” عن أسئلة الامتحانات قبل مواعيدها، فقاطعته غاضباً: ” ألا تخجل؟” فردَّ بصلافة: لم أخبرك يا أستاذ؛ أنا ابن خالة النائب.” فكان ردَّي: “وأنا لدي رقم هاتف السيد النائب. وإذا لم تترك الغرفة في الحال لعلّي أنسى ما طلبته مني، فإنني سأتصل بالسيد النائب”. وخرج. هذا الوسيط عُيِّن في وقت لاحق في منصب مهم في (المخابرات العامة).
(18) “هناك أشخاص بهت لونهم في عيني، وأشخاص زدت بريقاً بهم. المواقف فقط هي التي تصنع العلاقات” (ص 82). تعليق: أثناء دراستي في جامعة (ستانفورد) في الولايات المتحدة (أيلول 1958 -أيلول 1959) قدِم من العراق طالب بعثة كان متزوجاً غير أنه لم يصطحب زوجته. ونظراً لوجوده (أعزبَ) في المجتمع الأميركي المنفتح فإنه بالغ في محاولات الاستمتاع الجنسي تحديداً. ثم استقر اختياره على طالبة ألمانية الجنسية اسمها (تيلدا) اشتهرت بانفتاحها السلوكي على الرجال. غير أن صاحبنا بالغ في علاقاته بها حد الغباء، إلى أن جاءني ذات يوم شاحب الوجه مضطرباً ” ساعدني أمجد … الله يخليك ساعدني … هذي (تيلدا) حامل.” وبَّخته طبعاً، ولكن ما نفع التوبيخ؟ فاتحت أصدقائي العرب، فشمَّر الجميع عن سواعدهم لتخليص هذا الأحمق من مشكلته حفاظاً على سمعتنا في جامعتنا الرصينة. وبالفعل نجحنا في حل المشكلة، وتم إسقاط الجنين على يد طبيبة (من أميركا الوسطى على ما أتذكر) لقاء مبلغ جمعناه من جيوبنا. أما فرحة (فارس العروبة) بخلاصه من الفضيحة فكانت لا تصدق، خصوصاً أن زوجته العراقية التحقت به بعد ذلك بوقت قصير.
بعد انقلاب الثامن من شباط عام 1963 عُيِّن (فارس العروبة) وزيراً (وكان قد حصل على الدكتوراه وعاد إلى العراق). وبما أنني عُزلت من وظيفتي التدريسية بعد الإنقلاب ضمن قائمة (178) أستاذاً جامعياً، فقد خطرت لي فكرة مقابلة (فارس العروبة) لغرض التوسط من أجل الحصول على جواز سفر لي لمغادرة العراق. في مبنى الوزارة طلبت من سكرتير الوزير إخباره بأن (أمجد حسين) يود مقابلته. دخل السكرتير إلى غرفة الوزير، ثم خرج ليقول عفواً أستاذ، السيد الوزير يقول إنه لا يعرف أحداً بهذا الاسم وبالتالي لا مجال لمقابلته” فقلت للسكرتير: “أخبره أنني أمجد حسين أبو (تيلدا)”. وما أن دخل السكرتير غرفة الوزير ثانية حتى فُتح الباب من جديد وإذا ب(فارس العروبة) يخرج من مكتبه ناشراً ذراعيه ليردد … وعلائم النفاق تفضح سريرته “هله ولوك الهله أخويه … تعذرني ذاكرتي ضعيفة من كُثر الأشغال”. دخلت ثم خرجت، دون أن أفاتحه بالغرض من مجيئي، فقد “بهت لونه في عيني”، كما جاء في المُقتبس.
(19)”لا يستطيع السوط أن يُخرس كل صوت” (ص224 ). تعليق: هذا الكلام صحيح بنسبة (99%) إذ لا بد أن تظل بعض الأصوات عالية حتى لو كان مآل أصحابها الموت؛ القتل أو الإعدام. وعليه فإن بيت الشعر الذي خُتمت به قصيدة مستبد لا ينطبق على الواقع الحقيقي:
والفح بسوطك إنَّ الناسَ سائسُها
سوطُ السلاطين، لا حُكم القوانِينِ
(20) “حتى اللص يقول “بسم الله” عندما يهم بوضع المفتاح في ثقب الخزانة” (ص 216). تعليق: يقول اللص “بسم الله” إما بصوت واطئ جداً أو يقولها صامتاً. ماذا عن لصوص المال العام الذين يرددون اسم الله مئات المرات في الأربع والعشرين ساعة بصوت عالٍ أمام كاميرات التلفزيون؟
(21) “ارحل بنفسك من أرض تُضام بها ولا تكن من فراق الأهل في حَرَقِ … فالعنبر الخام روثٌ في مواطنه وفي التغرب محمولٌ على العنقِ” (ص262). التعليق: ما الذي جاء بنا إلى هنا وثمة آلاف غيرنا “محمولون على العنق” في أصقاع أُخرى؟
(22) “الأتيكيت هو أن نتعلم كيف نتثاءب وفمُنا مُغلق” (ص 312). التعليق: ولكن ماذا عن مسؤول “ينكبر” أنفه في الاجتماعات الرسمية حتى اضطرني إلى أن أخاطبه بالقول:
تنكبر الخشم هل في الخشم مُنتَج؟ سودُ الأظافر ترعى في البساتينِ
عشرون مرت وحفر الخشم متصلٌ حصدت ثماراً بالملايينِ؟
هل المخاطين صارت سكةً ذهباً، أم القرافيع بيعت بالدرازينِ؟
*****
نأتي الآن إلى إستعراض بعض المقتبسات التي أختلف مع مضمونها، وفي ظني أن الدكتور شوقي قد يتفق معي في هذا الاختلاف.
- “الابن ابني وابن البنت فلا، لحم الكبش يؤكل ولحم الكلب فلا” (ص109) … أليس في المقتبس تحيز للذكر وإهانة للأنثى؟
- “ابنك يأكلك صغيراً ويرثك كبيراً” وابنتك تأكل من وعائك وترث في أعدائك، “وابن عمك عدوك وعدو عدوك” (ص109).
ما يتعلق بالابن حقيقة تأريخية لا عيب فيها. أما “ابنتك ترث في أعدائك” فهذه مسألة فيها نظر، أي لا تنطبق على البنات كلِّهنَّ. غير أن افتراض أن “ابن عمك عدوك” فهو افتراض ظالم لكثير من أبناء العمومة من المخلصين.
- “إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة” (ص 118) سؤال … من المخَاطبُ هنا؟ الغني الذي يُملِق أي يمسي فقيراً؟ وفي هذه الحالة، كيف سيتسنى له أن يُعطي للآخرين “صدقة” لكي يكسب مرضاة الله، وبالتالي يعوضه الله عن خسارته المادية أو إفلاسه؟
- “اعتمد على دماغك في القضايا التي تهمك وعلى قلبك في القضايا التي تهم غيرك” (ص126). لماذا هذا التفريق بين “الدماغ” و”القلب” المبني على مبدأ “الأنانية” أي “الأنا” أولاً؟ هل على سبيل المثال تتعامل بالحسنى مع خبيث يتمسكن أمامك إلى أن يستثير عواطفك أي “قلبك” دون أن ترجع إلى دماغك الذي يحكم عليه بالخُبث؟
- “لا تدخل على المرأة إلا والسوط في يدك” (ص140 )… هذا الكلام يقتضي وقفة والكثير من علامات الاستفهام وعلامات التَّعجُّب؟!
- “السلطان ظلُّ الله في أرضه، يأوي إليه كل مظلوم من عباده” فإذا عدَلَ كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإذا جار السلطان “كان عليه الأمر وعلى الرعية الصبر” (ص171 ). بمعنى حُكم الله … عقاب بسبب جورهِ على الناس، ولكن لماذا يتعين على الرعية الصبر؟ “هل صَبرَ مُحمَّد(ص) على جور قُريش؟ وهل صَبَر الفرنسيون على جور الملوك في العام 1789؟ وهل صَبَر الهاشميون وبقية العرب على جور العثمانيين؟ هل … هل …؟!
(7( “الغزل صورة صوتية لأفكار المرأة عن نفسها يقوم بإذاعتها الرجل (ص202 )، نعم ؟! ماذا لو أن غزل الرجل نابع من صميم عواطفه الحقيقية؟
(8(“الحيلة خير من الشدة، والتأني أفضل من العجلة، والجهل في الحرب خير من العقل والفكر (ص232).
في الجملة الأخيرة تحديداً: هل الجهل في الحروب في الثمانينيات وفي أوائل التسعينيات من القرن المنصرم، وغياب “العقل “والفكر” أنتجا خيراً لبلدنا والمنطقة عموماً؟
(9) سُئل سُقراط من تلاميذه مرة: أيهما خيرٌ للمرء أن يتزوج، أم لا يتزوج؟ قال سُقراط أيهما فعلتَ فإنك
في الحالين نادم” (ص253). أشك في نسبة هذا الكلام إلى سُقراط، فسُقراط الذي وضع أسس ما يسمى
لاحقاً بالثقافة الغربية مع أفلاطون و أرسطو، يناقض بهذا الكلام (المنسوب إليه) آراءه التقدمية التي طرحها
بجرأة في زمانه، أي في القرن الرابع قبل الميلاد.
وفي المقتبسات التالية لهذا المقتبس (المزعوم) جنوح واضح ضد الزواج، ربما ضمَّها الكتاب للاطلاع على آراء سلبية لا للترويج لها. ومنها ما يلي:
- “ليس كل الرجال حمقى، فالبعض يفضِّلون العزوبية” (ص 254).
- “الخطوبة هي الفرصة الأخيرة للرجل كي ينجو قبل توقيع الحكم عليه بالسجن المؤبد” (ص255).
- “الزواج هو أول شيء يفكر فيه الفقير، وثاني شيء يفكر فيه الغني، وآخر شيء يفكر فيه العاقل (ص256).
- “إعراب جملة (تزوَّجْ وعش سعيداً): تزوج فعل أمر، و(عش سعيداً) فعل مضحك (ص257).
- “في الزواج ليس هناك سوى يومين جميلين: يوم دخول القفص … ويوم الخروج منه (ص258 ).
- “الزواج صفقة يتنازل فيها الرجل عن لسانه، ليعيش باقي عمره لا يتكلم إلا بأذنيه (ص303).
- “لا تنسَ الاعتذار للرجل إذا كنت مخطئاً، والاعتذار للمرأة إذا كنت مصيباً” (ص273).
- “الكذب هو الشيء الوحيد الذي تقوله المرأة بمنتهى الصدق” (ص314).
بالمناسبة، هناك مقولة لجورج برنارد شو، تفيد أن الزوج يحب الاتجاه شمالاً، والزوجة تحب الاتجاه جنوباً، وفي النهاية يتوجهان شرقاً رغم أن كليهما لا يحبان ريح الشرق!
- “إن الله غضب على المرأة فجعل النار وجهنم والهاوية والظُلمة والخَطيئة والرَذيلة أسماء مؤنثة، وجعل النعيم والفردوس والنور والصلاح، أسماء مذكرة” (ص309).
هذا المقتبس يذكرني بمحاضرتي عن (الاضطهاد اللغوي للمرأة العربية) المنشورة في الجزء السادس من (أحاديث الثلاثاء). ولكن هل هذا التصنيف من اختيار الله؟! ماذا عن المفردات المذكَّرة ذات الدلالات السيئة مثل (الأرق، والغرق، والبؤس، والتعذيب، والاضطهاد،والموت، والشنق، والاستبداد، والسرطان)؟ وماذا عن المفردات المؤنثة ذات الدلالة الحَسِنة مثل (الحسنة، والفضيلة، والمعرفة، والعاطفة، والمحبة، والرحمة، والشفقة، والقُبلة)؟ ثم ماذا عن اللغات كاللغة الإنكليزية، التي لا تفرق إلَّا نادراً، بين المفردات على أساس النوع الإجتماعي؟
قبل الختام: لدي أمنيتان كان بودي أن تتحقَّقا لكي يكون هذا الكتاب النفيس كاملاً متكاملاً من جميع الوجوه، أمنية قابلة للتحقيق ألا وهي إخضاع الكتاب لتدقيق نحوي وإملائي، ثم إخضاع مسودة الطبع لتدقيق طباعي. ولو كانت هذه الأمنية قد تحققت لما كانت هناك أخطاء نحوية وإملائية وطباعية، في أجزاء من هذا المصنَّف.
أما الأمنية الثانية (النابعة من جذوري وخبرتي الأكاديميتين) فتتلخص في ضرورة تثبيت مصدر كل مقتبس (أي مكان وروده، في كتاب أو مجلة أو جريدة … مع سنة صدور المصدر، ودار النشر، ثم رقم الصفحة. بيد أن تحقيق هذه الأمنية في ما يزيد عن ألفين وخمسمائة مقتبس يعني أن حجم الكتاب كان سيتضاعف عشر مرات في الأقل، وهو أمر مستحيل.
لا غنى عن قراءة الكتاب بأكمله.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
