*الشعر في عصر صدر الاسلام وامارتـه

فالح نصيف الكيلاني

“كتاب الشعر في عصر صدر الاسلام وامارتـه” للدكتور فالج نصيف الكيلاني عن دار دجلة ٢٠١٩

جاء الاسلام وانزل الله تعالى كتابه القرآن الكريم من السماء الى حبيبه محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ببيانه المعجز واسلوبه الشيق وبلاغته الرصينة التي ابهرت عقول وقلوب اهل الفصاحة والحصافة من العرب فاحتل المكانة الأولى في نفوس العرب والمسلمين

شعر صدر الاسلام تنحصر فترته ما بين حكم النبي محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وما بين العصر الاموي أو من مبعث النبي محمد صلى الله وسلم الى قيام خلافة بني اميـة ويعرف هذا العصر بعصر صدر الاسلام وأدب تلك الفترة هو أدب صدر الإسلام بقسميه الشعري والنثري

ولو أمعنا النظر في الثقافة العربية قبل الإسلام نلاحظ أن الشعر مسيطر أو له الكلمة الطولى على الحياة الثقافية. ومما لاشك فيه أن الشعر العربي كان السجل الحافل للحياة العربية في جزيرة العرب. ثم ظهر الإسلام وانتشر في هذه الجزيرة وما حولها فاصطدم العرب برسالة جديدة وثقافة لم يألفوها وبكتاب بليغ لم يستطيعوا مجاراته او الايتاء بآية من آياته او قول مثل قوله اســـلوبا وبلاغة وبيانا

وتحداهم علانية
(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا -ولن تفعلوا- فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدّت للكافرين) البقرة: 23 و24

و(قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن ياتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا*( الاسراء89

فأفحمت وخرست الألسن وتراجعت اهمية الشعر ومكانة الشعراء إلّا انه بعد دخول الشعراء الإسلام حاول هؤلاء الشعراء توظيف شعرهم لخدمة الاسلام ومحاكاة الدين الإسلامي شعراً متسربلين بعباءة الجاهلية فخرج الشعر في معظمه جاهلياً محاكاة وبناءاً واسلوبا وإن استمد بعضهم من المعاني الإسلامية كلمات ومرادفات.

اعتقد أغلب الناس أن ما جاء في القران الكريم حول الشعراء مقصود به ذم الشعراء والنيل منهم وخاصة الشعراء المشركين الذين كانوا يهجون النبي محمد صلى الله عليه وسلم وينالون من المسلمين والحقيقة ان المقصود به في الآيات الكريمة الواردة في سورة الشعراء

قال الله تعالى

)وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلا الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ*( الشعراء: 224 -227

هي طريقة الشعراء ليس الشعراء أنفسهم فجاء ذكرهم أنهم يتبعهم الفاسدون او الغاوون وأنهم يقولون ما لا يفعلون من هجاء الناس أو مدح الزيف أو وصف الخمرة أو غيرها من الأغراض التي تتعارض ودعوة الإسلام، خاصة الهجاء الفاحش الذي كان يقوله شعراء قريش في هجاء المسلمين وتشكيكهم في الدعوة الاسلامية وقد تأكد ذلك في الاستثناء الذي ورد في هذه الايات المباركة حيث استثنى القرآن الكريم الشعراء المسلمين

)إِلا الذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلِواْ الصَالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وسيعلم الّذين ظلموا اي منقلب ينقلبون*( الشعراء: 227

وهم الذين اعتبرهم القرآن الكريم هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا للمسلمين بألسنتهم فيما قالوه من شعر بحق الكفار والمشركين وبما فخروا به في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم وانتصار المجاهدين من المسلمين وشهداء الاسلام . كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم انه قال

(ان من الشعر لحكمة)

أو قوله للشاعر حسان بن ثابت يحرضه على هجاء شعراء قريش الذين بقوا مشركين وكفارهم

(هاجهم وجبريل معك)

ومما يخطر على الذهن هنا قول لبيد العامري الشاعر الجاهلي بعد اسلامه

الحمد لله الذي لم يأتني أجلي

حتى كساني من الاسلام سربالا

او قوله

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وكلّ نعيم لا محالة زائل

فموقف القرآن الكريم من الشعر والشعراء كان واضحا وهو موقف الاسلام فهو يعتمد تسخير الشعر لخدمة الدعوة الاسلامية ومحاربة من يقف ازاءها من الشعراء الذين قال عنهم

(وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون)

ثم ان النظرة الشاملة او العامة للاسلام – الكتاب والسُّنّة – هو أن يكون توجه المرء الى القرآن الكريم والابتعاد عما سواه وشد المسلمين اليه دراسة وتعلما وحفـظا وتفقـها وفي كل مجالات الحياة وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال

(لأن يمتليء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتليء شعراً)

وفي هذا أمر بالابتعاد عن الشعر وهجره إلى ما هو افضل وهو القرآن الكريم . وقد ورد عن الشاعر لبيد انه قال

(الحمد لله الذي أ بدلني بالشعر سورة البقرة)

أي أنه حفظها وهجر الشعر، لذا فأن تصدر القرآن الكريم والسنة النبوية كان له الاهتمام الغالب للإنسان المسلم حيث ان غلبة الشعر على الفرد ربما تنسيه ذكر الله تعالى والعودة الى الجاهلية ولبعض أخلاقها المذمومة وعاداتها السيئة و التي أعلن الإسلام محاربتها لذلك كان الصدى القوي الذي يرنَّ في أسماع الناس صوت الرسالة المحمدية الجديدة وفلسفتها. وكان جديرا بهذا الامر أن يوقف كل أساليب القول والتفكير إلا في هذه الرسالة نفسها

حرص الخلفاء الراشدون على تعليم الناس القرآن الكريم وحفظه فهو خير من قول الشعر وحفظه ومع كل هذا لم ينته الشعر ولم يهمل وبقيت له مكانة في القلوب والنفوس وقد ازدادت الحاجة اليه لما عمدوا إلى تفسير القرآن الكريم وخاصة في معرفة غريب الألفاظ أو بعض المعاني فقد قيل انه روي لأبي بكر الصديق قصيدة في الحماسة وروي لعمر بن الخطاب أبيات في الحكمة وكذلك لعثمان بن عفان. أما علي بن ابي طالب فقد كان شاعرا وروى الناس من شعره الكثير وقيل إن بعضه قاله في معركة صفين وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون أي كلهم قالوا الشعر إلا انهم كانوا يمنعون الشعراء عن هجاء المسلمين أو هجو الإسلام

كل هذه الامور جعلت تيار الشعر العام في هذا العصر يضعف ويخبو أواره وتتوارى بلاغته وبيانه في بداية هذا العصر وخاصة في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخليفتيه ابي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لاهتمامهم بالقرآن الكريم فقط إلا انه ظل مزدهرا على شكل ومنهج الشعر الجاهلي وامتدادا له الا انه عامة قد ضعف وأن غالبية الأغراض قد قل القول فيها إن لم تكن ندرت ,عدا بعض الأغراض التي أملتها ظروف الدولة الجديدة في هذا العصر كشعر الفتوحات الاسلامية وشعر التهاجي بين المسلمين والمشركين وشعر الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشعر رثاء المسلمين ممن استشهد في ساحات الوغى والقتال في سبيل نصرة الاسلام

وكان من أهم أسباب هذا الضعف عدم سهولة التكيف على تعاليم الإسلام الجديدة سلوكا واسلوبا. لذا ظل الشعراء ينتهجون الأسلوب الجاهلي تصورا وأخيلة مع إدخال بعض الألفاظ الإسلامية في بداية عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. لذا جاء شعرا ممزوجا بين أسلوب الجاهلية والمعاني الإسلامية ولم يستطع شعر صدر الاسلام ان يتحرر من قيود الشعر الجاهلي ابدا. ومن ذلك قول الشاعر بجير بن زهير بن ابي سلمى وكان قد اسلم

إلى الله – لا إلى العزى ولا اللات – وحده

فتنجو إذا كان النجاء وتسلمُ

لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت

من النار إلا طاهر القلب مسلمُ

وفي لامية اخيه كعب بن زهير في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تظهر الصياغة الجاهلية واضحة كالشمس مهما حاول اكساءها بثوب اسلامي

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ

متيم أثرها لم يفد مكبولُ

إن الرسول لنور يستضاء به

مهنّد من سيوف الله مسلولُ

في عصبة من قريش قال قائلهم

ببطن مكة لما أسلموا زولوا

زالوا فما زال أنكاس ولا كشف

عند اللقاء ولا ميل معازيلُ

فالشعر في هذه الفترة مهما كان مكتسيا ثوب الإيمان ملتزما بالمعاني الإسلامية الا انه ظل جانحا إلى أسلوب الشعر الجاهلي اخذا منه سائرا على انماطه وهذا ليس عيبا في الشعراء وإنما هم كانوا يحاولون صياغة أشعارهم على النمط الإسلامي إلى أقصى مدى ممكن لهم، إلا ان الفترة الزمنية للرسالة المحمدية في زمن صدر الاسلام كانت قصيرة وهي تعد اقصر العصور في التاريخ العربي والاسلامي بالإضافة إلى عدم إسلام الشعراء جميعهم في بداية الرسالة فكان من أهم الأسباب التي أدت إلى بطء تطور الشعر في هذا العصر

ومن خلال دراستي لشعر الشعراء في هذا العصر تبين لي هناك تأثره بدعوة الإسلام إلى درجة عالية عند حسان بن ثابت واقتباس بعض الألفاظ عند كعب بن زهير الا انه بقي مشدودا الى الشعر الجاهلي فكان شعره جاهليا في الإسلام – نسبة إلى اسلوب الشعر

يرجع ذلك التفاوت إلى الأسبقية في الإسلام والموهبة الشعرية المختلفة والاستعداد لتقبل الدعوة الجديدة طبقا لظروف الشاعر في الجاهلية فالحطيئة مثلا كان معروفا بالهجاء في الجاهلية لم يستطع أن يتخلص بصورة نهائية من الهجاء حتى حبسه الخليفة عمر بن الخطاب بعض الوقت ولم يقل فيه ثم اطلقه فعاد اليه . وكعب بن زهير اقتبس بعض شعره في الإسلام من الايمان الإسلامي فكان قليلا ومن الأسلوب الجاهلي كثيرا وهكذا بقية الشعراء حيث كان اغلبهم مخضرمين فأ ثر فيهم اسلوب وطبيعة الشعر الجاهلي ولم يتمكنوا من التخلص منه فنسجوا على منواله

ومن هنا يتبين أن الشاعرالفطحل حسان بن ثابت شاعرالرسول انتقل بروحه من الجاهلية الى الاسلام وتاثر بكلّ قصص القران الكريم والاساليب القرانية والحديث الشريف وما جاءت به الشريعة الاسلامية اذ تصب في عصره لقربه من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقرابته منه حيث انه كان عديله فاهتم به كثيرا وان عمره الطويل عركه فكانت قصائده في مدح الحبيب المصطفى وفي شهداء المسلمين كثيرة فهو بحق امير الشعر واميرالشعراء في عصر صدر الاسلام حيث انه هو الافضل في شعره وافضل الشعراء فيما قالوه في هذا العصر واقربهم اليه مقالة

Leave a Reply